رئيس التحرير
عصام كامل

دراسة قانونية: حماية سيناء تبدأ من تكامل الدفاع والتنمية والدبلوماسية

المستشار محمد خفاجي
المستشار محمد خفاجي
18 حجم الخط

في قراءة تحليلية تستحضر دروس التاريخ في مواجهة تحديات الحاضر، أعاد المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة، تسليط الضوء على بروتوكول سيفر السري لعام 1956، الذي مهّد للعدوان الثلاثي على مصر، رابطًا بين دلالاته التاريخية والتصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن سيناء، وما تفرضه من ضرورة تعزيز الوعي الاستراتيجي وحماية الأمن القومي المصري. 

وتطرح الدراسة رؤية متكاملة لصيانة السيادة الوطنية، تستند إلى التوثيق التاريخي والقانون الدولي والجاهزية الدفاعية والدبلوماسية الفاعلة، مع التأكيد على أن تنمية سيناء وترسيخ حضور الدولة ومؤسساتها يمثلان ركيزة أساسية في حماية الأرض وصون استقرارها.

وجاءت الدراسة كالتالي: 

ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا تكشف الحروب فيها عن حقيقة السلاح فحسب، وإنما تكشف عن حقيقة النوايا؛ ولا يكون الخطر الأكبر فيما تقوله الدول أمام شعوبها، وإنما فيما تتفق عليه سرًّا بعيدًا عن أعين الشعوب والبرلمانات والرأي العام. ومن هذه اللحظات ما جرى في ضاحية سيفر الفرنسية في أكتوبر 1956، حين اجتمع ممثلو إسرائيل وبريطانيا وفرنسا وانتهوا إلى بروتوكول رتّب مسار العدوان على مصر، بدءًا من الهجوم الإسرائيلي، مرورًا بإنذار بريطاني فرنسي صيغ في صورة تدخل للفصل بين المتحاربين، وصولًا إلى العمليات العسكرية التي شنتها القوتان الأوروبيتان على الأراضي المصرية.

وبعد سبعين عامًا، تعود سيناء إلى واجهة الخطاب السياسي الإقليمي، إثر تصريح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في أكتوبر 2026 بأن سيناء لن تكون موجودة إذا هاجمت مصر إسرائيل، وقد أعلنت مصر رفضها القاطع للزج بإسم سيناء في تلك التصريحات، ووُصفت بأنها تهديدات جوفاء ذات أغراض انتخابية. 

وفى دراسة حديثة للمفكر والمؤرخ القضائى الفقيه المصرى المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة فى دراسته بعنوان: (بعد سبعين عامًا من بروتوكول سيفر 1956 إلى تهديدات سموتريتش، كيف تُدار المؤامرات على مصر… سيفر 1956 درس لا يسقط بالتقادم، وسيناء جوهر السيادة المصرية ليست محلًاللمساومة. دراسة تحليلية فى ضوء دروس التاريخ وحماية الأمن القومي المصري من ذاكرة العدوان إلى استراتيجية الردع والجاهزية)

كشف فيها الفقيه المصرى الأبعاد الحقيقية لتلك المؤامرة من خلال المصادر التاريخية لممثلى الدول الثلاث ذاتها فى أصعب ثلاثة أيام من 22 إلى 24 أكتوبر 1956 تم فيها تدبير أكبر مؤامرة فى التاريخ الحديث ضد مصر. كاشفًا عن مذكرات المتاَمرين, ونظرًا لأنه تم تدمير النسخة البريطانية بأمر رئيس وزرائها الأسبق , وفُقد النسخة الفرنسية , فقد سُمح بتصوير البروتوكول عام 1996من النسخة الإسرائيلية بفيلم وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية عُرض سابقًا حينما حلت الذكرى الأربعين حرب السويس. وتطرح الدراسة من سيفر إلى تصريح سموتريتش…دروس التاريخ ودلالتها فى حماية الأمن القومى المصرى وخمس أفكار عملية ذات قيمة للمستقبل.

ويعرض القاضى المصرى بالحقائق وأدلتها أن التاريخ يمنحنا أداة لفهم أنماط التفكير الاستراتيجي،وأن الوعي بالماضي ليس استغراقًا في الذكريات، بل وسيلة لتقدير المخاطر وصيانة السيادة. ونتناول عناصر الدراسة المهمة فيما يلى:

أولًا: بروتوكول سيفر 24 أكتوبر 1956 … حين كُتبت الحرب قبل أن تُعلن

تقول دراسة الدكتور محمد خفاجى " في 24 أكتوبر 1956، وُقّع بروتوكول سيفر في اجتماع سري بضواحي باريس، جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو والممثل البريطاني باتريك دين. ولم تكن أهمية الوثيقة في مجرد اتفاق ثلاثة أطراف على مواجهة مصر، وإنما في أنها رسمت تسلسلًا محددًا للأحداث، بحيث يسبق الهجوم الإسرائيلي التدخل البريطاني الفرنسي، ويصبح العدوان اللاحق قابلًا للتقديم أمام الرأي العام في صورة استجابة لأزمة عسكرية."

وتشير الدراسة "الوثائق التاريخية المنشورة ضمن مجموعة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، إلى جانب المواد الأرشيفية الإسرائيلية، تؤكد أن البروتوكول تضمّن ترتيبًا للعمليات والإنذار والتدخل.وأن الأهداف المرسومة للحملة تجاوزت السيطرة على قناة السويس إلى إضعاف مصر عسكريًا واقتصاديًا والتهيئة لتغيير نظام الحكم. " 

وتوضح الدراسة " هنا تبرز الملاحظة الأولى التي تستحق التوقف عندها , لم تكن المسألة مجرد حرب بين جيوش، بل كانت أيضًا معركة على تعريف الحرب نفسها. فمن يملك القدرة على صياغة الرواية الأولى يستطيع أن يحاول تقديم الهجوم باعتباره ضرورة، والتدخل باعتباره إنقاذًا، والاعتداء باعتباره إجراءً لحفظ السلام.وهذه هي المفارقة التي تكشفها سيفر قد يُستخدم خطاب منع الحرب لتبرير توسيعها، وقد يُستخدم ادعاء الحياد غطاءً لترتيبات اتُّخذت مسبقًا بعيدًا عن العلن." 

