كيف تحولت أصوات الأحزاب الحريدية إلى ورقة حاسمة في معركة تشكيل الحكومة الاسرائيلية؟
كشف الدكتور أحمد البدوي سالم، أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر، زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن معركة تشكيل الحكومة الإسرائيلية، في أعقاب الانتخابات تكشف عن طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، وهي أن القوة السياسية لا تُقاس دائمًا بعدد المقاعد البرلمانية التي يمتلكها الحزب، وإنما قد تتحدد بموقعه داخل التحالفات، ومدى احتياجه للقوى المنافسة، وقدرته على تعطيل تشكيل الحكومة أو منحها شرعية الأغلبية، وفي هذا السياق برزت الأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها حزب شاس وحزب يهدوت هتوراه، باعتبارها أحد أهم مفاتيح المعادلة السياسية، رغم محدودية حجمها العددي مقارنة بالأحزاب الكبرى.
الأحزاب الحريدية تجاوزت أهميتها حدود تمثيل جمهور ديني محافظ
وأكد الدكتور أحمد البدوي سالم، فى تصريح لـ"فيتو"، أن أهمية هذه الأحزاب الحريدية تتجاوز حدود تمثيل جمهور ديني محافظ؛ إذ أصبحت تمثل قوة تفاوضية قادرة على التأثير في اتجاهات تشكيل الحكومة، وتحديد أولوياتها التشريعية والمالية، بل وإعادة صياغة التوازنات داخل المعسكرين السياسيين المتنافسين، وتنبع هذه المكانة من طبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي، الذي يجعل تشكيل الحكومة مرهونًا بالحصول على أغلبية لا تقل عن 61 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في الكنيست؛ الأمر الذي يمنح الأحزاب الصغيرة، عندما تكون أصواتها ضرورية لاستكمال الأغلبية، نفوذًا يتجاوز وزنها الانتخابي المباشر.
مفارقة الأغلبية المستحيلة فى الخريطة البرلمانية
وواصل أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد في جامعة الأزهر، قائلا: أفرزت النتائج عن حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر المعارضة، و19 مقعدًا للأحزاب العربية، ويعكس هذا التوزيع حالة من الانقسام السياسي الحاد، لا يستطيع معها أي من المعسكرين تشكيل حكومة مستقرة بصورة منفردة، وتكمن أهمية الأحزاب الحريدية في أنها تمثل مكونًا أساسيًا داخل معسكر نتنياهو؛ الأمر الذي يجعل خسارتها أو انسحابها من تحالفه تهديدًا مباشرًا لقدرة هذا المعسكر على الاحتفاظ بالأغلبية، وفي المقابل، تواجه المعارضة مشكلة أكثر تعقيدًا؛ إذ إن الأحزاب الثلاثة الرئيسة التي يشار إليها في المعطيات، وهي "ياشار" و"معًا" و"الديمقراطيون"، تمتلك مجتمعة 41 مقعدًا، وترتفع هذه الحصيلة إلى 48 مقعدًا بإضافة مقاعد “يهدوت هتوراه” السبعة.
قضية التجنيد الإجباري، العقدة المركزية في المفاوضات الائتلافية
وقال أحمد البدوى سالم: لا يمكن فهم الدور السياسي للأحزاب الحريدية بمعزل عن قضية تجنيد طلاب المعاهد الدينية في الجيش الإسرائيلي، فهي تمثل جوهر الصراع بين الهوية الدينية المحافظة ومتطلبات الدولة العسكرية والأمنية.
وتستند الأحزاب الحريدية في موقفها إلى تصور ديني واجتماعي يعتبر التفرغ لدراسة التوراة وظيفة أساسية ينبغي حمايتها،، ومن ثم فإن قضية التجنيد لا تمثل مجرد خلاف حول توزيع الالتزامات العسكرية، وإنما ترتبط بتحديد طبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة، وحدود سلطة الحكومة والجيش في فرض نموذج موحد للمواطنة والواجبات العامة.
الانسحاب الجزئي وأدوات الضغط على نتنياهو
ويرى د. سالم أن التحركات الحريدية تكشف عن تطور في أساليب إدارة الصراع داخل الائتلاف الحكومي، فلم يعد الانسحاب من الحكومة أو التهديد بإسقاطها هو الأداة الوحيدة المتاحة، بل ظهرت صيغة أكثر مرونة يمكن وصفها بـالانسحاب الجزئي.
وتتمثل هذه الاستراتيجية في مغادرة بعض مكونات الائتلاف الحكومة أو تعليق مشاركتها الوزارية، مع الاحتفاظ بهامش من الارتباط بالترتيبات البرلمانية، أو اتخاذ مواقف تتيح استمرار التفاوض دون تحمل المسؤولية الكاملة عن إسقاط الحكومة.
وتحمل هذه الاستراتيجية ثلاث دلالات سياسية:
أولها: أنها تسمح للأحزاب الحريدية بممارسة الضغط على نتنياهو دون الوصول مباشرة إلى مرحلة إسقاط الحكومة.
وثانيها: أنها تحافظ على صورة هذه الأحزاب أمام جمهورها الديني، باعتبارها مدافعة عن المصالح الدينية والاجتماعية، وليست شريكًا متساهلًا مع أي حكومة على حساب الثوابت الدينية.
وثالثها: أنها تتيح للقيادات الحريدية الاحتفاظ بخيارات متعددة في المفاوضات، بحيث يمكنها العودة إلى الحكومة إذا حصلت على ضمانات كافية، أو مواصلة الابتعاد عنها إذا لم تستجب لمطالبها.




