خبر وتحليل
المرأة السودانية من ميادين الثورة إلى جبهات الصمود في زمن الحرب.. هل انتهت المعاناة؟
من طاولات الشاي التي احتضنت أحلام الثورة السودانية، إلى التكايا التي تقاوم الجوع، والمستشفيات التي تحاول إبقاء الحياة ممكنة وسط الدمار، تواصل المرأة السودانية كتابة فصول جديدة من الأمل والألم في بلد أنهكته الحرب. فمنذ إسقاط نظام عمر البشير، مرورا بالحرب التي اندلعت في أبريل 2023، لم تتوقف السودانيات عن خوض معارك البقاء، فتحملن أعباء إعالة الأسر وإغاثة النازحين وتوثيق الانتهاكات، بينما يطاردهن شبح العنف الجنسي والفقد والنزوح.
فخلال الثورة السودانية، شكلت بائعات الشاي في السودان جزءا أصيلا من المشهد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وأدين دورا بارزا في الثورة السودانية التي اندلعت في 19 ديسمبر 2018، وما صاحبها من احتجاجات واعتصامات، وتحولت طاولاتهن وأكواخهن إلى نقاط تجمع ومساحات للحوار، وإدارة المطابخ الشعبية وتوفير آلاف الوجبات والمشروبات للمعتصمين يوميا.
ولم يكن ذلك سوى جزء من نضال طويل خاضته المراة السودانية في غطار كسر حاجز الخوف ومواجهة القمع؛ حيث خاضت بائعات الشاي لعقود طويلة صراعا ضد القوانين الجائرة وملاحقات نظام عمر البشير السابق الذي كان يفرض عليهن غرامات ومضايقات ويعكس مظاهر التهميش. ومع اندلاع الثورة، تحول حضور بائعات الشاي إلى رمز لصمود المرأة السودانية في وجه الاستبداد، في معركة استمرت مع اندلاع الحرب السودانية ضد ميليشيات الدعم السريع وجرائمها التي لا تنتهي.
وبحسب تقرير نشرته وكالة الأنباء السودانية الرسمية "سونا" بالتعاون مع اتحاد وكالات الأنباء العربية (فانا)، فإن "الحرب التي اندلعت في السودان في إبريل 2023 لم تكن مجرد مواجهة عسكرية أوقفت عجلة الحياة وأربكت مؤسسات الدولة، بل أحدثت تحولات عميقة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وفرضت على المرأة السودانية واقعا استثنائيا ومسؤوليات مضاعفة، تجاوزت رعاية الأسرة إلى البحث عن مصادر الدخل، وإدارة الأزمات، وابتكار وسائل جديدة للصمود والاستمرار".
المبادرات الإنسانية والتكايا والمطابخ الجماعية
في خضم هذه التداعيات، لم تكن المرأة السودانية -بحسب التقرير- مجرد ضحية للحرب أو شاهدة على فصولها القاسية، بل تحولت إلى قوة فاعلة في مواجهة الأزمة، وحماية المجتمع من التفكك، وتأمين مقومات الحياة للأسر المتضررة.
ومن المبادرات الإنسانية والتكايا والمطابخ الجماعية، إلى استمرار تقديم الخدمات الصحية، وإطلاق المشروعات الاقتصادية والإنتاجية، برزت المرأة السودانية نموذجا للصمود والمبادرة والعطاء، مؤكدة قدرتها على مواجهة التحديات والإسهام في صناعة الأمل وفتح آفاق التعافي وإعادة البناء.
ومع استمرار الحرب منذ عام 2023، تراجعت إمكانية الحصول على بيانات حديثة تعكس حجم التحولات في سوق العمل، في ظل تآكل الهياكل الاقتصادية وتعطل المؤسسات والموارد الوطنية، بما فيها القوى البشرية التي تمثل المرأة جزءا أساسيا منها.

لكن قطاعات واسعة من النساء السودانيات اتجهن -في المقابل- إلى تأسيس مشروعات صغيرة وإحياء أنشطة إنتاجية منزلية، والاستفادة من الوسائط الرقمية في التسويق والترويج للمنتجات والخدمات، فضلا عن إدارة منصات تسويقية وإعلامية أصبحت نافذة للعمل والتواصل وتوفير مصادر دخل بديلة، وفق التقرير.
