ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة "بين القصرين وقصر الشوق والسكرية"، صورة المجتمع المصري في أفلام حسن الإمام
ثلاثية الأديب نجيب محفوظ الشهيرة «بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية»، قدمت قصصها الثلاث في السينما من إخراج حسن الإمام. وقدمت الثلاثية، من خلال الأفلام التي اقتبست عنها، صورة للمجتمع في مصر إبان الشرارة الأولى لثورة 1919، وكذلك النظرة المتدنية للمرأة في المجتمع أمام سيطرة الرجل، من خلال شخصية «السيد أحمد عبد الجواد»، الذي يمارس دور «سي السيد». كما تعكس الثلاثية حالة اللهو والمجون في المجتمع واستهتار البعض، من خلال شخصيتي يس والسيد أحمد عبد الجواد، وسط حياة العوالم والغوازي.
ويُعرض خلال الأيام القادمة فيلما «بين القصرين» و«قصر الشوق»، الروايتان الأولى والثانية من ثلاثية نجيب محفوظ، ضمن برنامج كلاسيكيات السينما المصرية المرممة، الذي يضم 27 فيلمًا ويقدمه مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ47 هذا العام.
الفيلم الأول «بين القصرين»
الفيلم الأول «بين القصرين» هو أول أجزاء الثلاثية، وقد عُرض عام 1964، ويحتل مركزًا ضمن أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية. وهو أول إنتاج للشركة العربية للسينما بعد أن أنشأتها الدولة لإنتاج الأعمال السينمائية التي تتولى الدولة الاهتمام بها بعد التأميم. وقد حضر وزير الثقافة وقتئذ، الدكتور عبد القادر حاتم، العرض الأول للفيلم بدار سينما ريفولي.

فيلم «بين القصرين» ليس مجرد تصوير لرواية شهيرة ضمن ثلاثية أديب كبير، بل هو واحد من أهم الأفلام التي وثقت المجتمع المصري في بدايات القرن العشرين، حتى أصبح مرجعًا فنيًا وتاريخيًا لأجيال كاملة. الفيلم من بطولة يحيى شاهين، الذي استمر في تقديم شخصية «سي السيد أحمد عبد الجواد» طوال الأجزاء الثلاثة، وآمال زايد، وزيزي البدراوي، وعبد المنعم إبراهيم، ومها صبري، وصلاح قابيل، وميمي شكيب، ونعمت مختار. كتب السيناريو يوسف جوهر، ومن إخراج حسن الإمام.

يحكي فيلم «بين القصرين»، المأخوذ عن رواية أدبية لنجيب محفوظ، حياة المجتمع في فترة الاحتلال البريطاني، من خلال أسرة تاجر العطارة السيد أحمد عبد الجواد، الرجل شديد الصرامة في بيته مع زوجته وأبنائه، والذي يعيش حياة الفجور والمجون خارج بيته وسط العوالم وبيوت الدعارة، ويتخذ ابنه الكبير الطريق نفسه. أما ابنه الأوسط فهمي، فهو وطني وثوري، استشهد في إحدى المظاهرات الرافضة للاحتلال. أما المرأة، فهي من الفئات المقهورة في البيت، وبالرغم من ذلك، أظهر الفيلم صورة المرأة الوطنية ودورها أثناء ثورة 1919.
جائزة الدولة.. ألف جنيه
حصل الأديب نجيب محفوظ، في عيد العلم عام 1957، على جائزة الدولة عن روايته «بين القصرين»، المأخوذة عن ثلاثيته الشهيرة، وقدرها ألف جنيه.
الفيلم الثاني «قصر الشوق»
الفيلم الثاني «قصر الشوق» هو الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ، وعُرض عام 1967، وهو من بطولة نادية لطفي، ويحيى شاهين، وعبد المنعم إبراهيم، وآمال رمزي، وماجدة الخطيب، وميمي شكيب، ومن إخراج حسن الإمام أيضًا.
"> ">في «قصر الشوق»، وبعد وفاة فهمي، الابن الثوري، يعود السيد أحمد عبد الجواد إلى بيت زبيدة العالمة، ويلتقي صبيتها، فيقع في حب زنوبة العالمة، التي جسدت دورها نادية لطفي، والتي استطاعت اجتذابه إليها بدلًا من معلمتها زبيدة، فيشتري لها عوامة. ولكنها، في الوقت نفسه، تحب ياسين، ابن أحمد عبد الجواد، دون أن تعرف حقيقة الأمر، وتتزوجه، وتدخل أسرة السيد عبد الجواد كزوجة محترمة لابنه.
ومن أشهر مشاهدها في الفيلم، بعد أن تركت حياة العبث والليل وتزوجت من يس، أنها تجلس في بيتها على طشت غسيل وتغني: «بس قولوا لأمي طب وأنا مالي، طيب يا غزالي»، بينما يقوم يس، الذي جسد دوره عبد المنعم إبراهيم، بالتطبيل لها.
أما كمال، فيحب عايدة، شقيقة صديقه ابن الذوات، لكنها لا تتزوجه وتتركه يكفر بالمبادئ والمثل التي آمن بها، بعد أن تعايره بفقره، وتتزوج من أحد الشباب الأثرياء.

