رئيس التحرير
عصام كامل

المنطقة الملغمة

18 حجم الخط

المنطقة الرمادية بين المسؤول والقطاع الخاص.. قواعد جديدة لا أجهزة إضافية


لا أحد ينكر أن القطاع الخاص هو قاطرة التنمية، إن شركات الاكتتاب المغلق والعام، والكيانات العائلية والفردية، تتعامل بشكل شبه يومي مع الجهاز الحكومي فيما يخص التراخيص والتعاقد وصياغة القوانين، والمشكلة ليست في وجود هذه الشركات، بل في المساحة الرمادية حين تتقاطع الملكيات المتداخلة، وصلات أسر العاملين في الجهاز الإداري، ومصالح الإعلام والعقار، وحضور بعض المستثمرين داخل المجالس التشريعية من دون أثر مكتوب يُقاس قبل صدور القرار.


هذه المساحة تشبه لغمًا صامتًا: لا ينفجر كل صباح، لكنه يمنع تمهيد الأرض للنبت الصحيح. 
فإذا بقي التقدير الشخصي سيد الموقف، ارتفعت كلفة الخدمة العامة، وتراجع المستثمر الذي يطلب قاعدة واحدة للجميع، وتحول الفساد الإداري من حالة فردية إلى تكلفة يتحملها الاقتصاد كله، والرد هنا ليس في إنشاء جهاز فوق الأجهزة القائمة، فهيئة الرقابة الإدارية والأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد موجودتين بالفعل.. 

وقانون حظر تعارض المصالح قائم، ولائحة البرلمان تحظر على النائب التعاقد مع الدولة وتلزمه بفصل ملكيته عن إدارة شركاته،غير أن الثغرة الباقية ليست في غياب النص، بل في ضعف الربط بين المخالفة وعقوبة تُرى، وبين الملكية والتصويت، وبين ترك المنصب والعمل فورًا في الجهة التي كان يراقبها.

 

الأرقام تضع الحجم في نصابه الصحيح، يقدّر صندوق النقد الدولي تكلفة الرشوة وحدها بنحو 1.5 إلى 2 تريليون دولار سنويًا، أي قرابة 2 بالمئة من الناتج العالمي، أما التقديرات المتداولة الأوسع دوليًا فتشير إلى أن تكلفة إجمالية تقارب 2.6 تريليون دولار، أي نحو 5 بالمئة من الناتج.. 

 

وفي تحليل صندوق النقد الدولي عام 2019، يرتبط تحسن السيطرة على الفساد بزيادة إيرادات الدولة بنحو 1.2 نقطة مئوية من الناتج، والدول الأفضل في مكافحة الفساد تجمع إيرادات أعلى بـ4.5 نقطة مئوية من الناتج مقارنة بالدول الأضعف، ويقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي خسائر الدول النامية بنحو 1.26 تريليون دولار سنويًا، كما أن ضعف إصلاح القوانين يضاعف الفاتورة لأنه يبقي الثغرة مفتوحة أمام تعارض المصالح.


هناك خمسة دول قد ضبطت التداخل بأدوات معلنة، فمثلًا سنغافورة سجلت 84 نقطة في مؤشر مدركات الفساد واحتلت المرتبة الثالثة عالميًا، أما كندا فقد حظرت على كبار المسؤولين السابقين ممارسة الضغط لمصلحة شركات خاصة لمدة خمس سنوات، وتشيلي نشرت مئات الآلاف من اللقاءات بين مسؤولين وممثلي مصالح، كما أن فرنسا تصدر رأيًا معلنًا قبل انتقال المسؤول إلى شركة كان يشرف عليها، وأخيرًا كوريا الجنوبية تعاقب على قبول هدية فوق حد منخفض حتى من دون إثبات مقابل مباشر.


الدرس المشترك: أن النص وحده لا يكفي إن بقيت العقوبة رمزية، والتصويت حرًا في أي قانون يخدم شركة النائب البرلماني، والملكية معلومة لصاحب القرار وإن انفصل عن الإدارة. ومن هنا أود أن أشير إلى خمسة توصيات قابلة للتطبيق في مصر، من دون الحاجة إلى جهاز جديد.


التوصية الأولى: عقوبة رادعة تُرى.. الحرمان لا الغرامة وحدها.


المعنى: من يثبت استغلاله للمنصب لا يكفي أن يُبطل عقده بل يُحرم من الترشح للمجالس النيابية ومن العقود الحكومية لمدة محددة، وتُوقف شركته عن المناقصات لفترة معلومة، ويُنشر الاسمان.


