رئيس التحرير
عصام كامل

من فيصل إلى محور 26 يوليو.. كيف تحولت شاشات الإعلانات إلى ساحة للاختراق الإلكتروني؟.. محتوى غير أخلاقي ورسائل سياسية.. وخبراء يحذرون من ثغرات أنظمة البث الإلكتروني

المحور
المحور
18 حجم الخط

أعادت واقعة اختراق شاشة الإعلانات أعلى محور 26 يوليو بمحافظة الجيزة، وبث مقاطع غير أخلاقية عليها، تسليط الضوء على مخاطر تأمين الشاشات الإعلانية الرقمية، بعدما تحولت إحدى وسائل الدعاية المنتشرة في الشوارع والميادين إلى منصة لعرض محتوى غير مصرح به، في واقعة أعادت إلى الأذهان اختراق شاشة إعلانية بشارع فيصل في يوليو 2024، وبث عبارات وصور ذات طابع سياسي عليها.

ورغم اختلاف الواقعتين من حيث التوقيت وطبيعة المحتوى المعروض، فإنهما تكشفان عن مخاطر استغلال أنظمة تشغيل الشاشات الإعلانية، خاصة مع اعتماد العديد منها على منصات إلكترونية وشبكات اتصال تتيح إدارة المحتوى والتحكم في البث عن بُعد، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى كفاءة إجراءات الحماية السيبرانية وقدرة الشركات المشغلة على التصدي للهجمات الإلكترونية.

اختراق محور 26 يوليو.. هجوم إلكتروني امتد إلى شاشات بدول أخرى

بدأت تفاصيل الواقعة الأخيرة عقب تداول مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يرصد عرض مشاهد غير أخلاقية على إحدى شاشات الإعلانات أعلى محور 26 يوليو، الأمر الذي أثار حالة من الغضب والجدل بين المواطنين.

وكشفت وزارة الداخلية، في بيان رسمي بتاريخ 29 أكتوبر 2026، أن الفحص أظهر تبعية الشاشة لإحدى شركات الإعلانات المتعاقدة مع شركة دولية متخصصة في بث الإعلانات إلكترونيًا.

وتبين تعرض موقع الشركة الدولية لاختراق إلكتروني، ما أسفر عن بث المقاطع المشار إليها على الشاشة الموجودة بمحافظة الجيزة، إلى جانب شاشات مماثلة في عدد من الدول بالتوقيت نفسه.

وأوضحت الوزارة أن الشركة اتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لإيقاف البث على الشاشات التابعة لها، لحين التعامل مع الاختراق وإعادة تشغيل المنظومة بصورة طبيعية، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

واقعة شاشة فيصل.. رسائل سياسية تكشف مخاطر التلاعب بالمحتوى

لم تكن واقعة محور 26 يوليو الأولى من نوعها، إذ شهد شارع فيصل في يوليو 2024 واقعة مماثلة، بعدما فوجئ المارة بعرض صور وعبارات مسيئة ذات طابع سياسي على إحدى شاشات الإعلانات، وسرعان ما انتشرت مقاطع توثق الواقعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وعلى الفور، بدأت الأجهزة الأمنية فحص ملابسات الحادث، وتمكنت من تحديد وضبط فني متخصص في الشاشات الإلكترونية.

وأعلنت وزارة الداخلية آنذاك اعتراف المتهم بارتكاب الواقعة بتحريض من عناصر تدير لجانًا إلكترونية بالخارج، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حياله وإحالته إلى جهات التحقيق المختصة.

محمد محسن رمضان <br alt=
محمد محسن رمضان 
مستشار الامن السيبراني ومكافحة الجرائم الالكترونية -خبير الذكاء الاصطناعي


خبراء الأمن السيبراني: شاشات الإعلانات لم تعد مجرد أدوات دعائية

وللوقوف على الأبعاد التقنية والأمنية للواقعتين، استطلعت «فيتو» آراء الدكتور محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية وخبير الذكاء الاصطناعي، والمهندس إسحق يونان إسحق، خبير تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات.

