بعد تحذيرات حقوقية من تكرارها في الضفة الغربية، ما هي الإبادة الجماعية؟
أعادت التحذيرات الحقوقية المتزايدة بشأن ما يجري في الضفة الغربية، ولا سيما في مخيمات شمال الضفة والمناطق الريفية في المنطقة «ج»، طرح سؤال بالغ الحساسية حول ما إذا كانت أنماط من الأفعال التي ارتبطت بالحرب على غزة يمكن أن تتكرر في الضفة الغربية، وما إذا كان من الممكن أن تصل هذه الأفعال إلى مستوى الإبادة الجماعية. وللإجابة عن هذا السؤال بصورة دقيقة، ينبغي أولًا فهم معنى الإبادة الجماعية في القانون الدولي، ثم النظر إلى طبيعة الانتهاكات الموثقة في الضفة الغربية، وأخيرًا تحديد ما الذي يجعل فعلًا ما إبادة جماعية بدلًا من أن يكون جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تطهيرًا عرقيًا.
الإبادة الجماعية
الإبادة الجماعية، هي واحدة من أخطر الجرائم التي يعترف بها القانون الدولي. وقد عرّفتها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 بأنها ارتكاب أفعال محددة ضد جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، مع وجود قصد لتدمير هذه الجماعة، كليًا أو جزئيًا، بصفتها جماعة.
ويشمل التعريف قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي بالغ بهم، وإخضاعهم عمدًا لظروف معيشية يُراد منها إحداث تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب، ونقل أطفال الجماعة قسرًا إلى جماعة أخرى.
ولا يمكن اعتبار كل عملية قتل واسعة النطاق أو تهجير جماعي إبادة جماعية بصورة تلقائية، فقد تحدث عمليات قتل كبيرة أو عمليات تهجير قسري أو تدمير واسع للممتلكات، وقد تشكل هذه الأفعال جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، حتى في حال عدم توافر الأدلة الكافية لإثبات القصد المحدد المطلوب لجريمة الإبادة الجماعية،ويشكل هذا التمييز أهمية خاصة عند الحديث عن الضفة الغربية، لأن طبيعة الأفعال المرتكبة وأهدافها والسياق الذي تقع فيه هي التي تحدد التوصيف القانوني، وليس حجم المعاناة وحده.
الاختلاف بين الإبادة والتطهير العرقي
ويختلف مفهوم الإبادة الجماعية، كذلك عن مفهوم التطهير العرقي، رغم وجود تداخل كبير بينهما في بعض الحالات، فالتطهير العرقي يستخدم عادة لوصف سياسات أو ممارسات تهدف إلى إزالة جماعة إثنية أو دينية من منطقة جغرافية معينة، سواء من خلال العنف أو التهديد أو التهجير أو تدمير سبل الحياة التي تجعل بقاء السكان ممكنًا.
وفي الضفة الغربية، وثقت منظمات حقوقية وأجهزة أممية خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في عمليات القتل والعنف الاستيطاني والتهجير القسري وهدم المنازل والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين في أجزاء مختلفة من المنطقة.
وتكتسب التطورات في شمال الضفة أهمية خاصة، إذ أوضحت المنظمات الحقوقية الدولية، أن العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأت في يناير 2025 أدت إلى إفراغ مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس تقريبًا من سكانها، وأن عشرات الآلاف من الأشخاص ظلوا مهجرين بعد أشهر من بدء العملية، بالتزامن مع عمليات هدم واسعة للمنازل والمنشآت.
وخلصت هذه المنظمات إلى أن عمليات التهجير القسري التي وثقتها ترقى إلى جرائم حرب، وأن بعض الأفعال تدخل كذلك في نطاق الجرائم ضد الإنسانية.
