رئيس التحرير
عصام كامل

التقشف قبل الطوفان.. حين تقتدي الشعوب بحكوماتها

18 حجم الخط

 في أزمنة الأزمات، لا يكفي أن تدعو الحكومات شعوبها إلى الترشيد؛ بل يجب أن تبدأ بنفسها وتكون هي القدوة الأولى في تطبيق ذلك. وقرار مجلس الوزراء الأخير، الذي أقر حزمة إجراءات لترشيد الإنفاق الحكومي لمدة ثلاثة شهور في العام المالي 2027/2026، يُمثّل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل خطوة أولى تحتاج إلى تعميق وتوسيع إذا أردنا أن يتحول التقشف من شعار إلى سلوك مؤسسي دائم ومستدام. 

 

إذ تبلغ مصروفات الموازنة العامة نحو 5,2 تريليون جنيه، منها نحو 821 مليار جنيه للأجور وتعويضات العاملين، ونحو 289 مليار جنيه لشراء السلع والخدمات. ومن داخل هذا الباب الأخير تندرج بنود الكهرباء والإنارة والوقود وصيانة المركبات والسفر والاجتماعات، ومصروفات النثريات والمشروبات وأوراق الطباعة والتصوير وقطع غيار الأدوات المكتبية والأثاث المكتبي، ألخ. 

 

 مما يعني أن خفض استهلاك الكهرباء مثلًا بنسبة 20٪ في المقرات الحكومية، وخفض وقود المركبات بنسبة لا تقل عن 30٪، يمكن أن يوفر مئات الملايين بل ربما تقفز لمليارات سنويًا إذا طُبّق بدقة واستمر. أما إعادة جدولة المشروعات كثيفة الاستهلاك للوقود وضبط الإنفاق بالنقد الأجنبي، فيُخففان الضغط على الاحتياطي، بشرط ألا يمسّا الخدمات الأساسية ويتم التطبيق الاحترافي الإلزامي.

 

غير أن القرار، رغم أهميته، لم يلامس بعد بعض البنود الأثقل. فمن جهة، يستهلك بند الانتدابات والمستشارين والمساعدين والمتعاقدين مئات الملايين سنويًا، وكثير منه لا يضيف قيمة حقيقية، لذا فإن خفضه بنسبة 40٪ فورًا، مع إعادة تقييم كل وظيفة استشارية على أساس الإنجاز لا المنصب، يوفر موارد كبيرة دون المساس بالخدمة على أن يعلن بالأرقام شهريا حجم إعداد المستشارين والمساعدين الذين تم الاستغناء عن خدماتهم. 


ومن جهة أخرى، يُقدّر عدد سيارات الجهاز الإداري بنحو 33 ألف مركبة، وتكلفة الوقود والصيانة السنوية تتجاوز عدة مليارات إذا أُضيفت إليها الاجتماعات الميدانية المتكررة، ولذلك فإن تحويل 60٪ من هذه الاجتماعات إلى منصات اجتماعات إلكترونية خلال ثلاثة أشهر سيوفر على الأقل ثلث هذه التكلفة، ويقلل الضغط على الطرق والوقود.

 

أما الحفلات والموائد الرمضانية ورعاية الفعاليات المختلفة من قبل الوزارات والجهات الحكومية المختلفة فتُقدَّر تكلفتها السنوية بمئات الملايين وايضا تصل لبداية مليارية. ومن ثم، فإن وقفها تمامًا، مع فرض رسوم على أية جهات أخرى خاصة منظمة لأي حدث سواء أكانت قطاعًا خاصًا أو شبه حكوميًا أو اتحادات أو مجتمع مدني على أن تُقدَّر قيمة الرسوم بنسبة 25٪ من قيمة إيراد الرعاية لصالح الخزانة العامة، ومن ثم يحول المسؤول من نجم شباك مجاني تجمع عليه الجهات مبالغ الرعاية إلى مساهم فعلي لخزينة الدولة. 

 

وعلى صعيد آخر، يحتاج هيكل الأجور إلى تدقيق جاد، إذ تبلغ مخصصات الأجور نحو 821 مليار جنيه لنحو 5 ملايين موظف، والحد الأدنى للدخل الشهري يبلغ حاليًا 8 آلاف جنيه. وبينما تظهر جداول الدرجات الرسمية تفاوتًا محدودًا نسبيًا بين الدرجات الدنيا والعليا، فإن الاختلال الحقيقي يكمن في تعدد البدلات والمكافآت والعقود الخاصة للقيادات والمستشارين، وهو ما يجعل نسبًا مثل استحواذ أقلية على غالبية المخصصات مجرد تقديرات تحتاج إلى كشف رسمي واضح وشفاف. 

لذا فإن إعادة هيكلة الرواتب وفقًا لمعايير الأداء والمسؤولية، مع تحديد سقف واضح للعلاوات الاستثنائية، يُعد ضرورة ملحة وعاجلة.

أما فيما يخص السفر الخارجي، نقترح تشديد العقوبة بحيث تشمل رد كامل المبالغ خلال 25 يومًا من اكتشاف المخالفة، أو الحبس الوجوبي، على غرار التشدد الذي تطبقه دول مثل سنغافورة ورواندا في مواجهة إساءة استخدام المال العام. وعلى غرار ما هو معمول به في دول نجحت في ضبط إنفاقها، مثل اليونان والبرتغال وإيرلندا وإستونيا ونيوزيلندا. 

فقد حققت اليونان بعد أزمة عام 2010 فائضًا أوليًا متكررًا عبر خفض الإنفاق بنسبة تجاوزت 20٪ من الناتج في سنوات قليلة، وخفّضت البرتغال عجزها من أكثر من 10٪ إلى أقل من 1٪ خلال أربعة سنوات، بينما خفضت إيرلندا نسبة الإنفاق الحكومي إلى الناتج من مستويات مرتفعة إلى نحو25٪ في فترات الإصلاح. 

وحافظت إستونيا على إنفاق رشيد دون 40٪ من الناتج مع كفاءة عالية، وطبقت نيوزيلندا إطارًا ماليًا صارمًا خفض الدين العام بشكل ملحوظ على مدى عقد. وهذه التجارب تثبت أن الترشيد ليس مستحيلًا إذا اقترن بالمحاسبة الرادعة.

 

إضافة إلى ما أُقر، يمكن تنفيذ إجراءات فورية أخرى: منها نشر تقرير شهري علني بتكاليف كل وزارة في بنود الكهرباء والوقود والسفر، وربط ترقيات القيادات بنسبة التوفير المحقق في جهاتهم دون المساس بجودة الخدمة. كما يُقترح إنشاء وحدة رقابة تابعة لمجلس الوزراء، ومستقلة عن الجهة محل الرقابة، تراجع فواتير السفر والصيانة قبل الصرف، مع تطبيق عقوبات تلقائية. 

 السياسات وحدها لا تكفي؛ بل نحتاج إجراءات تنفيذية مدققة: دليل إجراءات موحّد لكل بند، ومراجعة ربع سنوية علنية، وربط الحوافز بالنتائج لا بالحضور، فالتقشف ليس خصمًا من المواطن، بل هو حماية له. وحين تقتدي الحكومة بنفسها قبل أن تطلب من شعبها، يصبح الترشيد سلوكًا لا شعارًا.

في زمن الطوفان، من لم يُحكِم مركبته غرقت. والمراكب لا تُحكم بالشعارات، بل بقرارات تُقاس نتائجها ويُحاسَب المسؤولون عنها وتُراجع. قبل أن يشتد الموج، فليكن التقشف اختيارًا لا اضطرارًا.

الجريدة الرسمية