محضر الفيدرالي يفتح باب رفع الفائدة مجددا.. ماذا يعني ذلك للاقتصاد المصري؟.. 3 سيناريوهات لمصير الاستثمارات الأجنبية
فتح محضر الاجتماع الأخير لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أمس الأربعاء، الباب أمام احتمال رفع أسعار الفائدة مجددا قبل نهاية العام، في ظل استمرار المخاوف بشأن التضخم، وهو ما يعيد الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، إلى دائرة الحسابات المتعلقة بحركة رؤوس الأموال وسعر الصرف وجاذبية أدوات الدين.
وكشف محضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية الذي عقد يومي 15 و16 سبتمبر الماضي أن غالبية المشاركين رأوا أن رفعا إضافيا للفائدة قبل نهاية العام سيكون مناسبا على الأرجح، في الوقت الذي فضل فيه آخرون التريث ومراقبة البيانات الاقتصادية المقبلة قبل اتخاذ قرار جديد.
الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة
وكان الفيدرالي، رفع سعر الفائدة في اجتماع سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس، لتصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، في أول زيادة للفائدة الأمريكية منذ سنوات، في خطوة عكست استمرار القلق بشأن التضخم رغم تباطؤ بعض مؤشرات النشاط الاقتصادي.

ديسمبر موعد محتمل لرفع جديد
ورغم أن محضر الفيدرالي أظهر ميلا لدى أغلبية الأعضاء نحو رفع جديد، فإن الأسواق لا تتعامل حتى الآن مع اجتماع أكتوبر باعتباره موعدا مرجحا بدرجة كبيرة لزيادة الفائدة، حيث تشير توقعات المستثمرين إلى أن اجتماع 27 و28 أكتوبر قد يشهد تثبيتا للفائدة، بينما تتركز الأنظار بصورة أكبر على اجتماع ديسمبر باعتباره الموعد الأكثر احتمالا لزيادة جديدة، إذا أظهرت بيانات التضخم والنشاط الاقتصادي استمرار الضغوط السعرية.
وتكمن أهمية ذلك بالنسبة للأسواق الناشئة في أن استمرار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة، أو اتجاهها للصعود، يرفع جاذبية الأصول المقومة بالدولار، ويزيد تكلفة الفرصة البديلة أمام المستثمر الذي يضع أمواله في أدوات الدين بالأسواق الناشئة.

ماذا يعني ذلك لمصر؟
تدخل مصر هذه المرحلة من السياسة النقدية الأمريكية، وهي في وضع مختلف نسبيا عن السنوات السابقة، بعدما تحسنت مؤشرات السيولة الأجنبية واستقرت سوق الصرف بدرجة أكبر، حيث قرر البنك المركزي المصري في اجتماعه الأخير في 24 سبتمبر، تثبيت أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير، عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.5% لسعر العملية الرئيسية.
وفي الوقت نفسه، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية لمصر إلى نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، بزيادة قدرها نحو 4.74 مليار دولار منذ بداية العام، ما يوفر هامش أمان أكبر أمام تقلبات التدفقات الأجنبية وسوق الصرف.
كما ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى نحو 29.7 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، بزيادة 28.1% على أساس سنوي، وهو ما يعزز مصادر النقد الأجنبي المستدامة للاقتصاد المصري، وبالتالي، فإن أي تأثير لرفع الفائدة الأمريكية على مصر لن يكون بالضرورة في صورة ضغوط حادة على الجنيه كما كان الحال خلال فترات نقص السيولة الدولارية، لكنه قد يظهر بصورة أكبر عبر تغير شهية المستثمرين الأجانب تجاه أدوات الدين المصرية.