ولا يقتصر الأمر على المخيمات، إذ برزت المنطقة «ج» باعتبارها إحدى أكثر المناطق إثارة للقلق في التقارير الحقوقية، التي أشارت إلى أن الفلسطينيين، وخصوصًا المجتمعات البدوية والرعوية في المنطقة «ج»، تعرضوا لحملة من العنف والقيود والتهجير، معتبرة سياسة لإجبار السكان الفلسطينيين على مغادرة مناطقهم بأنه جزء من حملة تطهير عرقي وفق التعريف الذي تستخدمه.
وأشارت هذه المنظمات الدولية، إلى نزوح تجمعات فلسطينية بدوية ورعوية بصورة كلية أو جزئية، وإلى تعرض السكان لمزيج من العنف والتهديدات وقيود الحركة وهدم الممتلكات والضغوط التي تجعل استمرار الحياة في بعض المناطق بالغ الصعوبة.
ويكمن جوهر المخاوف الحقوقية في أن التهجير لا يحدث دائمًا باعتباره نتيجة مؤقتة لعملية عسكرية ثم يعود السكان إلى أماكنهم بعد انتهائها، وإنما توجد حالات تؤكد فيها المنظمات الحقوقية أن السكان يُمنعون من العودة، بينما تُهدم المنازل أو تتغير طبيعة المنطقة بصورة تجعل العودة أكثر صعوبة.
ويزداد القلق عندما تُقرأ هذه التطورات ضمن سياق أوسع يشمل التوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على الفلسطينيين والعنف الذي يمارسه بعض المستوطنين والقرارات والإجراءات التي تؤثر في قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم. وتقول منظمات حقوقية إن هذه العناصر لا ينبغي النظر إليها كحوادث منفصلة، بل كأجزاء من نمط أوسع يمكن أن يؤدي إلى تغيير الواقع الديموغرافي في مناطق معينة من الضفة الغربية. وقد حذرت جهات أممية كذلك من مخاطر استمرار سياسات تؤدي إلى إفراغ مناطق فلسطينية من سكانها أو تغيير طابعها السكاني بصورة يصعب عكسها.
والحديث عن احتمال تكرار بعض أنماط ما حدث في غزة داخل الضفة الغربية، فالمقصود بالتحذير الحقوقي ليس بالضرورة أن الضفة الغربية تشهد حاليًا الوضع نفسه الذي شهدته غزة، فهناك اختلافات كبيرة في طبيعة العمليات العسكرية وحجم الدمار والظروف الجغرافية والسياسية، وإنما المقصود هو التحذير من انتقال بعض الآليات التي تؤدي إلى تفريغ السكان من مناطقهم، مثل القتل والعنف والتدمير والتهجير ومنع العودة، إلى سياقات أخرى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويصبح هذا الأمر أكثر خطورة عندما تتحول هذه الأفعال من أحداث متفرقة إلى نمط متكرر يؤثر بصورة منهجية في قدرة السكان الفلسطينيين على البقاء في مناطقهم.
الإبادة الجماعية في معناها القانوني الدقيق محاولة، هي تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا، من خلال أفعال محددة وبوجود قصد خاص لتدميرها. أما التطورات في الضفة الغربية فتشير التقارير الحقوقية الحديثة إلى تصاعد خطير في القتل والعنف والتهجير القسري وهدم المنازل وتفريغ بعض التجمعات الفلسطينية من سكانها وتغيير ظروف الحياة فيها. وقد وصفت منظمات حقوقية بعض هذه الممارسات بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينما استخدمت منظمة العفو الدولية تعبير «التطهير العرقي» لوصف نمط من التهجير الذي وثقته في أجزاء من الضفة الغربية. ولذلك فإن التحذير من إمكانية اتساع هذه الممارسات أو تحولها إلى نمط أكثر شمولًا يستند إلى وقائع وتطورات موثقة، لكن إطلاق وصف «الإبادة الجماعية» بالمعنى القانوني يحتاج إلى إثبات عنصر القصد الخاص الذي يميز هذه الجريمة عن الجرائم الدولية الأخرى.