الأصل العالمي: قوائم الحرمان من التعاقد في مؤسسات التمويل الدولية، ومسؤولية الشركة لا الفرد فقط كما في تجارب أمريكا اللاتينية
كيفية التطبيق في مصر: يضاف إلى القوانين القائمة جزاء واحد واضح: سنتان إلى خمس سنوات حرمانًا من الترشح والتعاقد، ووقف الشركة المستفيدة عن بوابة التعاقدات المدة نفسها، والنشر يتم على البوابة الرسمية خلال سبعة أيام من الحكم أو القرار النهائي.

 

التوصية الثانية: فصل السلطة التشريعية عن مصلحة النائب التجارية.


المعنى: يجوز للنائب أن يملك شركة، لكن لا يصوت على قانون يرفع قيمة شركته أو يسهّل نشاط قطاعه، عليه أن يمتنع علنًا، ويُسجل الامتناع في مضبطة الجلسة.

الأصل العالمي: قواعد أخلاق المجالس في ولايات أمريكية وأوروبية تمنع المشاركة في قرار يعود على النائب أو أسرته بنفع مالي مباشر.


كيفية التطبيق في مصر: قبل كل تصويت موضوعي يوقّع النائب إقرارًا قصيرًا: «لا أملك حصة مؤثرة في قطاع هذا القانون» وإن وُجدت الحصة يُنقل اسمه إلى قائمة الممتنعين وجوبًا،والمخالفة تُعرض على لجنة القيم خلال أسبوعين.


التوصية الثالثة: فصل المالك عن العلم بقراره الاستثماري.

المعنى: فصل الإدارة عن الملكية كما في اللائحة الحالية وحده لا يكفي، فإذا ظل المسؤول يعرف ما يملكه لحظة التصويت على قانون العقار أو الضرائب أو التراخيص.

الأصل العالمي: «الإدارة العمياء» في الولايات المتحدة، حيث يدير أمين مستقل الأصول من دون أن يعرف المسؤول قرارات البيع والشراء.



كيفية التطبيق في مصر: أمام المسؤول خياران خلال تسعين يومًا من تولي المنصب الحساس: إما بيع الأصل المتعارض، أو وضعه لدى مدير مستقل معتمد لا يطلعه على التحركات، والإقرار الحالي يبقى، وتُضاف إليه شهادة المدير المستقل.


التوصية الرابعة: إطالة حظر ما بعد المنصب من ستة أشهر إلى سنتين.


المعنى: القانون القائم يحظر على المسؤول، بعد ترك منصبه أن يعمل لمدة ستة أشهر في جهة كان يراقبها إلا بموافقة، هذه المدة قصيرة، فالمعلومة والعلاقة لا تذوبان في نصف عام.



الأصل العالمي: كندا خمس سنوات، وفرنسا مراجعة معلنة قبل الانتقال.
كيفية التطبيق في مصر: تعديل المادة الخاصة بمدة الحظر في قانون تعارض المصالح إلى سنتين للوظائف العليا في الجهة التي كان يرخص لها أو يتعاقد معها، على أن تُنشرالمخالفة، ويُفسخ العقد الجديد بقوة القانون.


التوصية الخامسة: كشف مصدر كل مادة قانونية قبل التصويت بيوم.

المعنى: أي مادة تُضاف إلى مشروع قانون يُكتب بجانبها من طلبها، ومتى اجتمع بشأنها.
الأصل العالمي: توثيق أثر التشريع في تجارب أوروبية وتوصيات منظمة التعاون.
كيغية التطبيق في مصر: حقل إلزامي في منظومة التشريع الإلكتروني بمجلس النواب ومجلس الوزراء،من دون هذا الحقل لا تُطرح المادة، على أن يُنشر الملخص قبل أربع وعشرين ساعة من التصويت.

بتطبيق ذلك تبقى الأجهزة حيث هي، ويُغلق اللغم بأثر يُرى: عقوبة تمنع العودة السريعة إلى المنفعة، وتصويت لا يخدم شركة صاحبه، وملكية لا تحرّك يد القرار، ومدة حظر حقيقية بعد ترك الكرسي، ونص قانوني يُعرف مصدره قبل أن يصير قانونًا، وعندها سيبقى القطاع الخاص قاطرة، والجهاز العام سكة آمنة، والأرض مهيأة للنبت الصحيح.

الجريدة الرسمية