رئيس التحرير
عصام كامل

خبر وتحليل

اتفاقية مكة بين الردع والتهدئة، تحرك سعودي باكستاني تركي بطهران لاحتواء التصعيد الإقليمي (تقرير)

مراسم اتفاقية مكة
مراسم اتفاقية مكة للدفاع المشترك، فيتو
18 حجم الخط

في توقيت شديد الحساية، جاء الإعلان عن اجتماع ممثلي دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك ومسؤولين إيرانيين، بينهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، في طهران، اليوم الإثنين، في إطار التحركات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الأزمة الراهنة وخفض حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، فيما يبرز الملف اليمني وأمن الممرات البحرية بوصفهما اختبارين عمليين لمدى قدرة الوساطات الإقليمية على تحويل تبادل الرسائل إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ.

ويمثل هذا الاجتماع تطورا لافتا، في ظل رئاسة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، لوفد المملكة العربية السعودية، بحسب تصريحات نقلتها وكالة "واس" السعودية الرسمية عن وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية رائد قرملي. 

كما تشهد الاجتماعات أيضا حضور رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، والذي أدى دورا بارزا خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وتربطه علاقات شخصية وثيقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إبراهيم قالن، رئيس الاستخبارات التركية.

تشابك المصالح والمخاوف الأمنية

لا تقتصر أهمية هذه الاجتماعات على مستوى التمثيل السياسي والأمني للمشاركين، بل تمتد إلى اختبار قدرة الأطراف الإقليمية على تنسيق جهودها وفتح قنوات للحوار في ظل تشابك المصالح والمخاوف الأمنية.

ويطرح اجتماع مسؤولين سعوديين وباكستانيين وأتراك مع الجانب الإيراني تساؤلات بشأن حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى الإقليمية في خفض التصعيد، ومدى قدرتها على تهيئة الظروف لمسار تفاوضي أوسع.

وبحسب قرملي، فإن هذه الزيارة تأتي امتدادا للجهود التي تبذلها دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك لتقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمة، وتشجيع الحوار بوصفه مسارا أساسيا لمعالجة الخلافات، إلى جانب دعم جهود الوساطة التي تقودها دولة قطر وباكستان، وتعكس حرص دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك على الاضطلاع بدور فاعل في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، والعمل بالتنسيق مع مختلف دولها لدعم الحلول الدبلوماسية وتهيئة الظروف اللازمة لخفض التوتر ومنع اتساع نطاق الأزمة.

اليمن، اختبار عملي لجهود التهدئة

وبين حسابات الردع ومساعي التهدئة، يبرز الملف اليمني اختبارا عمليا لقدرة التحرك السعودي الباكستاني التركي على احتواء التصعيد، وفتح مسار سياسي يحد من اتساع دائرة المواجهة الإقليمية.

وبحسب تقرير سابق نشرته وكالة "رويترز"، صرح وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار بأن إيران اقترحت إشراك جماعة الحوثي اليمنية في مسار سياسي، وذلك في أعقاب هجمات شنها الحوثيون  على المملكة العربية السعودية.

ويعتمد الموقف الباكستاني – بحسب دار- على أن إيران نأت بنفسها عن الحوثيين والميليشيات العراقية، وأن كلا من الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي يرغبان في إنهاء هذا الملف، مضيفا أنه أطلع طهران أيضا على اتفاقية الدفاع وكيف ستلتزم باكستان ببنود تلك الاتفاقية، والتي جرى التوقيع عليها في 7 أغسطس 2026.

وقال دار: "لا يوجد عرض مكتوب ومحدد؛ بل هو مجرد تبادل للأفكار. وهذا التوجه السياسي مقترح قدم بحسن نية، ويمكن مناقشته كبديل عن "العمل العسكري المباشر"، على حد وصفه.

وأشار دار إلى أن أكثر من ست دول أبدت رغبتها في الانضمام إلى الاتفاقية، دون أن يسمي هذه الدول أو يوضح ما إذا كانت جميعها ذات أغلبية مسلمة. وأضاف أنه لا يمكن النظر في طلبات العضوية الجديدة إلا بعد أن تصبح الاتفاقية سارية المفعول بالكامل، وهو أمر قد يستغرق ما يصل إلى عام.

اختبار جديد لمسار التهدئة وسط تصاعد التوتر

تعكس رئاسة وزير الدفاع السعودي لوفد المملكة، وزيارته لطهران، حسابات السعودية بين حماية أمنها ومصالحها الاقتصادية من تداعيات التصعيد، والحفاظ على قنوات التواصل مع إيران، ومدى قدرة التقارب الدبلوماسي على احتواء الخلافات الأمنية.

وبحسب مراقبين، فإن هذا الاجتماع يؤكد أن التحالف لا يسعى للتصعيد الهجومي ضد إيران، بل يستخدم ثقله السياسي والعسكري لفتح مسارات حوارية لاحتواء الأزمات؛ حيث تستهدف المحادثات وضع آليات لخفض التصعيد بين أطراف الأزمات الحالية، ودعم جهود الوساطة المستمرة للحد من فرص اندلاع مواجهة شاملة في المنطقة.

تقاطع المصالح يرسم مسارًا إقليميًّا

تشير التقارير إلى أن اجتماع طهران بحضور ممثلي اتفاقية مكة للدفاع المشترك يعكس رغبة الدول المشاركة في التأكيد على المصالح التي تجمع الدول لمنع اتساع الحرب، وحماية طرق التجارة والطاقة، وتقليل الاعتماد على الوساطات الدولية وحدها، مع رصد الاختلافات في حسابات كل دولة وعلاقاتها بالقوى الكبرى، ضمن ما يمكن وصفه بـ"تشكيل صيغة إقليمية لإدارة الأزمات بعيدا عن الاستقطاب الدولي".

وبلغة المصالح، تسعى تلك المحاولات الدبلوماسية إلى حماية امن الممرات البحرية، وتجنب التصعيد في مضيق هرمز، وتأمين أسواق النفط والتجارة والملاحة البحرية، وتشرح لماذا لا تقتصر تداعيات الأزمة على أطراف المواجهة المباشرة.

وفي المقابل، تستهدف طهران تخفيف الضغوط الأمنية والاقتصادية، وفتح قنوات اتصال مع الجوار، واختبار فرص التوصل إلى تفاهمات تحد من احتمالات التصعيد. 

وتركز المحادثات المتبادلة بين طهران من جهة، وممثلي اتفاقية مكة للدفاع المشترك من جهة أخرى، على توزيع الأدوار بين الوساطات القائمة والتحرك السعودي التركي الباكستاني، وإمكان تبادل الرسائل بين الأطراف، أو ظهور مسارات تفاوضية متوازية قد تعقّد الوصول إلى اتفاق موحد.

الجريدة الرسمية