رئيس التحرير
عصام كامل

عائد زقوت يكتب: عودة بوب ساغيت.. الجِدّ بالهَزْل

عائد زقوت، فيتو
عائد زقوت، فيتو
18 حجم الخط

على شاشة هاتفي، ظهر الإمبراطور الجديد في مقطع ريلز، يوزّع المزاح على الحاضرين. في مشهد يبدو للوهلة الأولى مازحًا، وهو يروّج لمرشحين من الحزب الجمهوري، قُبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل، خلال تجمع انتخابي داخل حظيرة طائرات في مطار دالتون البلدي بولاية جورجيا. 

ولعل بوب ساغيت الفنان الأمريكي، الذي عرفه الجمهور بالكوميديا الساخرة، كان يدرك كيف يمكن للضحك أن يحمل رسائل تتجاوز الترفيه؛ غير أنّ السخرية، حين تصدر عن صاحب سلطة، قد تتحول من أداة لكشف التناقضات إلى وسيلة للاستهزاء بالآخرين.

قال الإمبراطور، في سياق حديثه عن الرئاسة الإيرانية: "إذا شككتَ في اسم شخص من الشرق الأوسط، فما عليك إلا أن تناديه: يا محمد، فلديك فرصة بنسبة 65% أن تصيب الاسم"، مضيفًا أنه دأب على ذلك طوال سنوات ولم يخطئ مرة.

يتوهم البعض أنّ المزاح يرفع رصيد الخطيب، فيخلط الهزل بالجِد، ويتخذ من الدعابة منفذًا للاستهزاء بثقافات الآخرين، من دون اكتراث بأثر ذلك في نفوسهم. وحين تتضخم الأنا، يتراجع الاعتراف بالآخَر، ويغدو ازدراء قِيمه ومشاعره أمرًا هينًا. هنا لا يتعلق الأمر بالبروتوكول أو ترطيب الأجواء ورفع الكلفة، بل باستهزاء يمس وجدان ملياري مسلم، ويتجاوز حدود المزاح العابر إلى التنميط الثقافي والاستخفاف بالآخَر.

الإمبراطور يحب استعراض مهاراته في الدعابة الساخرة

إذا كان الإمبراطور يحب استعراض مهاراته في الدعابة الساخرة، فهل يستطيع ممازحة قوم آخرين قائلًا: "إذا شككتَ في اسم واحد منهم، فما عليك إلا أن تناديه: يا كوهين، فإنك لن تخطئ الهدف بنسبة 65%"؟.. عندها سيغدو البيت الأبيض أسود، ولن يُسمّى الأمر مزاحًا، بل "معاداة للسامية". فالمزاح، على ما يبدو، ليس متاحًا بالقدر نفسه حين يتغير اتجاه السخرية، وحين يصبح أصحابها ممن لا يُستحسن المساس بهم. 

لكن المفارقة أنّ الإمبراطور يعرف، على الأرجح، أنّ الدعابة ليست بريئة دائمًا، وأنّ ما تكشفه لا يقل أهمية عما تقوله؛ فحين تختزل السخرية جماعة بشرية في اسم، فإنها تكشف أيضًا عن نظرة صاحبها إليها.

وإذا كانت السخرية تكشف، على المستوى الأخلاقي حدود الاعتراف بالآخَر، فإنها قد تكشف، على المستوى النفسي، شيئًا عن صاحبها. فالساخر من اسم محمد لا يعبّر بالضرورة عن قوة معرفية، بل قد يكشف عن عجز عن استيعاب التعقيد. 

فمن يختزل تاريخًا كاملًا في اسم، لا يصف التاريخ، بل يبحث عن صيغة يختصر بها ما يعجز عن فهمه. وحين يختزل شعوبًا بأكملها في اسم واحد، فهو لا يصف الواقع، بل يبني صورة مبسطة يطمئن إليها. وهذه الصورة ليست عن الآخَر، بل عن حاجة الساخر نفسه إلى عالم أقل إرباكًا. 

وهذه نظرية نفسية يلجأ إليها من يرى في غيره ما يخشى مواجهته في ذاته، فيما تعرف بالإسقاط النفسي. فالسخرية، بهذا المعنى، ليست علامة تفوق، بل علامة على النرجسية السياسية وما يرفض الساخر الاعتراف به.