وتوضح الدراسة " أن القيمة التحليلية للوثيقة لا تقتصر على ما تكشفه عن نيات الأطراف، وإنما تمتد إلى طريقة إدارة الأزمة، تحديد من يبدأ، ومتى يصدر الإنذار، وما الشروط التي تُطرح، وكيف يُستفاد من الرفض المتوقع لتسويغ التدخل. إنها بنية سياسية وعسكرية متكاملة، وليست مجرد محضر اجتماع دبلوماسي.

والفكرة الجديدة هنا أن سيفر تكشف عن «هندسة الذريعة» أي ترتيب الوقائع بحيث يبدو الفعل المخطط له مسبقًا وكأنه رد اضطراري على واقعة طارئة. وهذا مفهوم تحليلي يمكن الاستفادة منه في دراسة الأزمات الدولية المعاصرة، بشرط إثبات عناصره في كل حالة على حدة، وعدم افتراض تطابق الوقائع لمجرد تشابه الخطاب."

ثانيًا: اختفاء النسخ وبقاء الحقيقة…من يملك الوثيقة لا يملك وحده التاريخ--حماية الأمن القومي ليس في جمع المعلومات فقط، وإنما في التحقق منهاوربطها بسياقهاوعدم السماح للشائعات بأن تحل محل الأدلةأو للتضليل بأن يسبق الحقيقة إلى الرأي العام

وتذكر دراسة الدكتور محمد خفاجى "من أكثر جوانب بروتوكول سيفر إثارة للاهتمام ما يتعلق بمصير نسخه. فقد ورد في الروايات التاريخية أن النسخة البريطانية دُمّرت بأمر رئيس الوزراء أنتوني إيدن، وأن النسخة الفرنسية فُقدت، بينما بقيت النسخة الإسرائيلية محفوظة في الأرشيف المرتبط بديفيد بن غوريون. وفي عام 1996 أُتيح تصوير الوثيقة ضمن عمل وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية، في سياق إحياء الذكرى الأربعين لأزمة السويس."

وتضيف " أن الدلالة الأعمق تتجاوز مصير الورق نفسه ,قد تُتلف وثيقة، لكن إتلافها لا يمحو بالضرورة شبكة الأدلة المحيطة بها. فقد تبقى مذكرات المشاركين، ومحاضر الاجتماعات، والمراسلات الدبلوماسية، والقرارات العسكرية، وشهادات الأطراف الأخرى، ثم تتضافر هذه العناصر لتعيد بناء الحدث."

وتوضح الدراسة " هنا يمكن أن تضيف الدراسة محورًا بحثيًا بالغ الأهمية، هو ما يمكن تسميته «إعادة بناء المؤامرة من أدلتها المتناثرة». ويقوم على مقارنة أربع مجموعات من الأدلة وهى الوثيقة الاتفاقية الأصلية وما ورد في نصها من ترتيبات. ومذكرات المشاركين، مع مراعاة طبيعتها الشخصية واحتمال انتقائيتها. والوثائق الرسمية التي سبقت الحرب وتلتها، بما فيها المراسلات ومحاضر الحكومات. والوقائع الميدانية التي جرت بالفعل، ومدى تطابقها مع الترتيب السابق."

وتؤكد الدراسة على أمر بالغ الأهمية  " كيف يمكن للمؤرخ أن يثبتمؤامرة قد حدثت، وكيف يختبر صدقية كل مصدر، وكيف يميّز بين الدليل المباشر والاستنتاج المستخلص منه.وفي زمن تتدفق فيه المعلومات المضللة بسرعة غير مسبوقة، تصبح هذه المسألة أكثر راهنية, فليست حماية الأمن القومي في جمع المعلومات فقط، وإنما في التحقق منها، وربطها بسياقها، وعدم السماح للشائعات بأن تحل محل الأدلة، أو للتضليل بأن يسبق الحقيقة إلى الرأي العام."

ثالثًا: من الميدان إلى الشرعية الدولية… كيف تبدلت حصيلة حرب 1956؟

تقول دراسة الدكتور محمد خفاجى " بدأ الهجوم الإسرائيلي على سيناء في 29 أكتوبر 1956، ثم شنت بريطانيا وفرنسا عملياتهما العسكرية ضد مصر. لكن النجاح الميداني الأولي لم يتحول إلى مكسب سياسي مستدام للدول المعتدية. فقد واجه العدوان رفضًا دوليًا متزايدًا، وصدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 997 في 2 نوفمبر 1956، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات ووقف تحركات القوات والأسلحة في المنطقة. ثم أُنشئت قوة الطوارئ الدولية الأولى بموجب القرارات اللاحقة للجمعية العامة. "

وتشير الدراسة " تقدم هذه النتيجة درسًا مهمًا أن التفوق العسكري في لحظة لا يساوي بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية دائمة. فالحرب لا تنتهي عند خط التقدم العسكري؛ بل تمتد إلى الشرعية الدولية، وقدرة الدولة على الحفاظ على مؤسساتها، وموقف القوى الكبرى، والرأي العام العالمي، وكلفة استمرار العمليات. لقد احتفظت مصر بقناة السويس تحت سيادتها، ولم يتحقق الهدف السياسي الأوسع الذي ربطته الوثائق البريطانية بإضعاف النظام المصري والتمهيد لتغييره. وفي المقابلواجهت بريطانيا وفرنسا أزمة كشفت حدود قدرتهما على فرض إرادتهما منفردتين في بيئة دولية تتغير فيها موازين القوة"

وفى نقطة دقيقة تقول الدراسة " لا ينبغي اختزال هذه النتيجة في عبارة أن مصر لم تتكبد خسائر عسكرية؛ فقد تعرضت البلاد للهجوم والاحتلال المؤقت وسقط ضحايا وتضررت منشآت، وكانت كلفة الحرب على المصريين حقيقية. لكن التمييز واجب بين الخسارة الميدانية التي وقعت، وبين النتيجة السياسية والاستراتيجية التي لم تتطابق مع الأهداف المعلنة والمضمرة للعدوان.وهذا هو المعنى الدقيق لتحول العدوان إلى إخفاق سياسي للمعتدين , ليس إنكار ما أصاب مصر، وإنما بيان أن ما أصابها لم يمنح المعتدين القدرة على تحقيق جميع أهدافهم".

