من بذور الجرجير إلى مبيد حيوي، ابتكار مصري لمكافحة الحشائش وتقليل الاعتماد على الكيماويات
في محاولة لفتح مسار جديد لمكافحة الحشائش بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المبيدات الكيميائية، طوّر فريق بحثي بالمركز القومي للبحوث مستحضرًا يعتمد على زيوت بذور الجرجير والخردل في صورة مستحلبات نانوية، لاستهداف الحشائش المصاحبة لمحصولي الفول البلدي والفول السوداني، ضمن توجه بحثي يستهدف دعم الزراعة المستدامة وتطوير بدائل نباتية للمبيدات التقليدية.
ويحمل الابتكار اسم «مبيد حيوي طبيعي صديق للبيئة – بيوسيد»، ويشارك ضمن مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026»، تحت مظلة المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي»، التي تستهدف تسليط الضوء على الحلول البحثية والتطبيقية القابلة للتطوير وربطها باحتياجات القطاع الزراعي.
ويقود الفريق البحثي الباحث المساعد منى عادل محمد الوكيل، من المركز القومي للبحوث، بمشاركة فاتن سعد عبد العظيم زكي، ويعتمد المشروع على توظيف تقنية النانو لتحسين خصائص الزيوت النباتية المستخدمة في مكافحة الحشائش، بما يفتح المجال أمام تطوير مستحضرات زراعية بديلة تستند إلى مصادر نباتية.

زيوت الجرجير والخردل في مواجهة الحشائش
تقوم فكرة الابتكار على الاستفادة من المركبات النشطة في زيوت بذور الجرجير والخردل، وإعدادها في صورة مستحلبات نانوية تحتوي على قطرات زيتية دقيقة، بهدف تحسين تجانس المستحضر وتوزيعه وتعزيز تلامسه مع الحشائش المستهدفة.
ويستهدف المستحضر الحشائش الحولية المصاحبة لمحصولي الفول البلدي والفول السوداني، التي تنافس النباتات المزروعة على المياه والعناصر الغذائية والموارد اللازمة للنمو، وهو ما قد ينعكس على إنتاجية المحاصيل وجودتها عند عدم مكافحتها بكفاءة.
وتكتسب الفكرة أهميتها من البحث عن بدائل للمبيدات التقليدية، في ظل تحديات مرتبطة بتكرار استخدام بعض المواد الفعالة، من بينها ظهور حشائش مقاومة لها، إلى جانب المخاطر البيئية والصحية المحتملة الناتجة عن الاستخدام غير الرشيد للمبيدات.
ولا يعتمد الابتكار على استخدام الزيوت النباتية في صورتها الطبيعية فقط، بل يستهدف تحسين طريقة تجهيزها من خلال تقنية المستحلبات النانوية، بما قد يعزز كفاءتها في مكافحة الحشائش مقارنة بالزيوت غير المعالجة، وفقًا للنتائج التي أعلنها الفريق البحثي.

نتائج التجارب تكشف كفاءة المستحلبات النانوية
بحسب البيانات المقدمة من الفريق، أُجريت تجارب داخل الصوبة الزراعية على حشائش مصاحبة لمحصول الفول البلدي، باستخدام زيوت الجرجير والخردل ومستحلباتها النانوية بتركيزات مختلفة.
وأظهرت النتائج المعلنة تثبيط نمو الحشائش المعاملة، مع تسجيل المستحلبات النانوية كفاءة أعلى من الزيوت في صورتها الطبيعية ضمن ظروف التجربة، كما ارتبط ارتفاع التركيز بزيادة التأثير المثبط للحشائش.
وأشار الفريق إلى أن الحد من منافسة الحشائش انعكس إيجابيًا على بعض مؤشرات نمو المحصول وإنتاجيته وجودته مقارنة بالمعاملات غير المعاملة.
وتدعم هذه النتائج مواصلة البحث في إمكانية استخدام الزيوت النباتية ومستحلباتها النانوية لتطوير مبيدات حيوية، لكن الانتقال من التجارب الأولية إلى الاستخدام الزراعي الأوسع يتطلب استكمال التقييمات الحقلية، وتحديد الجرعات المناسبة، والتحقق من انتقائية المستحضر للمحصول، ودراسة آثاره على الكائنات غير المستهدفة والتربة والمياه.
دراسة منشورة في مجلة Scientific Reports
استند الابتكار إلى نتائج بحثية تناولتها دراسة منشورة عام 2025 في مجلة Scientific Reports بعنوان:
Efficacy of rocket and mustard oils and their nano-emulsions as alternatives to chemical herbicides for controlling weeds associated faba bean.
وتبحث الدراسة فاعلية زيوت الجرجير والخردل ومستحلباتها النانوية بوصفها بدائل محتملة لمبيدات الحشائش الكيميائية المصاحبة للفول البلدي.
ويمثل النشر العلمي خطوة في توثيق النتائج البحثية، بينما يظل إثبات كفاءة المستحضر في ظروف الحقل المختلفة، وتحديد مدى أمانه وملاءمته الاقتصادية، من المراحل الأساسية اللازمة لتقييم فرص استخدامه على نطاق أوسع.
من معامل المركز القومي للبحوث إلى الحقول الزراعية
وفقًا للبيانات المقدمة من الفريق، أُنتج المستحضر داخل معامل المركز القومي للبحوث، مع طرح إمكانية التوسع في إنتاجه من خلال التعاون مع شركات المبيدات، بما يسمح بدراسة فرص التصنيع والتداول التجاري.
وأشار الفريق إلى تسجيل الابتكار لدى مكتب نقل وتسويق التكنولوجيا بالمركز القومي للبحوث منذ عام 2022، وأن ملفه لا يزال قيد المراجعة، إلى جانب استمرار العمل على تقييمه في الحقول الزراعية.