 إسحق يونان اسحق<br alt=
 إسحق يونان اسحق
خبير تكنولوجيا المعلومات وتحليل البيانات

وأكد الخبيران أن شاشات الإعلانات الرقمية المنتشرة في الطرق والميادين لم تعد مجرد وسائل لعرض المحتوى التسويقي، بل أصبحت جزءًا من منظومات إلكترونية متصلة بشبكات ومنصات مركزية لإدارة المحتوى، وهو ما يجعلها عرضة للاختراق والتلاعب حال غياب إجراءات الحماية السيبرانية الكافية.

وأوضحا أن تأمين هذه الشاشات لا يتوقف عند حماية جهاز العرض الموجود في الشارع، وإنما يمتد إلى منظومة التشغيل والإدارة بالكامل، بما تشمله من خوادم إلكترونية وقنوات اتصال وأجهزة تشغيل وصلاحيات المستخدمين المسؤولين عن إدارة المحتوى.

كيف تعمل منظومة الشاشات الإعلانية الرقمية؟

أوضح الخبراء أن أنظمة تشغيل الشاشات الإعلانية تختلف من شركة إلى أخرى، فبعضها يعتمد على منصات إدارة مركزية تتيح التحكم في المحتوى وتحديث الإعلانات عن بُعد من خلال الإنترنت أو الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).

وفي المقابل، تعتمد أنظمة أخرى على وحدات تشغيل محلية تستقبل المحتوى من خلال وسائط تخزين أو شبكات داخلية مغلقة.

وأشاروا إلى أن هذا التنوع في أنظمة التشغيل يفرض ضرورة تأمين جميع مكونات المنظومة، بدءًا من منصات الإدارة المركزية، مرورًا بقنوات الاتصال والتشفير، وصولًا إلى أجهزة التحكم والتشغيل الملحقة بالشاشات، مع ضبط صلاحيات المستخدمين ومنع أي وصول غير مصرح به.

4 احتمالات تقنية وراء اختراق شاشات الإعلانات

طرح خبراء تكنولوجيا المعلومات 4 احتمالات تقنية عامة يمكن أن تفسر عمليات التلاعب بالمحتوى المعروض على الشاشات الإعلانية، أبرزها:
اختراق حسابات الإدارة: الوصول غير المصرح به إلى الحسابات المستخدمة في إدارة منصات الإعلانات والتحكم في المحتوى المعروض.
كلمات المرور الضعيفة: استخدام كلمات مرور سهلة التخمين أو عدم تحديثها بصورة دورية، ما يزيد فرص السيطرة على أنظمة التشغيل.
الثغرات البرمجية: استغلال نقاط ضعف في أنظمة التشغيل وبرامج البث لم تتم معالجتها من خلال التحديثات الأمنية اللازمة.
السيطرة على أجهزة التشغيل: الوصول غير المصرح به إلى وحدات التحكم والأجهزة الملحقة بالشاشات، سواء عبر وسائل رقمية أو من خلال الوصول المادي إليها.

وشدد الخبراء على أن هذه الاحتمالات تمثل صورًا عامة للتهديدات التقنية التي تواجه الشاشات الرقمية، ولا تعني بالضرورة أن أحدها كان السبب الفعلي في واقعة محور 26 يوليو، إذ يتطلب تحديد آلية الاختراق إجراء فحص جنائي رقمي وتحليل سجلات الدخول والتشغيل والأدلة الإلكترونية.

اختراق منصة دولية.. كيف امتد تأثير الهجوم إلى عدة دول؟

تعكس تفاصيل واقعة محور 26 يوليو أحد أبرز المخاطر المرتبطة بالاعتماد على شركات دولية ومنصات مركزية لإدارة الإعلانات الرقمية.