وتوضح "من هنا تأتي أهمية التوثيق القانوني لوقائع التاريخ،لا باعتباره ترفًا أكاديميًا، بل باعتباره جزءًا من حفظ الذاكرة الوطنية.فالدول التي توثق ما وقع عليها تستطيع أن تقدم روايتها مستندة إلى أدلة، وأن تميّز بين المطالب المشروعة والدعاية، وأن تترك للأجيال القادمة سجلًا يمكن الرجوع إليه ومراجعته."

رابعًا: غزة في 1956… حين يكشف التاريخ أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في الحروب

تذكر الدراسة " لا تكتمل قراءة العدوان الثلاثي عند حدود سيناء وقناة السويس؛ إذ لا بد من النظر إلى ما جرى في قطاع غزة والمناطق الفلسطينية التي شهدت قتل مدنيين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية عام 1956.وتشير تقارير تاريخية وأممية إلى عمليات قتل واسعة في خان يونس ورفح، كما ارتبط اسم كفر قاسم بمقتل مدنيين عرب في 29 أكتوبر 1956، في واقعة وقعت داخل إسرائيل ضمن سياق فرض حظر التجول.وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في ضوء ما شهدته غزة في السنوات الأخيرة من دمار ومعاناة إنسانية ونزوح واسع. غير أن المقارنة المنضبطة لا تقوم على القول إن التاريخ يتكرر بالصورة ذاتها، بل على طرح أسئلة ثابتة في القانون الدولي الإنساني, كيف تُحمى حياة المدنيين؟ وما حدود استخدام القوة؟ وما الالتزامات الواقعة على أطراف النزاع؟ وكيف تُوثق الانتهاكات وتُحاسب المسؤولية عنها؟"

وتوضح " إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب بالذاكرة الإنسانية أن تتحول الأرقام إلى مجرد إحصاءات، والأطفال إلى هوامش في السرد العسكري. لذلك ينبغي أن يكون توثيق ضحايا غزة، قديمها وحديثها، جزءًا من الدفاع عن مبدأ قانوني وإنساني عامأن المدنيين ليسوا أهدافًا مشروعة لمجرد وجودهم في منطقة نزاع.وتمنح هذه الزاوية الدراسة بعدًا يتجاوز سرد التاريخ المصري؛ إذ تربط حماية السيادة بحماية الإنسان، وتؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن حدودها، وإنما أيضًا بقدرتها على الدفاع عن القواعد التي تمنع تحول القوة إلى اعتداء على الأبرياء."

خامسًا: من سيفر إلى تصريح سموتريتش…دروس التاريخ ودلالتها فى حماية الأمن القومى المصرى وخمس أفكار عملية ذات قيمة للمستقبل

تذكر الدراسة " في أكتوبر 2026، عاد اسم سيناء إلى خطاب سياسي إسرائيلي عبر تصريح مشروط بهجوم مصري مفترض.وقد رفضت مصر الزج باسم شبه الجزيرة في هذا السياق. والمنهج العلمي يقتضي هنا أمرين متلازمين: أولهما ألا يُستهان بأي خطاب يمس السيادة أو يلوّح بالاستيلاء على الأرض؛ وثانيهما ألا يُعامل كل تصريح سياسي منفردًا، باعتباره دليلًا قاطعًا على قرار عسكري وشيك. فالتقدير الاستراتيجي الرشيد يقرأ التصريحات ضمن سياقها، ويفحص مصدرها، ويقارنها بالسياسات الرسمية والتحركات المادية والأدلة المتاحة".

وتقدم دراسة الدكتور محمد خفاجى خمس أفكار عملية ذات قيمة للمستقبل "هى: 

الفكرة الأولى: إنشاء ذاكرة استراتيجية مؤسسية للأزمات:إن دراسة سيفر توضح قيمة حفظ الوثائق وتحليلها، وعدم ترك فهم الأزمات رهينًا بالذاكرة الفردية أو بالرواية الإعلامية العابرة. ويمكن أن تتمثل الإضافة العملية في تطوير آليات مؤسسية لتجميع الوثائق التاريخية والدبلوماسية والقانونية ذات الصلة بالأمن القومي، وتصنيفها، وربطها بالدروس المستفادة من الأزمات السابقة. فالدولة التي تحفظ ذاكرتها تستطيع أن تستفيد من خبرتها، وأن تقلل احتمال تكرار أخطاء التقدير.

الفكرة الثانية: الفصل بين التصريح والقدرة، وبين القدرة والنية:ليس كل تهديد قرارًا، وليس كل قدرة عسكرية نية لاستخدامها، وليس كل نية قابلة للتحول إلى فعل. وهذه التفرقة من أساسيات التقدير الاستراتيجي. ومن ثم فإن التعامل مع التصريحات بشأن سيناء يجب أن يجمع بين اليقظة والهدوء، وبين متابعة الوقائع وتجنب القفز إلى استنتاجات لا تسندها الأدلة. فالاستعداد الرشيد لا يحتاج إلى تهويل، والردع الفعال لا يتطلب الانجرار إلى كل خطاب استفزازي.

الفكرة الثالثة: حماية السيادة تبدأ من تكامل أدوات الدولة:أثبتت أزمة السويس أن الحروب لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها؛ فالدبلوماسية والقانون والاقتصاد والرأي العام الدولي عناصر مؤثرة في النتيجة النهائية. وبالنسبة إلى مصر اليوم، فإن صيانة سيناء ترتبط بالجاهزية الدفاعية، والتنمية المستدامة، وتعزيز مؤسسات الدولة، والحضور الدبلوماسي، والقدرة على تقديم موقف قانوني واضح للعالم.ولا تعني هذه الرؤية إحلال أداة محل أخرى؛ بل تعني أن الأمن القومي منظومة متكاملة، وأن قوة الدولة تزداد حين تتساند أدواتها بدلًا من أن تعمل منفصلة.