وفي ظل صعوبة وصول بعض وكالات الإغاثة وسلاسل الإمداد إلى المناطق المتضررة، أسهمت النساء في تأسيس وإدارة التكايا والمطابخ الجماعية داخل الأحياء ومراكز النزوح، لتوفير الغذاء للفئات الأكثر احتياجًا.
وامتد هذا الدور إلى القطاع الصحي الذي تعرض للتدمير والنهب والحرق، حيث شكلت الكوادر الطبية والتمريضية والفرق التطوعية النسائية ركيزة مهمة في استمرار تقديم الخدمات الصحية داخل المستشفيات ومراكز الإيواء ومخيمات النزوح واللجوء، وفق التقرير.
كشف العنف الجنسي وانتهاكات الحرب
من جهتها، قالت أستاذة الصحافة والإعلام بكلية الإعلام بجامعة أم درمان الإسلامية، ومديرة أكاديمية السودان لعلوم الاتصال والتدريب الإعلامي، سلوى حسن صديق في تصريحات لـ"سونا": إن المرأة الإعلامية السودانية برزت خلال الحرب بوصفها شريكا فاعلا في معركة الوعي، وشاهدا على الأحداث، وناقلا لتفاصيل الحرب وتداعياتها الإنسانية والاجتماعية، رغم ما واجهته من مخاطر النزوح والفقد والضغوط المهنية والأسرية.
وقالت صديق: واصلت الإعلاميات السودانيات، منذ اندلاع الحرب، أداء رسالتهن عبر المؤسسات الرسمية والصحف والمنصات الإعلامية، مستخدمات مختلف أشكال العمل الصحفي، من الخبر والتقرير والتحقيق إلى المقال، إلى جانب الإسهام في التوعية ومناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولم يقتصر دور الإعلاميات السودانيات –بحسب التقرير- على نقل الأحداث، بل امتد إلى متابعة الملفات الحساسة، وفي مقدمتها قضايا العنف الجنسي وانتهاكات الحرب، ومعايشة معاناة المواطنين وتوثيقها، فضلًا عن تحمل مسؤوليات الأسرة والعمل المهني في ظروف بالغة التعقيد.
وجه قاتم في رغم الأمل
على الرغم من ذلك كله، لم تكن الصورة وردية؛ فالحرب هي الحرب. وبلغة الأرقام، تشير الأمم المتحدة إلى أن 76 % من النساء السودانيات في الفئة العمرية بين 25 وحتى 49 عاما يشعرن بعدم الأمان، فضلا عن وقع المئات من حالات العنف الجنسي التي لم يتم الإبلاغ عنها بسبب الوصمة والخوف، وأن تروي النساء والفتيات في جميع أنحاء السودان يروين قصص تجارب مستمرة من الخطر؛ إذ يشكل العنف القائم على النوع الاجتماعي جزءا من حياتهن اليومية، سواء كان ذلك على طول الطرقات أثناء محاولتهن الفرار من النزاع الدائر، أو عند وصولهن إلى مخيمات النزوح.
وأواخر أكتوبر الماضي، استعادت المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب أفريقيا آنا موتافاتي ما تعرضت له السودانيات في مدينة الفاشر على يد ميليشيات الدعم السريع قبل عام، قائلة: بعد مرور عام على سقوط مدينة الفاشر -عقب حصارها من الدعم السريع- لم تندمل ندوب العنف لدى النساء والفتيات، حيث لا يزلن يعشن تحت وطأة صدمات "العنف الجنسي، واختفاء بناتهن وأخواتهن وأمهاتهن وأزواجهن وأبنائهن، ومقتل أفراد أسرهن، وفقدان منازلهن وسبل عيشهن".
وأضافت: "كشفت الصور التي وردت من الفاشر قبل عام عن مدى فداحة العنف الذي تتعرض له النساء والفتيات في السودان، من اغتصاب جماعي، وضرب، وإذلال، وسلب للممتلكات. كما اختطفت أخريات ولم يعرف مصيرهن حتى الآن"، وفق الموقع الإلكتروني الرسمي للأمم المتحدة.




