"المستحيل"، فيلم أبكى مخرجه وحطم الجمهور مقاعد السينما أثناء عرضه
فيلم «المستحيل»، فيلم يناقش مشكلة الحرية والاختيار، اختير ضمن أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما، حيث احتل المركز الـ62، وهو مأخوذ عن قصة للدكتور مصطفى محمود، الذي اشترى أول سيارة في حياته من ثمن بيع هذه الرواية.
كتب السيناريو والحوار يوسف فرانسيس، وقام ببطولته نادية لطفي وكمال الشناوي وصلاح منصور وسناء جميل وكريمة مختار، وأخرجه حسين كمال في أول أعماله الإخراجية.
يحكي فيلم «المستحيل»، الذي يقوم على فلسفة: هل يمكن للإنسان أن يتحرر من السجن الذي صنعه له الآخرون؟، قصة حلمي، الشاب ضعيف الشخصية الذي يعيش تحت تأثير والده، فهو الذي اختار له الزوجة وأجبره على الموافقة.
يحاول حلمي، بعد وفاة والده، أن يتحرر من تأثيره عليه، وأن تكون له حرية الاختيار، فتكون أولى تجاربه هي الارتباط بناني، الشابة الرقيقة المغلوبة على أمرها، ثم يلتقي بفاطمة، المحامية مدعية الثقافة والمتحررة التي طلقت من زوجها بحجة رجعيته وأنه موضة قديمة.
وتدور الصراعات، وفي النهاية يعود إلى زوجته الأولى، باعتبار ذلك مستحيلًا وواقعًا مفروضًا عليه، معترفًا بخطئه.

يعد فيلم «المستحيل» من أهم وأشهر الأعمال السينمائية التي أُخذت عن روايات العالم المفكر الدكتور مصطفى محمود، وكلنا يعرف أسلوب الدكتور مصطفى محمود كاتبًا وفيلسوفًا وطبيبًا. وصنّف النقاد الفيلم بأنه من نوعية الدراما السيكولوجية. ولم يعتمد على الإثارة التقليدية، بل اعتمد فيه المخرج على الكاميرا والوجوه المعبرة أكثر من الحوار، وأُجري التصوير داخل شقق سكنية مغلقة ومكاتب ومحاكم وشوارع القاهرة، كناية عن القيود النفسية.
وقدم فيه كمال الشناوي، في دور حلمي، أداءً بارعًا لشخصية الرجل التابع.
قصة تقدم مشكلة اجتماعية نفسية
عالج فيلم «المستحيل»، كما كتبه يوسف فرانسيس عن قصة للدكتور مصطفى محمود، مشكلة اجتماعية نفسية يسودها الملل والروتين في حياة موظف ضعيف الشخصية يرفض واقعه، المتمثل في زوجته وعمله، ويبحث عن ذاته. ويثبت الفيلم في النهاية أن الثقافة وحدها لا تمنح الإنسان السعادة، وأن الحرية لا تعني دائمًا الاتزان النفسي.

جسدت الممثلة الشقراء نادية لطفي في فيلم «المستحيل» شخصية ناني، الفتاة التي تتزوج من زوج أختها بعد وفاتها، وتعيش مغلوبة على أمرها، إلا أنها تتعرف على حلمي، الذي يجسد شخصيته الفنان كمال الشناوي، وهو رجل ضعيف الشخصية، متزوج من امرأة أجبره والده على الزواج منها. وتتشابه ظروفهما ويرتبطان عاطفيًا، إلا أن حلمي يعود مرة أخرى إلى زوجته الأولى. وتقول نادية لطفي عن هذا الفيلم إن تمثيلها أمام عملاقة مثل سناء جميل أفادها كثيرًا في حياتها، فقد تعلمت منها الكثير.

لماذا بكى حسين كمال؟
حين عُرض فيلم «المستحيل» في السينما في مثل هذا اليوم، 19 أكتوبر عام 1965، تصور المخرج حسين كمال نجاح الفيلم بدرجة كبيرة، ويحكي المخرج عن ظروف العرض الأولى للفيلم، فيقول: «ذهبت إلى سينما في حي السيدة زينب لمتابعة ردود أفعال الجمهور على فيلم المستحيل، لكن ما شاهدته هناك أصابني بالإحباط. رأيت الجمهور يحطم المقاعد بعد مشاهدة الفيلم. خرجت من السينما محبطًا، وبكيت بكاءً شديدًا، لكن اليأس لم يتسلل إلى قلبي. فكرت: كيف يمكنني أن أرضي الجمهور الغاضب بسبب فيلم المستحيل؟».
وأضاف حسين كمال: مع مرور الوقت، وبعد ثلاث سنوات، قدمت أفلامًا أخرى، منها فيلم «البوسطجي»، ليثبت فيلم «المستحيل» نفسه بعد سنوات ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، وأحد أكثر الأفلام جرأة وغموضًا وتأثيرًا في تاريخ السينما المصرية، كما مثل مصر في سباق جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي عام 1965.
فيلم معقد لا يناسب الجمهور العادي
اعترضت الرقابة على المصنفات على فيلم «المستحيل»، ليس بسبب بعض المشاهد الجريئة، بل بسبب الأفكار الفلسفية العميقة التي ناقشها الفيلم حول حرية الإرادة والاغتراب والبحث عن الذات، وهي موضوعات كانت جديدة على جمهور الستينيات. وانقسمت الصحافة والنقاد إلى فريقين؛ فريق رأى أنه تحفة فنية سبقت عصرها، وفريق هاجمه بشدة واعتبره فيلمًا معقدًا لا يناسب الجمهور العادي.
سينما جديدة وجادة
وصف النقاد حسين كمال بأنه عمل في فيلم «المستحيل» على تطبيق خبراته الفنية التي اكتسبها من دراسته وعمله في التلفزيون، فكانت أول تجربة سينمائية له، قدم من خلالها فيلمًا بطله هو التصوير السينمائي، من حيث تقسيم الكادر وتوزيع الظل والضوء في المشهد. وكان مدير التصوير عبد العزيز فهمي ممن أسهموا بشكل أساسي في تجسيد ما أراده حسين كمال، الذي استطاع أن يقدم في أفلامه الثلاثة الأولى «المستحيل» و«البوسطجي» و«شيء من الخوف» سينما جديدة وجادة أثارت اهتمام النقاد، وبشرت بظهور مخرج كبير نجح فيما بعد في تقديم سينما هادفة ذات تقنية عالية.