الفكرة الرابعة: تحويل القانون الدولي من مرجعية احتجاج إلى أداة توثيق ومساءلة:يقدم قرار الجمعية العامة رقم 997 مثالًا تاريخيًا على توظيف المؤسسات الدولية في مواجهة أزمة مسلحة. ولا يجوز المبالغة في أثر القرار أو مساواته بحكم قضائي ملزم في كل تفاصيله؛ لكنه يظل وثيقة مهمة في سجل الاستجابة الدولية للعدوان. ومن هنا فإن تطوير قاعدة معلومات قانونية موثقة بشأن الحدود والاتفاقيات والقرارات الدولية والانتهاكات ذات الصلة من شأنه أن يدعم موقف الدولة في المحافل الدولية، وييسر تقديم الأدلة، ويمنع اختزال القضايا المعقدة في سجالات إعلامية قصيرة العمر.

الفكرة الخامسة: جعل تنمية سيناء جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي:سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية في شرق البلاد؛ إنها جزء من وحدة الدولة ومجال حيوي للتنمية والاتصال والتكامل الاقتصادي. ومن ثم فإن أفضل استثمار للدرس التاريخي هو ربط حماية الأرض بتعميرها، وتوفير فرص العمل، وتطوير البنية الأساسية، ودعم المجتمعات المحلية، وتعزيز حضور الدولة بمؤسساتها وخدماتها.فالأرض التي تسكنها الحياة، وتستقر فيها المؤسسات، وتتصل فيها التنمية بالمواطن، تكون حمايتها مسؤولية وطنية متجذرة في المجتمع كله. ولا تغني التنمية عن الدفاع، كما لا يغني الدفاع عن التنمية؛ فهما وجهان متكاملان لصيانة السيادة."

سادسًا: مصر اليوم… قوة الدولة في هدوء القرار لا في ارتفاع الصوت

وتوضح الدراسة "إن استدعاء سيفر 56 في سياق التصريحات المعاصرة 26 لا ينبغي أن يقود إلى خطاب انفعالي أو إلى استنتاج أن مواجهة عسكرية حتمية تلوح في الأفق. فمصر دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها وقدراتها ومصالحها، كما أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية تمثل إطارًا قانونيًا وسياسيًا قائمًا للعلاقات بين البلدين، ولا يصح التعامل معها وكأنها أُلغيت بمجرد صدور تصريح سياسي.والمطلوب ليس استعادة لغة الحرب، وإنما استخلاص دروسها. فمصر التي واجهت عدوان 1956 ليست مطالبة بإعادة إنتاج ظروف ذلك العصر؛ بل مطالبة بتوظيف خبرته في عالم مختلف، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والقانون والتحالفات الدولية."

وتوضح الدراسة " إذا كانت سيفر قد كشفت كيف يمكن أن تُدار حرب من وراء ستار، فإن الدرس المقابل هو أن الدولة لا تواجه المخاطر بكشف المؤامرات وحده، بل ببناء القدرة على منع المفاجأة، وتحصين المؤسسات، وتنويع أدوات القوة، وصيانة التماسك الداخلي، والحفاظ على شبكة علاقاتها الدولية.إن استحضار التاريخ لا يعني أسر الحاضر في الماضي؛ وإنما يعني امتلاك البصيرة التي تمنع تكرار الأخطاء، وتساعد على فهم المصالح المتعارضة، وتضع الخطوط الفاصلة بين التحليل والتهويل، وبين الحزم والانفعال."

سابعًا: سيناء ليست موضوعًا للمساومة اللفظية

وتنتهى الدراسة "إن بروتوكول سيفر شاهد تاريخي على أن المصالح الدولية قد تُدار في الخفاء، وأن الخطاب العلني قد يختلف عن الترتيبات السرية، وأن التفوق الميداني لا يضمن بالضرورة انتصارًا سياسيًا. كما أنه شاهد على أهمية الوثائق، وعلى قدرة التحقيق التاريخي في إعادة بناء الوقائع من مصادر متعددة، وعلى أن الشرعية الدولية والدبلوماسية يمكن أن تؤثرا في حصيلة الصراع.أما تصريحات سموتريتش بشأن سيناء، فلا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن سياقها، ولا أن تُترك دون تمحيص؛ بل ينبغي أن تكون مناسبة لتأكيد ثوابت السيادة المصرية، وتعزيز الوعي الاستراتيجي، وتطوير أدوات التوثيق والتحليل، والتمسك بالإطار القانوني الذي ينظم العلاقات الدولية."

وتوضح "والرسالة التي تخرج بها الدراسة ليست أن التاريخ يفرض على مصر أن تعيش في حالة خوف دائم، وإنما أن التاريخ يمنحها خبرة تساعدها على حماية مصالحها بثقة وانضباط. فالأمم القوية لا تنسى ما تعرضت له، لكنها لا تسمح للماضي بأن يحجب عنها المستقبل؛ تتعلم، وتوثق، وتستعد، وتبني.سيناء أرض مصرية، لا تمحو هويتها تصريحات، ولا تغير سيادتها المزايدات. وقد أثبت التاريخ أن حسابات القوة لا تُقاس بما يُقال في لحظة غضب، وإنما بما تصمد أمامه الدول من وقائع، وما تحميه من حقوق، وما تصنعه من مستقبل."

وتختتم الدراسة " الدرس الأعمق من سيفر أن حماية مصر لا تبدأ عند حدود سيناء وحدها؛ بل تبدأ من عقل استراتيجي يقظ، ومؤسسات قوية، وذاكرة وطنية موثقة، واقتصاد قادر، ودبلوماسية فاعلة، وقانون يحفظ الحقوق. فهذه هي الأدوات التي تحول دروس الماضي إلى ضمانات للمستقبل.لأن التاريخ لا يمنح الدول ضمانة أبدية، لكنه يمنحها دروسًا ثمينة لمن يحسن قراءتها."