الأموال الساخنة الاختبار الأهم
تظل استثمارات الأجانب في أذون وسندات الخزانة المصرية من أكثر القنوات حساسية تجاه قرارات الفيدرالي، حيث تشير بيانات حديثة إلى أن المستثمرين الأجانب والعرب سجلوا صافي مشتريات من أدوات الدين المصرية بنحو 74.97 مليار جنيه، ما يعادل قرابة 1.45 مليار دولار، خلال خمس جلسات عقب قرار الفيدرالي في سبتمبر، وهو ما يعكس استمرار جاذبية العائد المصري رغم رفع الفائدة الأمريكية.
لكن استمرار الفيدرالي في رفع الفائدة قد يغير هذه المعادلة تدريجيا، فكل زيادة في العائد على الأصول الأمريكية الآمنة تعني أن المستثمر العالمي يعيد مقارنة العائد الذي يحصل عليه من أدوات الدين المصرية بالعائد المتاح في السوق الأمريكية، مع احتساب مخاطر العملة والاقتصاد والأسواق الناشئة، ومن ثم فإن المشكلة بالنسبة لمصر ليست مجرد خروج أموال ساخنة، وإنما احتمال تباطؤ دخول أموال جديدة أو ارتفاع تكلفة الاحتفاظ بالعائد المصري الحالي.
هل يتعرض الجنيه لضغوط جديدة؟
من الناحية النظرية، قد يؤدي ارتفاع الفائدة الأمريكية إلى دعم الدولار عالميا، وبالتالي زيادة الضغوط على عملات الأسواق الناشئة، ولكن وضع الجنيه المصري يعتمد على مجموعة أوسع من العوامل، أبرزها تدفقات النقد الأجنبي، وتحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات السياحة، والاستثمار الأجنبي المباشر، وحجم الطلب على الدولار محليا.
وتبدو الصورة المصرية أكثر توازنا، إذ ساهم تحسن تدفقات النقد الأجنبي في دعم الاستقرار المالي والنقدي، بينما أصبح نظام سعر الصرف أكثر مرونة منذ الإصلاحات الأخيرة، وبالتالي، فإن رفع الفيدرالي للفائدة لا يعني تلقائيا حدوث انخفاض حاد في قيمة الجنيه، لكنه قد يزيد الضغوط على العملة إذا تزامن مع خروج قوي من استثمارات المحافظ أو تراجع في مصادر النقد الأجنبي الأخرى.
هل يتوقف المركزي المصري عن خفض الفائدة؟
تمثل قرارات البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة، النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للسوق المصرية، فاستمرار دورة التيسير النقدي في مصر تعتمد بدرجة كبيرة على مسار التضخم، إلى جانب تطورات سعر الصرف والتدفقات الأجنبية والظروف العالمية، حيث أصبح البنك المركزي أمام معادلة أكثر تعقيدا، فمن ناحية، انخفاض التضخم وتحسن النشاط الاقتصادي يسمحان بمواصلة خفض الفائدة تدريجيا، ومن ناحية أخرى فإن ارتفاع الفائدة الأمريكية قد يقلص هامش الحركة أمام المركزي إذا أصبحت الفجوة بين العائد المصري والأمريكي أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب، مما يضطرهم للخروج من السوق المصري والبحث عن السوق الأكثر جاذبية لاستثماراتهم، وبالتالي فإن السيناريو الأقرب ليس بالضرورة عودة مصر إلى رفع الفائدة، وإنما إبطاء وتيرة الخفض أو التريث في اتخاذ خطوات جديدة إذا استمر الفيدرالي في سياسة التشديد.
الاستثمارات الأجنبية في مصر؟
يمكن أن يكون أثر الفيدرالي أكثر وضوحا على استثمارات المحافظ مقارنة بالاستثمار الأجنبي المباشر، فالأموال الساخنة تتحرك بسرعة أكبر بحثا عن أفضل مزيج بين العائد والمخاطر والسيولة، ولذلك فإن ارتفاع العائد الأمريكي قد يجعل جزءا من المستثمرين أكثر حذرا تجاه الأسواق الناشئة.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فيتأثر بعوامل أكثر ارتباطا بحجم السوق المصرية، وتكلفة الإنتاج، وفرص النمو، والإصلاحات الاقتصادية، وتوافر العملة الأجنبية، وليس فقط بفارق أسعار الفائدة، ولهذا فإن استمرار تحسن الاحتياطيات وتحويلات العاملين بالخارج والسيولة الدولارية يمثل عاملا مهما في تقليل حساسية الاقتصاد المصري لتحركات الأموال الساخنة.
3 سيناريوهات أمام مصر
هناك 3 سيناريوهات أمام مصر، في ظل توجه الفيدرالي الأمريكي لرفع أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة، السيناريو الأول رفع أمريكي واحد، وهو قد يؤدي إلى ضغوط محدودة على تدفقات المحافظ، مع استمرار جاذبية أدوات الدين المصرية إذا ظل فارق العائد مرتفعا واستقرت سوق الصرف.
أما بالنسبة للسيناريو الثاني، وهو الرفع أكثر من مرة، حيث سيكون السيناريو الأكثر ضغطا على الأسواق الناشئة، لأنه قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه جزء أكبر من أموالهم إلى الأصول الدولارية، ويجعل البنك المركزي المصري أكثر حذرا في خفض الفائد.
بينما السيناريو الثالث يشير إلى رفع أخير ثم تثبيت، وهذا قد يكون الأقل تأثيرا على مصر، خصوصا إذا استمرت مؤشرات التضخم الأمريكية في التحسن، وعاد المستثمرون إلى تسعير دورة تيسير أمريكية لاحقا.



