من الريش والجلود إلى الطاقة الشمسية والسياحة البيئية.. مشروع مصري يحول النعام إلى منظومة اقتصادية بلا هدر
في إطار التوجه نحو تطوير نماذج إنتاج زراعي وحيواني أكثر استدامة وكفاءة اقتصادية، يطرح مشروع «واحة النعام المتكاملة – الاستدامة القصوى» تصورًا مبتكرًا لتحويل مزارع النعام من وحدات تقليدية لإنتاج اللحوم إلى منظومة اقتصادية متكاملة، تستهدف الاستفادة من مختلف أجزاء الطائر، وتدوير المخلفات، ودمج التصنيع بالطاقة الشمسية والسياحة البيئية، بما يفتح آفاقًا جديدة لتعظيم القيمة المضافة وتعدد مصادر الدخل.
ويشارك بالمشروع الأستاذ المساعد الدكتور محمد حامد عبد الفتاح محمد، الباحث الأول في رعاية وتربية الدواجن بمعهد بحوث الإنتاج الحيواني، ضمن فريق بحثي يضم محمود حامد عبد الفتاح محمد ومحمد يوسف أحمد صادق، وذلك في إطار مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026»، التابعة للمبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي».
ووفقًا للبيانات المقدمة من الفريق البحثي، يستهدف النموذج إقامة مشروع متكامل على مساحة تتراوح بين فدان وخمسة أفدنة، مع الإشارة إلى أن المشروع يقع في نطاق الظهير الصحراوي لمحافظة الفيوم، بمركز طامية على طريق أسيوط الغربي، ومصنف ضمن المشروعات قيد التطبيق.

من مزرعة نعام إلى منظومة إنتاج وتصنيع متكاملة
تعتمد الفكرة على تحقيق التكامل بين مراحل الإنتاج المختلفة، بحيث لا تقتصر العوائد الاقتصادية على بيع اللحوم أو الطيور الحية، بل تمتد إلى تصنيع المنتجات الثانوية واستغلالها في أنشطة متعددة، بما يسهم في تقليل الفاقد ورفع كفاءة استخدام الموارد.
ويتضمن التصور المقترح زراعة جزء من مساحة المشروع، وإنشاء مزرعة لتربية أمهات النعام والسلالات المتميزة، ومعمل للتفريخ الذكي، ووحدة للذبح والتجهيز، إلى جانب خطوط لتصنيع المنتجات المستخلصة من الطائر، ومحطة للطاقة الشمسية لتوفير جزء من احتياجات التشغيل.
ويستهدف هذا التكامل ربط وحدات المشروع في سلسلة إنتاجية واحدة؛ إذ يمكن أن يوفر معمل التفريخ احتياجات المزرعة من الكتاكيت، مع إمكانية تسويق الفائض للمربين، بينما تتيح وحدات التصنيع تحويل المنتجات الأولية إلى سلع ذات قيمة اقتصادية أعلى.

كل جزء من النعام يمكن أن يتحول إلى منتج
تتمثل إحدى أبرز نقاط الابتكار في المشروع في تنويع المنتجات المستهدفة من خلال الاستفادة من أجزاء الطائر المختلفة، بدلًا من الاعتماد على اللحوم باعتبارها المصدر الرئيسي للعائد.
ففي قطاع الأغذية، يستهدف المشروع إنتاج لحوم النعام وتسويقها في صورة قطعيات ومنتجات مصنعة، مثل البرجر والسجق، وفقًا للاشتراطات الصحية والتصنيعية المعتمدة.
وفي مجال الصناعات الجلدية، يقترح الاستفادة من جلود النعام في إنتاج الحقائب والأحذية والمحافظ والأحزمة، بينما يمكن توجيه الريش إلى صناعة الإكسسوارات ومنتجات الزينة وبعض الاستخدامات المنزلية.
كما يتضمن التصور دراسة الاستفادة من دهون النعام في تطوير منتجات للعناية بالبشرة ومستحضرات التجميل، بعد استيفاء متطلبات الاختبار والسلامة والتسجيل، إلى جانب بحث الاستخدامات الاقتصادية للعظام وقشور البيض في المنتجات الفنية والزخرفية والتطبيقات المناسبة.
ويمتد المقترح إلى دراسة بعض الاستخدامات البحثية المتخصصة لأجزاء من الطائر، وفقًا للضوابط الطبية والبحثية المنظمة، بما يتيح استكشاف فرص إضافية للاستفادة من الموارد المتاحة.