فوفقًا لبيان وزارة الداخلية، تعرض موقع الشركة الدولية المتعاقدة مع شركة الإعلانات المحلية لاختراق إلكتروني، ما أدى إلى بث المحتوى غير المصرح به على الشاشة الموجودة بالجيزة وشاشات مماثلة في عدة دول بالتوقيت نفسه.

وتكشف هذه التفاصيل عن أن نطاق التأثير لم يقتصر على شاشة واحدة أو موقع جغرافي محدد، بل امتد إلى منظومة بث إلكترونية تدير شاشات متعددة في مواقع مختلفة.

ويرى الخبراء أن هذه الواقعة تبرز أهمية تأمين البنية التكنولوجية للشركات الدولية ومزودي خدمات إدارة المحتوى، وعدم الاكتفاء بتأمين أجهزة العرض الموجودة في الشوارع، باعتبار أن اختراق نقطة مركزية في منظومة التشغيل قد يؤدي إلى التأثير في عدد كبير من الشاشات المرتبطة بها.

كيف يمكن منع تكرار اختراق شاشات الإعلانات؟

حدد خبراء الأمن السيبراني مجموعة من الإجراءات الفنية والتنظيمية التي يمكن أن تسهم في تعزيز حماية الشاشات الإعلانية الرقمية، والحد من فرص اختراق أنظمة الإدارة والبث، وتنقسم إلى محورين رئيسيين:

أولًا: إجراءات الحماية الفورية
فصل شبكات تشغيل الإعلانات الرقمية عن الشبكات الحيوية والأنظمة الأخرى، للحد من انتقال الاختراقات.
تفعيل المصادقة متعددة العوامل (MFA) عند الدخول إلى منصات إدارة المحتوى.
تشفير قنوات الاتصال بين خوادم التحكم والشاشات.
تحديث أنظمة التشغيل وبرامج البث بصورة دورية لسد الثغرات الأمنية.
مراقبة عمليات الدخول إلى أنظمة الإدارة، وتفعيل تنبيهات فورية عند رصد أي تغيير غير معتاد في المحتوى المعروض.

ثانيًا: إجراءات الوقاية طويلة المدى
إجراء اختبارات اختراق دورية (Penetration Testing) للكشف عن نقاط الضعف ومعالجتها قبل استغلالها.
تطبيق مبدأ أقل الصلاحيات (Least Privilege)، بحيث يحصل كل مستخدم على الصلاحيات اللازمة فقط لأداء مهامه.
وضع معايير واضحة للأمن السيبراني للشركات الدولية وموردي التكنولوجيا ومراكز التحكم المتعاقد معها.
توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد السلوك غير المعتاد في أنظمة البث واكتشاف التغييرات غير المصرح بها.
إعداد خطط استجابة سريعة للحوادث الإلكترونية، تتيح وقف البث المخالف فور اكتشافه، مع الاحتفاظ بالأدلة الرقمية وإجراء الفحص الفني اللازم.

شاشات الإعلانات.. من وسيلة دعائية إلى تحدٍ للأمن السيبراني

تكشف واقعتا فيصل ومحور 26 يوليو عن اختلاف أنماط التهديدات التي تواجه شاشات الإعلانات الرقمية؛ ففي الواقعة الأولى أعلنت وزارة الداخلية ضبط فني شاشات واعترافه بارتكاب الحادث، بينما كشفت الواقعة الثانية عن اختراق إلكتروني لموقع شركة دولية امتد تأثيره إلى شاشات في عدة دول.

وبين الواقعتين، أصبحت حماية الشاشات الإعلانية ضرورة تتجاوز مسؤولية الشركات المشغلة، لتشمل تأمين المنظومات الإلكترونية التي تدير المحتوى وتتحكم في البث، بما يضمن عدم استغلالها في نشر مواد غير مصرح بها أو توظيفها في أغراض مخالفة للقانون.

الجريدة الرسمية