 

بروتوكول سيفر 1956: خلفية الاجتماع السريلإسرائيل وبريطانيا وفرنسا على تدبير العدوان ضد مصر،ظروف توقيعه، والترتيبات التي مهدت للعدوان الثلاثي.

سيفر 1956 درس لا يسقط بالتقادم، سيناء جوهر السيادة المصرية ليست محلًا للمساومة--تنمية سيناء خط الدفاع الأول حين تصبح قوة الأرض في عمرانها وسكانها ومؤسساتها

الأمن القومي المصري بعد سبعين عامًا: من ذاكرة العدوان إلى استراتيجية الردع والجاهزية

من سيفر إلى تصريح سموتريتش…دروس التاريخ ودلالتها فى حماية الأمن القومى المصرى وخمس أفكار عملية ذات قيمة للمستقبل

حماية الأمن القومي ليس في جمع المعلومات فقط، بل التحقق منهاوربطها بسياقهاوعدم السماح للشائعات بأن تحل محل الأدلةأو للتضليل بأن يسبق الحقيقة إلى الرأي العام

 

ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا تكشف الحروب فيها عن حقيقة السلاح فحسب، وإنما تكشف عن حقيقة النوايا؛ ولا يكون الخطر الأكبر فيما تقوله الدول أمام شعوبها، وإنما فيما تتفق عليه سرًّا بعيدًا عن أعين الشعوب والبرلمانات والرأي العام. ومن هذه اللحظات ما جرى في ضاحية سيفر الفرنسية في أكتوبر 1956، حين اجتمع ممثلو إسرائيل وبريطانيا وفرنسا وانتهوا إلى بروتوكول رتّب مسار العدوان على مصر، بدءًا من الهجوم الإسرائيلي، مرورًا بإنذار بريطاني فرنسي صيغ في صورة تدخل للفصل بين المتحاربين، وصولًا إلى العمليات العسكرية التي شنتها القوتان الأوروبيتان على الأراضي المصرية.

وبعد سبعين عامًا، تعود سيناء إلى واجهة الخطاب السياسي الإقليمي، إثر تصريح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في أكتوبر 2026 بأن سيناء لن تكون موجودة إذا هاجمت مصر إسرائيل، وقد أعلنت مصر رفضها القاطع للزج بإسم سيناء في تلك التصريحات، ووُصفت بأنها تهديدات جوفاء ذات أغراض انتخابية. 

وفى دراسة حديثة للمفكر والمؤرخ القضائى الفقيه المصرى المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة فى دراسته بعنوان (بعد سبعين عامًا من بروتوكول سيفر 1956 إلى تهديدات سموتريتش,كيف تُدار المؤامرات على مصر…سيفر 1956 درس لا يسقط بالتقادم، وسيناء جوهر السيادة المصرية ليست محلًاللمساومة.دراسة تحليلية فى ضوء دروس التاريخ وحماية الأمن القومي المصري من ذاكرة العدوان إلى استراتيجية الردع والجاهزية)

كشف فيها الفقيه المصرى الأبعاد الحقيقية لتلك المؤامرة من خلال المصادر التاريخية لممثلى الدول الثلاث ذاتها فى أصعب ثلاثة أيام من 22 إلى 24 أكتوبر 1956 تم فيها تدبير أكبر مؤامرة فى التاريخ الحديث ضد مصر. كاشفًا عن مذكرات المتاَمرين, ونظرًا لأنه تم تدمير النسخة البريطانية بأمر رئيس وزرائها الأسبق , وفُقد النسخة الفرنسية , فقد سُمح بتصوير البروتوكول عام 1996من النسخة الإسرائيلية بفيلم وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية عُرض سابقًا حينما حلت الذكرى الأربعين حرب السويس. وتطرح الدراسة من سيفر إلى تصريح سموتريتش…دروس التاريخ ودلالتها فى حماية الأمن القومى المصرى وخمس أفكار عملية ذات قيمة للمستقبل.

ويعرض القاضى المصرى بالحقائق وأدلتها أن التاريخ يمنحنا أداة لفهم أنماط التفكير الاستراتيجي،وأن الوعي بالماضي ليس استغراقًا في الذكريات، بل وسيلة لتقدير المخاطر وصيانة السيادة.ونتناول عناصر الدراسة المهمة فيما يلى 

أولًا: بروتوكول سيفر 24 أكتوبر 1956 … حين كُتبت الحرب قبل أن تُعلن

تقول دراسة الدكتور محمد خفاجى " في 24 أكتوبر 1956، وُقّع بروتوكول سيفر في اجتماع سري بضواحي باريس، جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو والممثل البريطاني باتريك دين. ولم تكن أهمية الوثيقة في مجرد اتفاق ثلاثة أطراف على مواجهة مصر، وإنما في أنها رسمت تسلسلًا محددًا للأحداث، بحيث يسبق الهجوم الإسرائيلي التدخل البريطاني الفرنسي، ويصبح العدوان اللاحق قابلًا للتقديم أمام الرأي العام في صورة استجابة لأزمة عسكرية."

وتشير الدراسة "الوثائق التاريخية المنشورة ضمن مجموعة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، إلى جانب المواد الأرشيفية الإسرائيلية، تؤكد أن البروتوكول تضمّن ترتيبًا للعمليات والإنذار والتدخل.وأن الأهداف المرسومة للحملة تجاوزت السيطرة على قناة السويس إلى إضعاف مصر عسكريًا واقتصاديًا والتهيئة لتغيير نظام الحكم. "

وتوضح الدراسة " هنا تبرز الملاحظة الأولى التي تستحق التوقف عندها , لم تكن المسألة مجرد حرب بين جيوش، بل كانت أيضًا معركة على تعريف الحرب نفسها. فمن يملك القدرة على صياغة الرواية الأولى يستطيع أن يحاول تقديم الهجوم باعتباره ضرورة، والتدخل باعتباره إنقاذًا، والاعتداء باعتباره إجراءً لحفظ السلام.وهذه هي المفارقة التي تكشفها سيفر قد يُستخدم خطاب منع الحرب لتبرير توسيعها،وقد يُستخدم ادعاء الحياد غطاءً لترتيبات اتُّخذت مسبقًا بعيدًا عن العلن."