وتعكس هذه المسارات توجهًا نحو بناء سلسلة قيمة متكاملة، تبدأ بالإنتاج الحيواني، ثم تنتقل إلى التصنيع والتسويق، بما يتيح فرصًا لتنويع الإيرادات وتقليل الاعتماد على منتج واحد، مع إخضاع كل نشاط لدراسة جدوى فنية واقتصادية مستقلة.

«صفر نفايات».. المخلفات تتحول إلى قيمة اقتصادية
لا تقتصر فكرة الاستدامة في المشروع على تنويع المنتجات، بل تمتد إلى التعامل مع المخلفات باعتبارها موردًا يمكن الاستفادة منه بدلًا من التخلص منه.
ويطرح النموذج إمكانية تحويل المخلفات العضوية، ومنها زرق النعام، إلى أسمدة بعد المعالجة المناسبة والتأكد من سلامتها، إلى جانب دراسة الاستخدامات الملائمة لبقية المخرجات والمنتجات الثانوية، بما يحد من الهدر ويعزز كفاءة إدارة الموارد.
كما يستهدف المشروع الاستعانة بالطاقة الشمسية لتشغيل بعض الوحدات الإنتاجية، بما قد يسهم في خفض استهلاك الكهرباء التقليدية وتكاليف التشغيل، بحسب القدرة الفعلية لمحطة الطاقة واحتياجات المشروع.
ويعبر شعار «الاستدامة القصوى – صفر نفايات» عن طموح المشروع إلى الوصول إلى منظومة إنتاجية تقلل الفاقد إلى أدنى مستوى ممكن، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب قياس كميات المخلفات ونسب إعادة استخدامها، وتقييم تكاليف المعالجة والتصنيع والعائد الاقتصادي لكل مسار.
السياحة البيئية والتسويق المباشر.. مصادر دخل إضافية
يقترح المشروع توظيف موقعه في الظهير الصحراوي لمحافظة الفيوم لتطوير أنشطة سياحية وتعليمية مرتبطة بالإنتاج الحيواني والبيئة الزراعية.
ويشمل التصور إمكانية تخصيص مناطق لاستقبال الزائرين والتعريف بتربية النعام، إلى جانب تطوير تجربة سياحية تجمع بين الترفيه والتثقيف، وإنشاء مطعم يقدم منتجات المشروع، ومعرض لعرض المنتجات الجلدية والإكسسوارات ومستحضرات التجميل وغيرها من المنتجات المستهدفة.
ومن شأن تنفيذ هذه الأنشطة، بعد استكمال دراسات الجدوى والحصول على التراخيص اللازمة، أن يوسع قاعدة العملاء ويفتح قنوات للتسويق المباشر، فضلًا عن توفير فرص عمل في مجالات التربية والتفريخ والتصنيع والتسويق والخدمات السياحية.
كما يمكن أن يتيح النموذج فرصًا لمشاركة الشباب والمربين والمشروعات الصغيرة في بعض حلقات سلسلة القيمة، بما يعزز فرص التنمية الاقتصادية في المناطق المحيطة.
تحديات الإنتاج الحيواني والاستدامة
ينطلق المشروع من الحاجة إلى تطوير نظم إنتاج حيواني أكثر تكاملًا، وتنويع المنتجات الغذائية، وتعظيم الاستفادة من المنتجات الثانوية، مع البحث عن حلول عملية لخفض الفاقد وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
ويستهدف كذلك تقديم نموذج مختلف عن المشروعات التي تعتمد على سلعة واحدة، من خلال الربط بين الإنتاج والتصنيع والتسويق والخدمات، بما قد يعزز القدرة على مواجهة تقلبات السوق وتنويع مصادر الإيرادات.
لكن الانتقال من التصور إلى التوسع الاستثماري يتطلب توثيق النتائج الفعلية للمشروع، وإعداد دراسة جدوى تحدد تكاليف الإنشاء والتشغيل، والطاقة الإنتاجية، وحجم الطلب على المنتجات، وفترات استرداد الاستثمار، والمخاطر المرتبطة بالسوق.
كما تستلزم أنشطة تصنيع اللحوم والمنتجات التجميلية والتعامل مع المخلفات الالتزام بالاشتراطات الصحية والبيئية والرقابية، وإجراء الاختبارات اللازمة قبل طرح المنتجات تجاريًا.
ويمثل قياس الأداء الفعلي لوحدات المشروع، وتحديد الأنشطة الأكثر جدوى، خطوة أساسية لتقييم فرص تكرار النموذج في مناطق أخرى، وفقًا لاختلاف الموارد والاحتياجات والقدرات الاستثمارية.