وهنا يبرز السؤال: هل قال ذلك سهوًا، أم كانت زلة لسان عابرة، أم أنه منطق "أنا أولًا" حين يتجاوز حدود السياسة إلى الاستعلاء على الآخرين؟ أم أنّ علينا أن نتقبل الأمر باعتباره مجرد مزحة، وأن نغض الطرف عن دلالاته لأنّ قائلها رئيس أقوى دولة في العالم؟ أم أنّ الإسقاط نفسه هو الجواب، وأنّ ما يبدو مزحة هو اعتراف لا واعٍ بما يرفض الساخر مواجهته في ذاته؟

حين يتقمص صاحب السلطة دور الكوميدي

فهل يُعقل ألا يكون من يقود أقوى قوة عظمى في العالم مدركًا للمكانة التي يحتلها اسم محمد في قلوب المسلمين؟، حين يتقمص صاحب السلطة دور الكوميدي، لا تختفي السلطة خلف الضحك، ولا تسقط مسؤولية الكلام بحجة الدعابة، فهل يرى في حرية التعبير مظلة تتيح له السخرية من الآخرين، من دون أن يلتفت إلى ما تفرضه عليه مكانته من مسؤولية؟

ومن ألوان الإساءة إلى القرآن الكريم والرسوم الكاريكاتورية والرسوم المتحركة، مرورًا بالمقالات والمداخلات التلفزيونية، تتسع قائمة الإهانات، فيما يبدو أنّ رصيد صبر المسلمين لا ينفد. لعل بعضهم يرى في احتمال الأذى بابًا للثواب والأجر، لكن الصبر، مهما علت قيمته، لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الرفض، ولا أن يُفهم على أنه قبول مفتوح بتكرار الإهانة.

المسؤولية هنا لا تقع على المسيئين وحدهم، ولا على المسلمين وحدهم؛ فالمسيء مسؤول عن إساءته، لكن استمرارها يضع مختلف القوى والجهات الإنسانية والسياسية والإعلامية والمؤسسية أمام سؤال الفاعلية: ماذا يفعل هذا الوزن البشري والسياسي حين تتكرر الإهانات؟ ليس الصمت عجزًا فحسب، بل قد يتحول، حين يغيب الرد المؤثر، إلى ما يشجع على زيادة الجرعة.

ولعل أقل رد رمزي، في انتظار ما هو أبعد من الاحتجاج اللفظي، أن يُقدِم مسلمو الإمبراطورية وفضائها، على مدى سنوات، على تسمية مواليدهم محمدًا. ليست المسألة تصورًا عمليًا بقدر ما هي قلب ساخر للمعادلة: الاسم الذي استُخدم أداةً للتنميط يتحول إلى عنوان احتجاج، وتغدو كثرة من يُراد اختزالهم في اسم واحد ردًا على من ظنّ أنّ في الاسم مدخلًا للاستهزاء بهم.

لكن قيمة الاحتجاج الرمزي لا تقتصر قدرته على إحراج الساخر، بل تمتد إلى ما يكشفه من ازدواجية في المعايير الأخلاقية ونظرة عنصرية إلى الآخر. 

وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بما يمكن أن يفعله الأفراد فحسب، بل أيضًا بما عجزت عن فعله المؤسسات الدولية المعنية بمكافحة التمييز العنصري، وبغياب الفعل السياسي المؤثر في مواجهة هذه الممارسات.

ويبدو أنّ الفاعلين تغامزوا وتهامسوا: أين الحد الأدنى من التحسب لعواقب اللعب بالعلاقات الدولية مع سبع وخمسين دولة عضوًا في منظمة التعاون الإسلامي؟ أم أنّ هذا التجاهل يكشف عن هلامية هذه الكتلة؟

مأساتنا أننا اعتدنا التغوّل؛ فالإمبراطور يعرف أدبنا جيدًا، ويعرف أنّ المثل القائل "ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها" ليس حكمة شعبية فحسب، بل وصف دقيق لحالنا. وهو ما يجعل سؤاله عن "يا محمد" ليس سؤالًا عن اسم، بل حسب تصوره، عن شاة تعرف أنّ سلخها مسألة وقت.

الجريدة الرسمية