رئيس التحرير
عصام كامل

هل يغير الفيدرالي استراتيجيته لخفض التضخم قبل نهاية 2026؟.. ارتفاع أسعار النفط والطاقة يطيل أمد الضغوط التضخمية ويجعل المهمة أكثر صعوبة، ومصر في مرمى تأثيرات السياسة الأمريكية

الفيدرالي الأمريكي
الفيدرالي الأمريكي
18 حجم الخط

تتجه أنظار الأسواق العالمية إلى مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة من عام 2026، وسط استمرار التضخم أعلى من المستوى المستهدف لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، في وقت بدأ فيه صانعو السياسة النقدية الأمريكية الإشارة إلى إمكانية الحاجة لمزيد من التشديد النقدي لضمان عودة التضخم إلى هدفه البالغ 2%.

ورفع الفيدرالي الأمريكي في اجتماعه الأخير خلال سبتمبر سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، في أول زيادة للفائدة منذ عام 2023، بالتزامن مع ارتفاع ضغوط الأسعار، كما أظهرت التوقعات الاقتصادية الجديدة لمسؤولي الفيدرالي أن متوسط توقعاتهم يتضمن زيادة أخرى للفائدة خلال العام الجاري، مع الإبقاء عليها دون تغيير خلال 2027 وفق التوقعات الحالية. 

التضخم يفرض نفسه على حسابات الفيدرالي

تأتي هذه التحركات في الوقت الذي لا يزال فيه التضخم الأمريكي بعيدا عن مستهدف الفيدرالي، حيث بلغ تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس الذي يفضله الفيدرالي لقياس التضخم، 3.7% في يوليو 2026، بينما بلغ معدل البطالة 4.1% في أغسطس. 
 

كما أظهرت بيانات أغسطس تسارع مؤشر أسعار المستهلكين، إذ ارتفع 0.4% على أساس شهري، بينما زاد التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 0.3%، في قراءة اعتبرت عاملا داعما لاستمرار التشدد النقدي، وارتفع التضخم السنوي وفق مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3.4% في أغسطس. 

ويعني ذلك أن الفيدرالي يواجه معادلة أكثر تعقيدا، وهو تشديد السياسة النقدية بدرجة كافية للسيطرة على التضخم، من دون التسبب في تباطؤ اقتصادي حاد أو إلحاق ضرر كبير بسوق العمل.

هل يحتاج الفيدرالي إلى تغيير استراتيجيته؟

تشير التطورات الأخيرة إلى أن البنك   الفيدرالي  أصبح أكثر حذرا بشأن توقيت الخطوة المقبلة، حيث قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز أمس الثلاثاء، إنه لا يرى حاجة ملحة لاتخاذ خطوة جديدة في الوقت الحالي، رغم أنه يرى أن رفعا إضافيا واحدا خلال وقت لاحق من العام قد يكون مناسبا إذا تطورت البيانات وفق توقعاته. 
 


وانعكست هذه التصريحات سريعا على توقعات الأسواق، إذ تراجعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع أكتوبر إلى نحو 50% وفق تسعير العقود الآجلة، بعدما كانت تقترب من 70% في وقت سابق من اليوم نفسه، وبالتالي فإن السيناريو الأكثر وضوحا في الوقت الحالي ليس بالضرورة العودة إلى سلسلة سريعة من رفع الفائدة، وإنما الإبقاء على السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول، مع ترك الباب مفتوحا أمام رفع إضافي إذا استمر التضخم في مقاومة التراجع.

المشكلة الأساسية أمام الفيدرالي

تكمن المشكلة الأساسية أمام الفيدرالي في أن التضخم لم يعد يتحرك بالسرعة التي كان البنك المركزي يأملها نحو مستوى 2%، فالبيانات الأخيرة تظهر استمرار ضغوط الأسعار، في الوقت الذي لا تزال فيه بعض تكاليف السلع والخدمات والطاقة تضغط على المؤشر العام، كما أظهرت بيانات أغسطس أن ارتفاع أسعار البنزين ساهم بصورة ملحوظة في زيادة التضخم، بينما سجل التضخم الأساسي أيضًا ارتفاعًا شهريًا. 