علي عبد العزيز: الابتكار الحقيقي هو تحويل الأفكار إلى مشروعات منتجة
وفي سياق دعم الابتكار الزراعي، يؤكد الدكتور علي عبد العزيز، رئيس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» ورئيس مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026»، أن أهمية الابتكار لا تتوقف عند طرح الأفكار الجديدة، وإنما تمتد إلى تحويلها إلى مشروعات قابلة للتطبيق، وربطها بالإنتاج والتصنيع والاستثمار، بما يحقق عوائد اقتصادية واجتماعية وبيئية.
وتستهدف المبادرة اكتشاف الأفكار البحثية والتطبيقية التي تقدم حلولًا لتحديات القطاع الزراعي، وإتاحة الفرصة أمام الباحثين والمبتكرين لعرض مشروعاتهم، وتعزيز التواصل بين المؤسسات البحثية والجهات الإنتاجية والشركات والمستثمرين.
وتأتي المسابقة باعتبارها إحدى الآليات الداعمة لهذا التوجه، من خلال تسليط الضوء على الابتكارات الواعدة، وفتح المجال أمام تقييمها وتطويرها، والبحث عن فرص لربطها بالجهات القادرة على تقديم الدعم الفني أو الإنتاجي أو الاستثماري.
ويمثل مشروع «واحة النعام المتكاملة» مثالًا على الأفكار التي تستحق الدراسة والتقييم، لما يطرحه من تصور يجمع بين الإنتاج الحيواني والتصنيع وتدوير المخلفات والطاقة النظيفة والسياحة البيئية.
وشدد الدكتور علي عبد العزيز على أهمية توفير مسارات عملية تساعد أصحاب الابتكارات على استكمال دراسات الجدوى، والتواصل مع الجهات الإنتاجية والاستثمارية، واستكشاف فرص التجريب والتطبيق والتوسع، حتى يمتد أثر البحث العلمي إلى المزارع والأسواق والاقتصاد الوطني.
مناشدة لمجلس الوزراء لتبني «دولة الابتكار الزراعي» ومسابقتها مؤسسيًا
وفي إطار السعي إلى بناء منظومة مستدامة لدعم الابتكار الزراعي، يناشد الأستاذ الدكتور علي عبد العزيز مجلس الوزراء تبني المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» ومسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026» مؤسسيًا، بما يوفر إطارًا مستدامًا لاستمرارهما وتطويرهما، ويعزز قدرتهما على ربط الباحثين والمبتكرين بالجهات المعنية بالتطبيق والإنتاج والاستثمار.
وتهدف المناشدة إلى الانتقال من دعم المبادرات والمشروعات بصورة متفرقة إلى بناء مسار مؤسسي منظم لاكتشاف الابتكارات الزراعية وتقييمها، وتحديد احتياجاتها الفنية والتمويلية، وربط المشروعات المؤهلة بالجهات المختصة والشركات والمستثمرين.
كما يستهدف هذا التوجه تعزيز التنسيق بين المؤسسات البحثية والجهات الإنتاجية والتمويلية، ووضع آليات لمتابعة الابتكارات بعد مشاركتها في المسابقة، بما يتيح دراسة فرص تنفيذها وتوسيع نطاق الاستفادة منها.
ولا يعني التبني المؤسسي اعتماد جميع المشروعات المشاركة تلقائيًا، وإنما توفير إطار واضح لتقييم الأفكار والتحقق من جدواها، وتحديد ما يحتاج منها إلى تطوير أو تجارب إضافية، ثم توجيه المشروعات المؤهلة إلى مسارات التطبيق المناسبة.
الابتكار الزراعي بوابة لتعظيم القيمة المضافة
يتقاطع مشروع «واحة النعام المتكاملة» مع عدد من أهداف التنمية المستدامة، من بينها دعم الأمن الغذائي، وتشجيع الطاقة النظيفة، وتعزيز العمل اللائق والنمو الاقتصادي، ودعم الصناعة والابتكار، وتشجيع أنماط الإنتاج والاستهلاك المسؤولين.
وتظل جدوى النموذج مرتبطة بقدرته على تحقيق نتائج قابلة للقياس، تشمل حجم المنتجات المصنعة، ونسب الاستفادة من المخلفات، وكفاءة استخدام الطاقة والموارد، وفرص العمل المتاحة، والعائد الاقتصادي المستدام.
ومن هنا تبرز أهمية المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» ومسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026» في فتح المجال أمام الأفكار البحثية والتطبيقية، وربط أصحابها بفرص التطوير والتنفيذ والاستثمار.
فالهدف لا يقتصر على اكتشاف الابتكار، بل يمتد إلى بناء مسار يساعد على تحويله إلى مشروع منتج، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، ورفع القيمة المضافة للإنتاج الزراعي والحيواني، بما يدعم تطوير القطاع الزراعي في مصر ويعزز فرص استدامته الاقتصادية والبيئية.