وتوضح الدراسة " أن القيمة التحليلية للوثيقة لا تقتصر على ما تكشفه عن نيات الأطراف، وإنما تمتد إلى طريقة إدارة الأزمة ,تحديد من يبدأ، ومتى يصدر الإنذار، وما الشروط التي تُطرح، وكيف يُستفاد من الرفض المتوقع لتسويغ التدخل. إنها بنية سياسية وعسكرية متكاملة، وليست مجرد محضر اجتماع دبلوماسي.والفكرة الجديدة هنا أن سيفر تكشف عن «هندسة الذريعة» أي ترتيب الوقائع بحيث يبدو الفعل المخطط له مسبقًا وكأنه رد اضطراري على واقعة طارئة. وهذا مفهوم تحليلي يمكن الاستفادة منه في دراسة الأزمات الدولية المعاصرة، بشرط إثبات عناصره في كل حالة على حدة، وعدم افتراض تطابق الوقائع لمجرد تشابه الخطاب."

ثانيًا: اختفاء النسخ وبقاء الحقيقة…من يملك الوثيقة لا يملك وحده التاريخ--حماية الأمن القومي ليس في جمع المعلومات فقط، وإنما في التحقق منهاوربطها بسياقهاوعدم السماح للشائعات بأن تحل محل الأدلةأو للتضليل بأن يسبق الحقيقة إلى الرأي العام

وتذكر دراسة الدكتور محمد خفاجى "من أكثر جوانب بروتوكول سيفر إثارة للاهتمام ما يتعلق بمصير نسخه. فقد ورد في الروايات التاريخية أن النسخة البريطانية دُمّرت بأمر رئيس الوزراء أنتوني إيدن، وأن النسخة الفرنسية فُقدت، بينما بقيت النسخة الإسرائيلية محفوظة في الأرشيف المرتبط بديفيد بن غوريون. وفي عام 1996 أُتيح تصوير الوثيقة ضمن عمل وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية، في سياق إحياء الذكرى الأربعين لأزمة السويس."

وتضيف " أن الدلالة الأعمق تتجاوز مصير الورق نفسه ,قد تُتلف وثيقة، لكن إتلافها لا يمحو بالضرورة شبكة الأدلة المحيطة بها. فقد تبقى مذكرات المشاركين، ومحاضر الاجتماعات، والمراسلات الدبلوماسية، والقرارات العسكرية، وشهادات الأطراف الأخرى، ثم تتضافر هذه العناصر لتعيد بناء الحدث."

وتوضح الدراسة " هنا يمكن أن تضيف الدراسة محورًا بحثيًا بالغ الأهمية، هو ما يمكن تسميته «إعادة بناء المؤامرة من أدلتها المتناثرة». ويقوم على مقارنة أربع مجموعات من الأدلة وهى الوثيقة الاتفاقية الأصلية وما ورد في نصها من ترتيبات. ومذكرات المشاركين، مع مراعاة طبيعتها الشخصية واحتمال انتقائيتها. والوثائق الرسمية التي سبقت الحرب وتلتها، بما فيها المراسلات ومحاضر الحكومات. والوقائع الميدانية التي جرت بالفعل، ومدى تطابقها مع الترتيب السابق."

وتؤكد الدراسة على أمر بالغ الأهمية  " كيف يمكن للمؤرخ أن يثبتمؤامرة قد حدثت، وكيف يختبر صدقية كل مصدر، وكيف يميّز بين الدليل المباشر والاستنتاج المستخلص منه.وفي زمن تتدفق فيه المعلومات المضللة بسرعة غير مسبوقة، تصبح هذه المسألة أكثر راهنية, فليست حماية الأمن القومي في جمع المعلومات فقط، وإنما في التحقق منها، وربطها بسياقها، وعدم السماح للشائعات بأن تحل محل الأدلة، أو للتضليل بأن يسبق الحقيقة إلى الرأي العام."

ثالثًا: من الميدان إلى الشرعية الدولية… كيف تبدلت حصيلة حرب 1956؟

تقول دراسة الدكتور محمد خفاجى: " بدأ الهجوم الإسرائيلي على سيناء في 29 أكتوبر 1956، ثم شنت بريطانيا وفرنسا عملياتهما العسكرية ضد مصر. لكن النجاح الميداني الأولي لم يتحول إلى مكسب سياسي مستدام للدول المعتدية. فقد واجه العدوان رفضًا دوليًا متزايدًا، وصدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 997 في 2 نوفمبر 1956، داعيًا إلى وقف فوري لإطلاق النار وانسحاب القوات ووقف تحركات القوات والأسلحة في المنطقة. ثم أُنشئت قوة الطوارئ الدولية الأولى بموجب القرارات اللاحقة للجمعية العامة. "

وتشير الدراسة " تقدم هذه النتيجة درسًا مهمًا أن التفوق العسكري في لحظة لا يساوي بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية دائمة. فالحرب لا تنتهي عند خط التقدم العسكري؛ بل تمتد إلى الشرعية الدولية، وقدرة الدولة على الحفاظ على مؤسساتها، وموقف القوى الكبرى، والرأي العام العالمي، وكلفة استمرار العمليات. لقد احتفظت مصر بقناة السويس تحت سيادتها، ولم يتحقق الهدف السياسي الأوسع الذي ربطته الوثائق البريطانية بإضعاف النظام المصري والتمهيد لتغييره. وفي المقابلواجهت بريطانيا وفرنسا أزمة كشفت حدود قدرتهما على فرض إرادتهما منفردتين في بيئة دولية تتغير فيها موازين القوة".

وفى نقطة دقيقة تقول الدراسة: " لا ينبغي اختزال هذه النتيجة في عبارة أن مصر لم تتكبد خسائر عسكرية؛ فقد تعرضت البلاد للهجوم والاحتلال المؤقت وسقط ضحايا وتضررت منشآت، وكانت كلفة الحرب على المصريين حقيقية. لكن التمييز واجب بين الخسارة الميدانية التي وقعت، وبين النتيجة السياسية والاستراتيجية التي لم تتطابق مع الأهداف المعلنة والمضمرة للعدوان.وهذا هو المعنى الدقيق لتحول العدوان إلى إخفاق سياسي للمعتدين , ليس إنكار ما أصاب مصر، وإنما بيان أن ما أصابها لم يمنح المعتدين القدرة على تحقيق جميع أهدافهم".