عقبات مع الرقابة على المصنفات
تعرض فيلم «قصر الشوق» لأزمات كثيرة مع الرقابة على المصنفات ومؤسسة السينما، الشركة المنتجة للفيلم، التي كان يرأسها في ذلك الوقت صاحب القصة الأصلية، نجيب محفوظ. ولم يُصرح بعرض الفيلم لأكثر من عامين، وشُكلت لجان، منها لجنة مجلس الرقابة ولجنة تصدير الأفلام، بقرار من وزير الثقافة ثروت عكاشة، لمعاينة الفيلم الذي اعتُبر فيلمًا هابطًا.
ودونت اعتدال ممتاز، مديرة الرقابة وقتئذ، في ملاحظاتها أن فيلم «قصر الشوق» قد تم إنتاجه في فترة زمنية قصيرة جدًا لا تتجاوز الشهر، ولذلك تم «سلق» الفيلم على وجه السرعة، دون اعتبار للتجويد والإتقان. وألقت اللوم على الأديب نجيب محفوظ، الذي كان مسؤولًا عن تمويل فيلم هابط مثل «قصر الشوق»، مما أساء إلى عمله الأدبي.
وجاء تقرير الرقابة بحذف 16 مشهدًا من فيلم «قصر الشوق»، وذكر التقرير أن الفيلم فيه دعوة إلى الفسق والفجور من أكثر من جيل، جيل الأب وجيل الابن يس، وفيه هدم للأسرة المصرية.

ودافع بعض النقاد عن فيلم «قصر الشوق»، مؤكدين أنه يعكس الحياة في مصر وقت الاحتلال البريطاني، حيث انتشار الفساد وبيوت الدعارة واللهو، ولجوء تجار الأحياء الشعبية إلى الانغماس في الملذات والفجور. وعلى الجانب الآخر، هناك الأشخاص الوطنية والثورية التي تضحي بكل ما هو غالٍ ونفيس.

وفيلم «قصر الشوق» من بطولة نادية لطفي، وآمال زايد، وعبد المنعم إبراهيم، وماجدة الخطيب، ونور الشريف في أول أدواره السينمائية، وسمير صبري. كتب السيناريو والحوار محمد مصطفى سامي، ومن إخراج حسن الإمام.
يحكي التاريخ من خلال الراقصات
وبالرغم من تقديمه أعمالًا فنية مهمة تصور حال المجتمع في فترات معينة، فإن المخرج حسن الإمام واجه هجومًا حادًا من النقاد الذين اتهموه بتشويه روايات نجيب محفوظ.
وحول هذه الاتهامات، يقول المخرج حسن الإمام: «أنا لا أتعمد تقديم فيلم عن راقصة أو مطربة، لكني مثل العازف الذي يعزف نوتة موسيقية متعددة لموسيقيين مختلفين، مثل بيتهوفن وموتزارت وعبد الوهاب وأحمد فؤاد حسن وأنا.. حسن الإمام. وعمومًا، فأنا لا أقدم أفلامًا عن الراقصات، ولكن أحكي التاريخ من خلال الراقصات».
