رئيس التحرير
عصام كامل

توفيق دياب يكتب: العروس التي أريدها لابني

18 حجم الخط

في مجلة (الهلال عام 1948) كتب المفكر والصحفى محمد توفيق دياب، مقالًا يقول فيه:

لو أطلق ولدي لنفسه أعته الأماني في دنيا الأوهام، لخيل إلى نفسه أنه يعيش في عصر جحا، وأنه قد نافسه في رغبة الزواج من بنت السلطان فظفر بها.


على أن ولدي لو انقاد لنصحي، لأعرض عن أمنية زواج بنت السلطان؛ إنها فتاة رائعة الجمال واسعة الثراء عريضة الجاه، وقد تدهش إذا قلت إني لا أحب لزوجة ولدي أي صفة من هذه الصفات.

لا أريد لابنى زوجًا حسنها فتان -لا رغبة عن الحس في ذروته، لكن تهيبًا لآثار تلك الفتنة في نفس ولدي وفي نفوس من حوله؛ فلو أن ولدي كان يعيش في عصر جحا حقيقة لا وهمًا، وأتيحت له حقيقة زوجة رائعة الجمال، لجاز لي أن أغض عنه فلا أنصحه بأن يعدل عن ذلك الحس الخلاب إلى حسن وسط.. لماذا؟ لأن جحا وعصورًا قبله وبعده كانت تبيح للزوج أن يخبئ في بيته نفائس الجمال، كما يخبئ في خزائنه نفائس المال.. وأراد له الزوجة ألا تفارق الجدران طيلة حياتها، إلا في حالتين: زفافها من بين أبيها إلى بيت الزوجية، ومن بيت الزوجية إلى مقبرتها.

لكن وعى الإنسانية بحقوق المرأة وحقوق الرجل، قد فك أسر الجنس الصابر الوديع، جنس الكرائم العزيزات من أمهات وزوجات، فأصبحن يمشين في الأسواق، ويشاركن في الأعمال، فألغيت سجون الجمال، سفرت الوحدة المحببة، وتلاقي الجنسان في تزاور الأسر، وفي المسارح وندوات الشعر، وحلقات السباق.

والناس ليسوا ملائكة، وما أخشاه إذا أتيحت لولدي زوجة من ملكات الجمال، أن تضجر من زوجها، ولست أتهم حصانتها، لكنها تخلب عقول السابلة في الطريق، وعقول المدعوين في الحفلات بسبب فتنتها.. فإن كل حسناء فائقة الجمال مظنة للشك المريب.

إن سوق الجمال نافقة، ولن تكسد أبدًا أبدًا، ولست أعني هنا أن الجمال آفة بل هو نعمة من أجل النعم، إذا كان حجابًا ظاهرًا ينطوي على جمال باطن.. أي حجاب روح نقية.

ثانيًا: لا أريد زوجة ابني أن تكون من ذوات الثراء الحاضر، أو الثراء المنتظر؛ لأنى أريده رب البيت وصاحب الكسب، ولن يكون رجلًا حتى يضطلع بأعباء الزوج والولد..

كم من الأفندية سترت الآنسة، وكم من البيوت والعمائر والأسهم والشركات؟ كلها أسئلة تجري علي ألسنة طلاب الزواج، قبل أن يسألوا عن نوع التربية وبليغ التهذيب.

لا أريد لولدى أن يتزوج عزبة أو عمارة أو رصيدًا في بنك، إنما أريده فتى عيوفًا، تأبى له مروءته إلا أن يختار زوجة لشخصها المحبوب، لا لملكها المحسوب، إلا إذا تبادلا الحب واستوفيا دلائل السعادة، بهذا تستديم كرامته في عين نفسه وفي عين زوجه، وفي عين المجتمع.
الجريدة الرسمية