وتوضح "من هنا تأتي أهمية التوثيق القانوني لوقائع التاريخ،لا باعتباره ترفًا أكاديميًا، بل باعتباره جزءًا من حفظ الذاكرة الوطنية.فالدول التي توثق ما وقع عليها تستطيع أن تقدم روايتها مستندة إلى أدلة، وأن تميّز بين المطالب المشروعة والدعاية، وأن تترك للأجيال القادمة سجلًا يمكن الرجوع إليه ومراجعته."

رابعًا: غزة في 1956… حين يكشف التاريخ أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في الحروب

تذكر الدراسة " لا تكتمل قراءة العدوان الثلاثي عند حدود سيناء وقناة السويس؛ إذ لا بد من النظر إلى ما جرى في قطاع غزة والمناطق الفلسطينية التي شهدت قتل مدنيين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية عام 1956.وتشير تقارير تاريخية وأممية إلى عمليات قتل واسعة في خان يونس ورفح، كما ارتبط اسم كفر قاسم بمقتل مدنيين عرب في 29 أكتوبر 1956، في واقعة وقعت داخل إسرائيل ضمن سياق فرض حظر التجول.وتكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في ضوء ما شهدته غزة في السنوات الأخيرة من دمار ومعاناة إنسانية ونزوح واسع. غير أن المقارنة المنضبطة لا تقوم على القول إن التاريخ يتكرر بالصورة ذاتها، بل على طرح أسئلة ثابتة في القانون الدولي الإنساني, كيف تُحمى حياة المدنيين؟ وما حدود استخدام القوة؟ وما الالتزامات الواقعة على أطراف النزاع؟ وكيف تُوثق الانتهاكات وتُحاسب المسؤولية عنها؟"

وتوضح " إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب بالذاكرة الإنسانية أن تتحول الأرقام إلى مجرد إحصاءات، والأطفال إلى هوامش في السرد العسكري. لذلك ينبغي أن يكون توثيق ضحايا غزة، قديمها وحديثها، جزءًا من الدفاع عن مبدأ قانوني وإنساني عامأن المدنيين ليسوا أهدافًا مشروعة لمجرد وجودهم في منطقة نزاع.وتمنح هذه الزاوية الدراسة بعدًا يتجاوز سرد التاريخ المصري؛ إذ تربط حماية السيادة بحماية الإنسان، وتؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الدفاع عن حدودها، وإنما أيضًا بقدرتها على الدفاع عن القواعد التي تمنع تحول القوة إلى اعتداء على الأبرياء."

خامسًا: من سيفر إلى تصريح سموتريتش…دروس التاريخ ودلالتها فى حماية الأمن القومى المصرى وخمس أفكار عملية ذات قيمة للمستقبل

تذكر الدراسة " في أكتوبر 2026، عاد اسم سيناء إلى خطاب سياسي إسرائيلي عبر تصريح مشروط بهجوم مصري مفترض.وقد رفضت مصر الزج باسم شبه الجزيرة في هذا السياق. والمنهج العلمي يقتضي هنا أمرين متلازمين: أولهما ألا يُستهان بأي خطاب يمس السيادة أو يلوّح بالاستيلاء على الأرض؛ وثانيهما ألا يُعامل كل تصريح سياسي منفردًا، باعتباره دليلًا قاطعًا على قرار عسكري وشيك. فالتقدير الاستراتيجي الرشيد يقرأ التصريحات ضمن سياقها، ويفحص مصدرها، ويقارنها بالسياسات الرسمية والتحركات المادية والأدلة المتاحة".

وتقدم دراسة الدكتور محمد خفاجى خمس أفكار عملية ذات قيمة للمستقبل "هى: 

الفكرة الأولى: إنشاء ذاكرة استراتيجية مؤسسية للأزمات:إن دراسة سيفر توضح قيمة حفظ الوثائق وتحليلها، وعدم ترك فهم الأزمات رهينًا بالذاكرة الفردية أو بالرواية الإعلامية العابرة. ويمكن أن تتمثل الإضافة العملية في تطوير آليات مؤسسية لتجميع الوثائق التاريخية والدبلوماسية والقانونية ذات الصلة بالأمن القومي، وتصنيفها، وربطها بالدروس المستفادة من الأزمات السابقة. فالدولة التي تحفظ ذاكرتها تستطيع أن تستفيد من خبرتها، وأن تقلل احتمال تكرار أخطاء التقدير.

الفكرة الثانية: الفصل بين التصريح والقدرة، وبين القدرة والنية:ليس كل تهديد قرارًا، وليس كل قدرة عسكرية نية لاستخدامها، وليس كل نية قابلة للتحول إلى فعل. وهذه التفرقة من أساسيات التقدير الاستراتيجي. ومن ثم فإن التعامل مع التصريحات بشأن سيناء يجب أن يجمع بين اليقظة والهدوء، وبين متابعة الوقائع وتجنب القفز إلى استنتاجات لا تسندها الأدلة. فالاستعداد الرشيد لا يحتاج إلى تهويل، والردع الفعال لا يتطلب الانجرار إلى كل خطاب استفزازي.

الفكرة الثالثة: حماية السيادة تبدأ من تكامل أدوات الدولة:أثبتت أزمة السويس أن الحروب لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها؛ فالدبلوماسية والقانون والاقتصاد والرأي العام الدولي عناصر مؤثرة في النتيجة النهائية. وبالنسبة إلى مصر اليوم، فإن صيانة سيناء ترتبط بالجاهزية الدفاعية، والتنمية المستدامة، وتعزيز مؤسسات الدولة، والحضور الدبلوماسي، والقدرة على تقديم موقف قانوني واضح للعالم.ولا تعني هذه الرؤية إحلال أداة محل أخرى؛ بل تعني أن الأمن القومي منظومة متكاملة، وأن قوة الدولة تزداد حين تتساند أدواتها بدلًا من أن تعمل منفصلة.

