حين يصبح الاسم قدرا والعادات عقدا، شيرين كالو تفكك المجتمعات العشائرية في أحدث إصداراتها
صدر حديثًا للكاتبة والباحثة شيرين شيخ كالو رواية «أرواح شاءها القدر»، التي تقدم من خلالها قراءة أدبية واجتماعية لمؤسسة العشيرة داخل المجتمعات، وتسلط الضوء على الصراع بين حرية الفرد وسلطة العادات والتقاليد، وما قد يفرضه الانتماء الموروث من قيود على اختيارات الإنسان وأحلامه.
ماذا لو كان قدرك أن تولد داخل عشيرة؟
تنطلق الرواية من سؤال وجودي لافت: «ماذا لو كان قدرك أن تكون ابن أو ابنة عشيرة؟»، لتفتح عبر صفحاتها بابًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان وهويته الاجتماعية، ومدى قدرته على اختيار مسار حياته بعيدًا عن الالتزامات التي تفرضها عليه البيئة التي وُلد فيها.
ومن خلال هذا المدخل، تطرح الكاتبة تساؤلات حول معنى الانتماء، وحدود تأثير الموروث الاجتماعي في القرارات الشخصية، خاصة عندما يصبح اسم العائلة أو العشيرة عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل الفرد وعلاقاته الإنسانية.
«أرواح شاءها القدر».. حين يسبق الانتماء حرية الاختيار
في إهدائها المثبت على ظهر الرواية، تكتب شيرين شيخ كالو: «إلى من وُلدوا وفي أعناقهم اسم لم يختاروه...»، وهي عبارة تؤسس لفكرة القدر الموروث، حيث يجد الإنسان نفسه منذ ولادته مرتبطًا باسم وانتماء لم يخترهما، لكنهما قد يسهمان في رسم ملامح حياته وتحديد خياراته.
وتتابع الكاتبة: «...وفي أرواحهم عهد لم يختاروه»، في إشارة إلى منظومة العادات والتقاليد التي تنتقل بين الأجيال، وتتحول في بعض السياقات إلى التزامات اجتماعية مفروضة، يجد الأبناء أنفسهم مطالبين بالوفاء بها دون أن تكون لهم حرية حقيقية في قبولها أو رفضها.
ثمن الانتماء.. أحلام مؤجلة وحقوق في الاختيار
وتبرز العبارة الثالثة في الإهداء: «إلى الذين دفعوا من أعمارهم ثمن انتمائهم...»، لتضع القارئ أمام أحد المحاور الإنسانية الأساسية في الرواية، وهو الثمن الذي قد يدفعه الأفراد من أعمارهم وأحلامهم وعلاقاتهم العاطفية نتيجة الخضوع للتوقعات الاجتماعية والالتزامات العشائرية.
وتتجلى أهمية هذه القضية في ضوء اهتمام الكاتبة بمجال حقوق الإنسان، إذ تفتح الرواية مساحة للتأمل في حق الفرد في الاختيار، مع اهتمام خاص بالتحديات التي قد تواجه المرأة المنتمية إلى بيئة عشائرية، عندما تتعارض رغباتها الشخصية مع الأعراف السائدة.
وتختتم الكاتبة إهداءها بعبارة: «...وخبأوا أحلامهم خلف جملة واحدة: وراءنا اسم لا يحق لنا أن نخذله».
وتكشف هذه العبارة عن الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الاعتزاز بالاسم والانتماء من مصدر للفخر إلى ضغط اجتماعي ونفسي، يدفع الفرد إلى تقديم توقعات الجماعة على رغباته الشخصية، خشية أن يُنظر إلى اختياراته باعتبارها إخلالًا بسمعة العائلة أو العشيرة.
الحب في مواجهة سلطة العادات والتقاليد
تقدم «أرواح شاءها القدر» رحلة بين قطبين متعارضين: الحب بوصفه حاجة إنسانية فردية، والعادات والتقاليد بوصفها سلطة جماعية تؤثر في مسارات الحياة والقرارات المصيرية.
ومن هذا المنطلق، تطرح الرواية تساؤلات حول المعنى الحقيقي للتضحية والانتماء، وما إذا كان الحفاظ على الموروث يستلزم بالضرورة التضحية بالذات، أم أن بالإمكان إعادة تعريف مفاهيم الشرف والوفاء والانتماء بما يحقق التوازن بين احترام الجذور وصون حرية الإنسان.
ولا تقتصر أسئلة الرواية على نقد القيود الاجتماعية، بل تمتد إلى البحث عن مساحة يستطيع فيها الفرد أن يحافظ على علاقته بمجتمعه دون أن يتخلى عن أحلامه وحقه في رسم مستقبله.
من هي شيرين شيخ كالو؟
شيرين شيخ كالو، المولودة في 29 نوفمبر 1987 بمدينة الموصل، كاتبة وباحثة في الأدب ومترجمة متعددة اللغات، تعمل باللغات العربية والإنجليزية والألمانية والكردية، كما تنشط في مجال حقوق الإنسان.
حصلت على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية من جامعة دهوك عام 2011، ثم نالت درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة بون الألمانية.
ولشيرين شيخ كالو عدد من الإصدارات الأدبية والبحثية، من بينها «حب في دائرة الاعتراف» الصادرة عام 2010، و«رحلة خلال الإبادة الإيزيدية» الصادرة باللغة الإنجليزية عام 2023.
كما أصدرت كتاب «رحلة صورية إلى الماضي»، الذي يوثق جوانب من المجتمع العراقي والموصلي من خلال الصور القديمة والسير الذاتية لشخصيات موصلية، مع اهتمام خاص بتاريخ وثقافة الإيزيدية.
وتأتي رواية «أرواح شاءها القدر» امتدادًا لاهتمامات الكاتبة بالإنسان والهوية والذاكرة الاجتماعية، لتقدم عبر الأدب مساحة لمناقشة العلاقة المعقدة بين الموروث وحرية الاختيار، وبين الوفاء للانتماء وحق الإنسان في أن يعيش حياته وفقًا لقناعاته وأحلامه.