وتزداد حساسية المشهد مع ارتفاع تكاليف الطاقة، إذ يمكن لاستمرار ارتفاع أسعار النفط والطاقة أن يطيل أمد الضغوط التضخمية ويجعل مهمة الفيدرالي أكثر صعوبة.

رفع إضافي للفائدة الأمريكية

رغم أن توقعات مسؤولي الفيدرالي تشير إلى رفع إضافي خلال 2026، فإن تصريحات المسؤولين في الأيام الأخيرة تعكس اختلافًا في درجة الاستعجال، ففي 24 سبتمبر، قال ويليامز إن من المعقول توقع رفع آخر للفائدة هذا العام، بينما أوضح بعد أيام أنه لا توجد حاجة ملحة للتحرك، وأن رفعا واحدا في وقت لاحق من العام قد يكون كافيا وفق المسار الذي يتوقعه للاقتصاد. 

ويعني ذلك أن موعد الرفع أصبح مرتبطا بصورة أكبر بالبيانات القادمة، خصوصا التضخم وسوق العمل وتوقعات الأسعار، فحتى في حالة عدم رفع الفائدة في الاجتماع المقبل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الفيدرالي انتقل إلى سياسة تيسيرية، وهذا يعني ببساطة أن البنك المركزي يفضل الانتظار لمراقبة أثر التشديد السابق على الاقتصاد.

ماذا يعني ذلك للأسواق العالمية؟

إبقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول من المتوقع يمكن أن ينعكس على أسواق السندات والعملات والأسهم والذهب، كما يؤثر على تكلفة الاقتراض بالدولار وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة.

وأظهرت تحركات الأسواق بالفعل حساسية كبيرة تجاه تصريحات مسؤولي الفيدرالي، إذ تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل بعد تصريحات ويليامز التي قلصت توقعات المستثمرين بشأن رفع الفائدة في أكتوبر، في المقابل تظل عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل مرتفعة، وهو ما يعكس استمرار قلق الأسواق بشأن التضخم وأسعار الفائدة على المدى الأطول. 

مصر في مرمى تأثيرات السياسة الأمريكية

وتكتسب قرارات الفيدرالي أهمية خاصة بالنسبة للاقتصادات الناشئة، ومنها مصر، بالنظر إلى تأثير أسعار الفائدة الأمريكية على حركة رؤوس الأموال العالمية وقوة الدولار وتكلفة التمويل الخارجي.

وفي حال استمر الفيدرالي في الإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة أو رفعها مجددا، فقد تظل الأسواق الناشئة أمام بيئة مالية عالمية أكثر تشددا، بينما قد يؤدي أي تحول لاحق نحو خفض الفائدة الأمريكية إلى تغيرات في اتجاهات التدفقات الاستثمارية والعملات، ومن ثم فإن المسألة بالنسبة لمصر لا تتعلق فقط بقرار رفع أو خفض الفائدة الأمريكية، وإنما بالفترة التي سيبقي خلالها الفيدرالي سياسته النقدية مقيدة، ومدى استمرار قوة الدولار والعوائد الأمريكية المرتفعة.

البيانات تحسم القرار

في الوقت الراهن، لا تشير تصريحات مسؤولي الفيدرالي إلى قرار محسوم بشأن اجتماع أكتوبر، رغم استمرار توقع رفع إضافي خلال 2026 في التوقعات الرسمية، وبينما لا يزال التضخم أعلى من هدف 2%، يؤكد المسار الأخير للسياسة النقدية أن الفيدرالي مستعد للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو زيادتها إذا لم يتحقق التقدم المطلوب في خفض التضخم.

وتشير تصريحات ويليامز الأخيرة إلى أن البنك المركزي قد يفضل الانتظار بدلا من التحرك سريعا، مع إبقاء خيار رفع واحد إضافي خلال نهاية العام مفتوحا إذا استمرت البيانات في إظهار تضخم مرتفع. 

الجريدة الرسمية