الفكرة الرابعة: تحويل القانون الدولي من مرجعية احتجاج إلى أداة توثيق ومساءلة:يقدم قرار الجمعية العامة رقم 997 مثالًا تاريخيًا على توظيف المؤسسات الدولية في مواجهة أزمة مسلحة. ولا يجوز المبالغة في أثر القرار أو مساواته بحكم قضائي ملزم في كل تفاصيله؛ لكنه يظل وثيقة مهمة في سجل الاستجابة الدولية للعدوان. ومن هنا فإن تطوير قاعدة معلومات قانونية موثقة بشأن الحدود والاتفاقيات والقرارات الدولية والانتهاكات ذات الصلة من شأنه أن يدعم موقف الدولة في المحافل الدولية، وييسر تقديم الأدلة، ويمنع اختزال القضايا المعقدة في سجالات إعلامية قصيرة العمر.

الفكرة الخامسة: جعل تنمية سيناء جزءًا أصيلًا من مفهوم الأمن القومي:سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية في شرق البلاد؛ إنها جزء من وحدة الدولة ومجال حيوي للتنمية والاتصال والتكامل الاقتصادي. ومن ثم فإن أفضل استثمار للدرس التاريخي هو ربط حماية الأرض بتعميرها، وتوفير فرص العمل، وتطوير البنية الأساسية، ودعم المجتمعات المحلية، وتعزيز حضور الدولة بمؤسساتها وخدماتها.فالأرض التي تسكنها الحياة، وتستقر فيها المؤسسات، وتتصل فيها التنمية بالمواطن، تكون حمايتها مسؤولية وطنية متجذرة في المجتمع كله. ولا تغني التنمية عن الدفاع، كما لا يغني الدفاع عن التنمية؛ فهما وجهان متكاملان لصيانة السيادة."

سادسًا: مصر اليوم… قوة الدولة في هدوء القرار لا في ارتفاع الصوت

وتوضح الدراسة "إن استدعاء سيفر 56 في سياق التصريحات المعاصرة 26 لا ينبغي أن يقود إلى خطاب انفعالي أو إلى استنتاج أن مواجهة عسكرية حتمية تلوح في الأفق. فمصر دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها وقدراتها ومصالحها، كما أن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية تمثل إطارًا قانونيًا وسياسيًا قائمًا للعلاقات بين البلدين، ولا يصح التعامل معها وكأنها أُلغيت بمجرد صدور تصريح سياسي.والمطلوب ليس استعادة لغة الحرب، وإنما استخلاص دروسها. فمصر التي واجهت عدوان 1956 ليست مطالبة بإعادة إنتاج ظروف ذلك العصر؛ بل مطالبة بتوظيف خبرته في عالم مختلف، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والقانون والتحالفات الدولية."

وتوضح الدراسة " إذا كانت سيفر قد كشفت كيف يمكن أن تُدار حرب من وراء ستار، فإن الدرس المقابل هو أن الدولة لا تواجه المخاطر بكشف المؤامرات وحده، بل ببناء القدرة على منع المفاجأة، وتحصين المؤسسات، وتنويع أدوات القوة، وصيانة التماسك الداخلي، والحفاظ على شبكة علاقاتها الدولية.إن استحضار التاريخ لا يعني أسر الحاضر في الماضي؛ وإنما يعني امتلاك البصيرة التي تمنع تكرار الأخطاء، وتساعد على فهم المصالح المتعارضة، وتضع الخطوط الفاصلة بين التحليل والتهويل، وبين الحزم والانفعال."

سابعًا: سيناء ليست موضوعًا للمساومة اللفظية

وتنتهى الدراسة "إن بروتوكول سيفر شاهد تاريخي على أن المصالح الدولية قد تُدار في الخفاء، وأن الخطاب العلني قد يختلف عن الترتيبات السرية، وأن التفوق الميداني لا يضمن بالضرورة انتصارًا سياسيًا. كما أنه شاهد على أهمية الوثائق، وعلى قدرة التحقيق التاريخي في إعادة بناء الوقائع من مصادر متعددة، وعلى أن الشرعية الدولية والدبلوماسية يمكن أن تؤثرا في حصيلة الصراع.أما تصريحات سموتريتش بشأن سيناء، فلا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن سياقها، ولا أن تُترك دون تمحيص؛ بل ينبغي أن تكون مناسبة لتأكيد ثوابت السيادة المصرية، وتعزيز الوعي الاستراتيجي، وتطوير أدوات التوثيق والتحليل، والتمسك بالإطار القانوني الذي ينظم العلاقات الدولية."

وتوضح "والرسالة التي تخرج بها الدراسة ليست أن التاريخ يفرض على مصر أن تعيش في حالة خوف دائم، وإنما أن التاريخ يمنحها خبرة تساعدها على حماية مصالحها بثقة وانضباط. فالأمم القوية لا تنسى ما تعرضت له، لكنها لا تسمح للماضي بأن يحجب عنها المستقبل؛ تتعلم، وتوثق، وتستعد، وتبني.سيناء أرض مصرية، لا تمحو هويتها تصريحات، ولا تغير سيادتها المزايدات. وقد أثبت التاريخ أن حسابات القوة لا تُقاس بما يُقال في لحظة غضب، وإنما بما تصمد أمامه الدول من وقائع، وما تحميه من حقوق، وما تصنعه من مستقبل."

وتختتم الدراسة " الدرس الأعمق من سيفر أن حماية مصر لا تبدأ عند حدود سيناء وحدها؛ بل تبدأ من عقل استراتيجي يقظ، ومؤسسات قوية، وذاكرة وطنية موثقة، واقتصاد قادر، ودبلوماسية فاعلة، وقانون يحفظ الحقوق. فهذه هي الأدوات التي تحول دروس الماضي إلى ضمانات للمستقبل.لأن التاريخ لا يمنح الدول ضمانة أبدية، لكنه يمنحها دروسًا ثمينة لمن يحسن قراءتها."

الجريدة الرسمية