بنك القاهرة.. والصفقة المشبوهة!
التفاصيل الكاملة لعملية طرح 45% من إجمالي أسهم بنك القاهرة تحمل في باطنها شبهات لإهدار المال العام، وتؤكد حرص الحكومة على التفريط في مقدرات وصروح الوطن التي تدر عائدا سنويا كبيرا ينعش خزانة الدولة، مع وجود شبهات فساد في إتمام تلك الصفقة التي حققت استفادة كبرى لبعض المنتفعين الذين جنوا من ورائها عمولات باهظة، وفي الوقت نفسه أدت إلى خسارة الدولة للأرباح الكبيرة التي يحققها البنك كل عام.
نسرد في تلك السطور أدلة دامغة على فساد حكومة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، تلك الأدلة التي تستوجب إحالة كل المتورطين في تلك الصفقة إلى محاكمة عاجلة.
في سنة 2008 كان هناك عرضًا للاستحواذ على 67 % فقط من بنك القاهرة تقدم به البنك الأهلي اليوناني بقيمة 1,37 مليار دولار، وهو ما يعني أن تقييم بنك القاهرة بالكامل يقدر بنحو ملياري دولار..
والآن وبعد مرور 18 عامًا نجد حكومة مدبولي تقوم بتقييم البنك بقيمة أقل مما كانت عليه منذ 18 سنة فائتة بنسبة 29 % أي بنحو 1,46 مليار دولار فقط، بما يعني أن التقييم الدولاري للبنك خسر حوالي 580 مليون دولار أي ما يعادل 33 مليار جنيه، وهو الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات المريبة حول هذا التقييم غير العادل لقيمة أسهم بنك القاهرة.
كما أن الأرقام والبيانات للبنك تؤكد أن إجمالي عدد الأسهم يبلغ 10,25 مليار سهم بسعر 7,8 جنيه للسهم، وتبلغ ربحية السهم الواحد نحو 1,5 جنيه طبقًا لأرقام الأرباح عن العام الماضي البالغة نحو 18 مليار جنيه، في ظل وجود توقعات بتحقيق نمو أكبر في أرباح السنة الحالية..
وأن موعد توزيع هذه الأرباح سيكون في مارس القادم أي بعد 5 أشهر فقط، بما يؤكد أن الحكومة تتنازل عن هذه الأرباح لصالح المشترين الجدد، وتحرم خزينة الدولة من مبالغ كبيرة سوف تدخل جيوب المستثمرين المحظوظين الذين اشتروا تلك الحصة المطروحة في البورصة..
فضلًا عن أن هذه التوزيعات الوشيكة التي سيجني ثمارها حاملي الأسهم الجدد في مارس 2027 تمثل خصمًا مباشرًا من سعر الطرح، مما يعنى أن السعر الفعلي للسهم أقل بكثير من السعر المعلن في نشرة الاكتتاب.
أمر آخر يؤكد مدى فساد الحكومة في هذه الصفقة وهو كيفية بيع هذا الصرح الكبير الذي يعد واحدًا من أعرق وأنجح بنوك مصر وأكثرها ربحية بعد البنك الأهلي بهذا الثمن البخس، الذى يبلغ نحو 36,3 مليار جنيه، وهو قيمة الأرباح التي يحققها بنك القاهرة في عامين فقط، بما يؤكد مدى الفساد الذي يحاط بهذه العملية المريبة.
الحساب الختامي للسنة المالية الماضية لبنك القاهرة يؤكد أن قيمة إجمالي الأصول تبلغ نحو 533 مليار جنيه، في حين أن سعر طرح الأسهم بالبورصة يؤكد أن تلك الأصول لا تتجاوز 80 مليار جنيه فقط!
باعت الحكومة 45 % من أسهم بنك القاهرة رغم وجود تحذيرات من البورصة نفسها، والتي صدرت على لسان رانيا يعقوب عضو مجلس إدارة البورصة، والتي طالبت بالتمهل والتريث في طرح أسهم بنك القاهرة لعدم وجود سيولة في السوق عقب طرح أسهم شركة "حالًا" خلال الفترة القليلة الماضية.
علامات الاستفهام حول هذه الصفقة لا حصر لها خاصة حين نعلم أنه لم يتم إسناد تلك المهمة لأحد المتخصصين الحياديين الذين لم تكن لديهم أي علاقة بشركات السمسرة من قريب أو بعيد.
كما أن الآلية المنفذة لهذه الصفقة تثير الدهشة والريبة فقد تم تخصيص السواد الأعظم من هذه الحصص عبر طرح خاص محدد مسبقًا لمؤسسات دولية بعينها، وفي مقدمتها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ومؤسسة التمويل الدولية، وشركة واحة للاستثمار المسجلة في إمارة أبوظبي، والتي استحوذت على 9 % من الطرح الخاص بإجمالي عدد أسهم 395 مليون سهم.
يبقى التساؤل حول كيفية تمرير تلك الصفقة بما تحمله من عورات عديدة تؤكد مدى التخاذل الحكومي في التعامل مع مقدرات الدولة وصروحها الوطنية العظيمة.
