رئيس التحرير
عصام كامل

حرب السودان المنسية تدخل عامها الرابع.. تصاعد جرائم ميليشيات الدعم السريع.. 33.7 مليون شخص بحاجة للمساعدات.. 825 ألف طفل يواجهون الهزال.. وقدرات دول الجوار الاستيعابية تقترب من الصفر

الحرب في السودان
الحرب في السودان تدخل عامها الرابع
18 حجم الخط

السودان، غدا الأربعاء، تمر ثلاث سنوات على الحرب السودانية، والتي مارست فيها ميليشيات الدعم السريع أحد أسوأ الجرائم الإنسانية في تاريخ أفريقيا، في حرب طالما وصفت بـ"الحرب المنسية"، فيما تتجه الأنظار إلى مؤتمر دولي حول السودان تستضيفه مدينة برلين منتصف أبريل الجاري، وسط توقعات بأن يتحول هو الآخر إلى كلمات بلا صدى، أو محاولة جديدة إلى مزيد من تقسيم الأراضي السودانية.

بحسب وكالة "فرانس برس"، تقول منسقة الأمم المتحدة في السودان دينيز براون: تحولت الحرب في السودان إلى أزمة مهملة في بلد عالق في دوامة من الرعب؛ ومع تكرار أعمال العنف الجنسي وتكرار عمليات النزوح وتكرار سقوط قتلى.، يبدو أننا عالقون في دوامة لا تتوقف؛ ويبقى السؤال المطروح هو: لماذا لم ينتفض العالم بشكل كاف للتحرك؟ وما الذي ينبغي أن يحصل بعد لاستفاقة الضمائر ولفت الانتباه"؟!

لا أحد يعرف العدد الدقيق للضحايا

وتضرب براون مثلا بمدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور والتي سيطرت عليها ميليشيا الدعم السريع، حيث تفيد تقديرات الأمم المتحدة بمقتل 6 آلاف شخص على الأقل في الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم على المدينة، قائلة: لا يعرف بعد العدد الفعلي للقتلى والمفقودين والمعتقلين؛ والموضع ذاته بالنسبة لمدينة الدلنج في ولاية جنوب كردفان التي تواجه هجمات يومية ولم يعد يمكن لقوافل المساعدات التابعة للأمم المتحدة الوصول إليها.

أسر نازحة من الفاشر إلى مخيمات في بلدة طويلة بحثا عن دعم أممي لا يزيد عن 16% من حجم التمويل المطلوب
أسر نازحة من الفاشر إلى مخيمات في بلدة طويلة بحثا عن دعم أممي لا يزيد عن 16% من حجم التمويل المطلوب

وتضيف: إنها أكبر وأعقد أزمة نواجهها اليوم، ولا بد من التركيز على سبل إيجاد حل، وتمويل الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للسكان بانتظار تسوية.

تجاهل دولي لدعوات التبرعات

وتتابع: لا يجب اعتبار الحرب في السودان أزمة منسية بل أزمة مهملة، خاصة أن نداء جمع تبرعات بقيمة 2.9 مليار دولار والذي أطلقته الأمم المتحدة للسودان سنة 2026 لم يلق سوى تمويل بنسبة 16%، في ظل تقلص المساعدات الإنمائية على الصعيد الدولي.

وبحسب الموقع الإلكتروني لمنظمة الأمم المتحدة، تؤكد ممثلة مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في السودان ماري- هيلين فيرني أن "السودان يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم وواحدة من أسوأ حالات الطوارئ المتعلقة بالحماية  في ظل أزمة تمويل عالمية حادة".

أرقام صادمة بلا صدى

بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، يحتاج 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفا أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد هذا العام، كما أن 70% من المرافق الصحية معطلة.

يحتاج 33.7 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال
يحتاج 33.7 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال

ومنذ اندلاع الحرب في 14 إبريل 2023، اضطر نحو 14 مليون سوداني إلى الفرار؛ حيث لا يزال 9 ملايين منهم نازحين داخل السودان، بينما عبر 4.4 مليون شخص الحدود إلى دول مجاورة. واليوم، أصبح واحد من كل أربعة سودانيين نازحا، وفق الأمم المتحدة؛ فيما أدت أعمال العنف التي تواصل ميليشيات الدعم السريع ممارستها في أجزاء كبيرة من دارفور، ومنطقتي كردفان، وولاية النيل الأزرق، باستخدام القصف الجوي والطائرات المسيرة مؤخرا، إلى دفع مزيد من الأشخاص نحو الفرار.

ميليشيات الدعم السريع تستخدم العنف الجنسي كسلاح

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، استخدمت ميليشيا الدعم السريع العنف الجنسي كسلاح للحرب، بصورة دفعت منظمة الأمم المتحدة للإعلان في فبراير 2026 عن أن الوضع في مدينة مثل الفاشر يحمل بصمات واضحة للإبادة المرتكبة على يد "مليشيا الدعم السريع"، مشددة على استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والتجنيد القسري، والاعتقالات التعسفية، والمجازر، وغيرها الكثير.

وتابعت: لا تزال النساء والفتيات يواجهن مخاطر متزايدة تتمثل في العنف الجنسي، والاستغلال، وسوء المعاملة، لا سيما أثناء تنقلهن عبر المناطق غير الآمنة؛ والناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي يواجهن عقبات كبيرة تحول دون الإبلاغ عن الحوادث والحصول على الخدمات الطبية والنفسية-الاجتماعية والقانونية، مما يعزز بدوره حلقة العنف ونقص الإبلاغ عن الحالات.