وتشمل الخطوات المطلوبة لاستكمال تطوير المستحضر إجراء تجارب حقلية على المحاصيل المستهدفة، ولا سيما الفول السوداني، وتقييم كفاءته في ظروف زراعية مختلفة، وتحديد الجرعات المثلى وتوقيتات الرش، ودراسة تأثيره على نمو المحصول والإنتاجية.
كما يتطلب طرحه للاستخدام التجاري استكمال إجراءات التسجيل والتقييم التنظيمي، والتحقق من الفاعلية والسلامة والجودة، إلى جانب إجراء دراسة اقتصادية تقارن تكاليف استخدامه ببدائل مكافحة الحشائش المتاحة.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة؛ إذ إن نجاح المستحضر داخل الصوبة الزراعية لا يعني بالضرورة تحقيق النتائج نفسها في الحقول المفتوحة، حيث تختلف الظروف البيئية وطبيعة التربة ومستويات الإصابة بالحشائش. كما أن الأصل النباتي للمادة الفعالة لا يكفي وحده للحكم على سلامتها، وهو ما يجعل الاختبارات المتخصصة ضرورة قبل التوسع في استخدامها.
ابتكار يستهدف تقليل الاعتماد على المبيدات الكيميائية
تتجاوز أهمية المشروع مجرد اختبار زيوت نباتية لمكافحة الحشائش، إذ يعكس توجهًا نحو توظيف الموارد الطبيعية والتقنيات الحديثة في تطوير حلول لمشكلات الإنتاج الزراعي.
فإذا أثبت المستحضر كفاءته وسلامته وجدواه الاقتصادية بعد استكمال التقييمات اللازمة، فقد يتيح للمزارعين خيارًا إضافيًا ضمن برامج الإدارة المتكاملة للحشائش، ويسهم في تقليل الاعتماد على بعض المبيدات الكيميائية وفقًا للمحاصيل وظروف الاستخدام والتوصيات الفنية المعتمدة.
كما يفتح تطوير المستحضر المجال أمام التعاون بين المؤسسات البحثية وشركات إنتاج المبيدات، بما يدعم نقل نتائج البحث العلمي إلى مراحل التصنيع والتطبيق، ويوفر فرصًا لدراسة توطين إنتاج مستحضرات زراعية تعتمد على الزيوت النباتية.
ويرتبط هذا المسار بأهداف التنمية المستدامة، خصوصًا دعم الإنتاج الزراعي، وتعزيز أنماط الإنتاج المسؤول، والحد من المخاطر البيئية المحتملة، على أن يرتبط تقييم الأثر الفعلي للمستحضر بنتائج الاختبارات العلمية والتنظيمية.
علي عبد العزيز يدعو إلى تبني «دولة الابتكار الزراعي» مؤسسيًا
وفي سياق دعم الابتكارات الزراعية وربط البحث العلمي بالتطبيق، يدعو الدكتور علي عبد العزيز، رئيس المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» ورئيس مسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026»، مجلس الوزراء إلى تبني المبادرة والمسابقة مؤسسيًا، بما يضمن استمرارهما وتطوير آليات العمل بهما، وتعزيز التنسيق بين الجهات البحثية والإنتاجية والتمويلية المعنية بالقطاع الزراعي.
وتستهدف المبادرة تسليط الضوء على الأفكار الزراعية الواعدة، فيما توفر المسابقة منصة للتعريف بالمشروعات البحثية والتطبيقية ومناقشة فرص تطويرها وربطها بالجهات القادرة على دعم انتقالها إلى مراحل التنفيذ والإنتاج.
وتبرز أهمية هذا التوجه في إتاحة الفرصة أمام الابتكارات التي تستهدف معالجة مشكلات ميدانية، مثل الحشائش التي تنافس المحاصيل على الموارد، للوصول إلى جهات يمكنها المساهمة في استكمال التجارب وتوفير التمويل والتطوير الفني والتصنيع.
ويستهدف التبني المؤسسي المقترح بناء مسار مستدام لاكتشاف الابتكارات الزراعية وتقييم احتياجاتها، وتحديد المشروعات التي تحتاج إلى تجارب إضافية أو شراكات إنتاجية، ومتابعة انتقالها من الفكرة والبحث العلمي إلى التطبيق، وفقًا لنتائج التقييم المستقل لكل مشروع.
«من الفكرة إلى التطبيق».. التحدي الأهم أمام الابتكار الزراعي
يمثل المستحضر المعتمد على زيوت الجرجير والخردل ومستحلباتها النانوية نموذجًا لبحث يسعى إلى تطوير بديل نباتي لمكافحة الحشائش، لكنه يحتاج إلى استكمال مراحل التقييم الحقلي والسلامة والفاعلية والجدوى الاقتصادية قبل الحكم على مدى جاهزيته للاستخدام التجاري.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المبادرة الوطنية «دولة الابتكار الزراعي» ومسابقة «الابتكار الزراعي من أجل التنمية المستدامة 2026» في التعريف بالمشروعات الواعدة، وفتح قنوات للتواصل بين الباحثين والجهات التي يمكنها دعم التطوير والتصنيع والتطبيق.
ويظل التحدي الأساسي هو تحويل النتائج البحثية إلى منتج موثوق وملائم لاحتياجات المزارعين، من خلال التجارب العلمية والشراكات الإنتاجية واستكمال المتطلبات التنظيمية، بما يعزز فرص الاستفادة من الابتكار الزراعي في دعم الإنتاج وحماية الموارد والحد من الاستخدام غير الرشيد للمبيدات الكيميائية.


