رئيس التحرير
عصام كامل

آن كارسون.. شاعرة كسرت قوالب الأدب وتوجت مسيرتها بنوبل 2026.. مزجت الشعر بالفكر والأسطورة.. وجعلت من التجريب الأدبي لغة جديدة للإبداع

الفائزة بنوبل للآداب
الفائزة بنوبل للآداب 2026، فيتو
18 حجم الخط

توجت الكاتبة والشاعرة والمترجمة آن كارسون بجائزة نوبل للآداب لعام 2026، تقديرا لأعمالها الجريئة التى خلقت أشكالا جديدة للأدب المعاصر، لتكون بذلك المرأة رقم 19 التي تحصد الجائزة.

تعد آن باتريشيا كارسون واحدة من أكثر الكتاب تأثيرا فى مجال الشعر والترجمة، حيث واصلت لأكثر من 4 عقود إعادة رسم خارطة الأدب المعاصر بهدوء، مقدمة مشروعا إبداعيا يرفض التصنيفات السهلة، فاستطاعت الكاتبة تحويل فعل “التفكير” بحد ذاته إلى حدث أدبى قائم بذاته.

ففي زمن ينظر فيه إلى البحث الأكاديمى والكتابة الإبداعية كمسارين منفصلين، أثبتت كارسون عمق التداخل بينهما، مؤكدة أن الفكر والخيال لا يتنافسان بل يثرى كل منهما الآخر باستمرار، لينتج عن هذا التكامل نتاج أدبى يتسم بالعمق الفكرى والجرأة الإبداعية فى آن واحد.

نجحت كارسون في التنقل بين العوالم القديمة والمعاصرة بسلاسة شديدة، فهي لم تنظر لما هو “قديم” كنصوص نموذجية جامدة، بل أرض حية مليئة بالأصوات والمساحات الواسعة للإبداع والتجديد، والذى يظهر بوضوح فى تعاطيها الأدب اليونانى القديم، مؤكدة أن العالم القديم لم يبق حيا لمجرد حفظه، بل لأنه يواصل توليد معانى جديدة.

وفى عملها “محاضرة فى تاريخ الكتابة على السماء” (Lecture on the History of Skywritin) الذى يمتزج فيه الشعر بالمحاضرة بالفن الأدائي، تتناول كارسون محاولات الإنسان السعي لترك بصمات دائمة فى عالم متغير وغير دائم.

آن كارسون ومحو المسافات بين القوالب الأدبية

تحاول كارسون دائما مناقشة مفهوم “المسافات” من خلال أعمالها، سواء بين العشاق، أو اللغات، أو الأحياء والأموات، أو ما يمكن معرفته وما يجب أن يظل غامضا، وكثيرا ما تستقر كتاباتها فى الفجوات والمساحات الفاصلة التى تشكل التجربة الإنسانية، وتستخرج منها الألم والأمل فى ونفس الوقت.

ويرتبط اهتمامها بالمسافات مع ارتباطها بالتغيير الدائم فى قالب النص الأدبي، حيث استطاعات الكاتبة الخلط بين الأنواع المختلفة واستخدام أدواتها الأدبية للتفكير فى الذاكرة والرغبة والخسارة، وتواصل إصداراتها البارزة مثل: “إيروس الحلو المر”، و”سيرة ذاتية للأحمر”، و”جمال الزوج”، و”نوكس”، و”طفو”، تحدى توقعات القراء حول ماهية القصيدة، أو المقال، أو الترجمة، أو الكتاب، ومع ذلك، لا يبدو التجريب الشكلى لدى كارسون مجرد ابتكار بلا هدف، بل ينبع دائمًا من متطلبات الموضوعات التى تطرقها، فالشكل الأدبى لديها ليس زخرفة، بل أداة للتقصى والبحث.

الشرارة الأولى لآن كارسون

شكلت الصدفة بداية الشغف لدى كارسون، فخلال دراستها الثانوية، اتفق معها معلم اللغة اللاتينية على تدريسها اللغة اليونانية القديمة خلال استراحة الغداء، وكان ذلك اللقاء الشرارة الأولى التى ربطتها بالأدب الكلاسيكي، وهو التأثير الذى ما يزال يلمس بإنتاجها الأدبي حتى اليوم.

ولدت كارسون فى مدينة تورونتو عام 1950، والتحقت بجامعة تورونتو، حيث مرت بمسار أكاديمي غير تقليدى بعدما انقطعت عن الدراسة مرتين قبل أن تحصد درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه فى الدراسات الكلاسيكية، وعلى امتداد مسيرتها العلمية، الممتزجة بسلسلة من التدريس فى جامعات بارزة فى الولايات المتحدة وكندا، استهلت مسيرتها الأدبية عام 1986 بكتابها “إيروس العذب المر: مقالة”، وهو العمل الذى وضع الأسس الأولى لأسلوبها القائم على نسج كتاباتها استنادا إلى الأدب اليونانى القديم.

إصدارات آن كارسون الأدبية من الجدل إلى التكريم

توالت إصداراتها المثيرة للجدل والاحتفاء، منها “الزجاج، السخرية، والإله”، و”ماء قراح: مقالات وشعر”، و”رجال فى أوقات الفراغ”، وهى أعمال وثقت من خلالها مكانتها كصوت استثنائي بين الشعراء المعاصرين، ولكن ظلت الروايات الشعرية هى الفن الأكثر إعجابا وتأثيرا فى مسيرتها، وعلى رأسها “السيرة الذاتية للأحمر”، و”جمال الزوج: مقالة خيالية فى 29 رقصة تانغو”.

وتعد رواية “السيرة الذاتية للأحمر” من أهم الكتابات فى مسيرة كارسون، فهو إعادة صياغة الأسطورة القديمة ضمن زمن معاصر، حيث اتخذت كارسون خيارات درامية مختلفة عن الرواية الأصلية والتى نجحت فى جذب عيون النقاد لها

السيرة الذاتية للأحمر

لم تبدأ “السيرة الذاتية للأحمر” كعمل ناجح من الناحية الجماهيرية، بحسب التقرير الذى أعدته كاثرينا جوفير لمجلة “تايم إنترناشونال”، حيث صدرت وسط تجاهل نقدى وأحاديث محدودة بين الأدباء، قبل أن تتحول تلك الأحاديث إلى حالة من الزخم عقب فوز الكتاب بجائزة “QSPELL” للشعر، ولاحقا ترشح العمل لجائزة “National Book Critics Circle Award”  لتصبح كارسون واحدة من أول شخصيتين غير أمريكيتين تصلان إلى القائمة القصيرة للجائزة.

وعقب هذا، واصلت كارسون حصد التقدير، فحظى مجموعتها الشعرية “رجال فى أوقات الفراغ”، التى تضم مراثى وقصائد حب ومقالات شعرية ونثر استذكارى وسيناريوهات مفترضة لدراما تلفزيونية وعديد من الأعمال فائقة الجودة والصنعة أبرزها كتاب «تفكيك الذات».

نقلا عن العدد الورقي

الجريدة الرسمية