لم تعد المرافق الطبية قادرة على أداء دورها في ظل تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة التي تشنها ميليشيات الدعم السريع
لم تعد المرافق الطبية قادرة على أداء دورها في ظل تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة التي تشنها ميليشيات الدعم السريع

ومن جهتها، تعلن شبكة أطباء السودان أواخر نوفمبر 2026 تسجيل 32 حالة اغتصاب مؤكدة خلال أسبوع لفتيات من الفاشر وصلن إلى بلدة طويلة، مشددة على أن انهيار آليات العدالة خلقت مناخا يسوده الإفلات من العقاب على نطاق واسع. 

أطفال نازحون بلا عائلات

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 58 ألف طفل سوداني وصلوا بمفردهم إلى الدول المجاورة، بعد أن انفصلوا عن عائلاتهم أثناء رحلة الفرار، وكثيرا ما وصلوا وهم مصابون بجروح ويعانون من صدمات نفسية عميقة.

وتضيف: ملايين الأطفال قضوا الآن ثلاث سنوات من طفولتهم في ظل النزوح، مما يخلف عواقب بعيدة المدى على مستقبلهم. ولم يتمكن معظم هؤلاء الأطفال من الالتحاق بالمدارس إلا بشكل محدود للغاية، أو حرموا من التعليم تماما.

قدرات الدول المجاورة الاستيعابية عند نقطة الانهيار

وتحذر الأمم المتحدة من أن القدرات الاستيعابية للدول المجاورة التي تستضيف الغالبية العظمى من اللاجئين السودانيين -ولا سيما تشاد ومصر وجنوب السودان- وصلت إلى نقطة الانهيار. 

ويأتي ذلك في وقت يتواصل فيه تدفق الوافدين من دارفور إلى تشاد، في حين يكافح جنوب السودان لتوفير الدعم للاجئين السودانيين، بالإضافة إلى ما يقرب من مليون مواطن جنوب سوداني عادوا إلى البلاد منذ أبريل 2023، وذلك في خضم أزمة متفاقمة تعيشها البلاد نفسها.

وتؤكد الأمم المتحدة أن تضاؤل المساعدات ومحدودية الفرص في جميع البلدان المضيفة تضع الكثيرين أمام خيارات مستحيلة.

غياب آفاق السلام

تقول هيلين فيرني: يتزايد عدد السودانيين الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر ليبيا وصولا إلى أوروبا. فقد وصل أكثر من 14 ألف سوداني إلى أوروبا في الفترة بين عامي 2024 و2025، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 232% منذ اندلاع النزاع. 

لقطة من فيديو نشرته قوات الدعم السريع احتفالًا بدخولها إلى مدينة زالنجي
لقطة من فيديو نشرته قوات الدعم السريع احتفالًا بدخولها إلى مدينة زالنجي

وتضيف: هذه التحركات لا تنبع من باب الاختيار أو الرفاهية، بل تأتي كرد فعل على غياب آفاق السلام، وعدم تلبية الاحتياجات الأساسية داخل السودان وعبر الحدود، ما يستوجب تعزيز التمويل للاستجابات الإنسانية والتنموية.

وبحسب ممثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في السودان هونججيه يانج، فقد انخفض إنتاج الحبوب بنسبة 22% مقارنة بعام 2024، وهو اتجاه مقلق في ظل انعدام الأمن الغذائي الحاد.

يقول يانج: يواجه أكثر من 21 مليون سوداني حاليا انعداما حادا في الأمن الغذائي، من بينهم 6.3 مليون في أشد الظروف قسوة؛ وهذه حالة طوارئ وكارثة. ولا يزال الوضع كارثيا بالنسبة للأسر الريفية، لا سيما في مناطق النزاع مثل دارفور وكردفان.

انهيار الوضع الصحي

في ولايتي شرق دارفور وشمال كردفان السودانيتين، تتكشف صورة قاتمة لانهيار النظام الصحي، حيث لم تعد المرافق الطبية قادرة على أداء دورها في ظل تصاعد الهجمات بالطائرات المسيرة واتساع رقعة النزوح، ضمن جرائم موثقة ارتكبتها ميليشيات الدعم السريع. 

وقد رسمت شهادات جمعها صندوق الأمم المتحدة للسكان من أطباء وكوادر صحية، ملامح واقع يزداد قسوة يوما بعد يوم، وتكشف عن فجوات خطيرة في الحصول على الرعاية المنقذة للحياة، بحسب الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة.

ومن بين تلك الشهادات، يقول الطبيب حسن بابكر: يصبح غياب الإمكانيات مسألة حياة أو موت. ومن بين أكثر الحالات إيلاما، تلك المتعلقة بحالة توائم خدج لم تتوفر لهم الرعاية اللازمة؛ حيث أنجبت أم توأما ثلاثيا، جميعهم خدج واحتاجوا إلى رعاية مركزية، وأحيلوا إلى مستشفى الأطفال، لكن لم تكن هناك أسرة متاحة. اضطررنا لمشاهدة الأطفال يموتون أمام أعيننا. توفي اثنان من الأطفال الثلاثة، وغادر الثالث مع أمه، لكننا فقدنا الاتصال به ولا نعرف مصيره.

الجريدة الرسمية