رئيس التحرير
عصام كامل

ما حكم الوقوف حدادا على أرواح الموتى؟ الإفتاء توضح

قبر، فيتو
قبر، فيتو
18 حجم الخط

ما حكم الوقوف حدادا على أرواح الموتى؟، أجابت دار الإفتاء المصرية عبر موقعها على “فيس بوك” عن سؤال ما حكم الوقوف مع الصمت لمدة دقيقة  حدادا وتكريما لأرواح شخصيات تحظى باحترام المجتمع؛ كالعلماء الربانيين والمناضلين من أجل الحق، والشهداء والزعماء المصلحين؟

وقالت دار الإفتاء: إن الشرع الحنيف حث على إنزال الناس منازلهم وشكرهم على ما قدموه من أعمال.
وجاءت الشريعة الإسلامية صريحة في دعوتها لتكريم الإنسان واحترام آدميته حيًّا وميتًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]

 كما اعتنى الإسلام بترسيخ الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة وبثها في المجتمع والتشجيع عليها بشتى الوسائل المتاحة؛ كالوعظ والتربية والثقافة والفنون المباحة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» رواه أحمد في "المسند"، والبخاري في "الأدب المفرد"، والحاكم في "المستدرك"، فنشر الفضيلة وحمايتها غاية عظمى من غايات الشريعة الإسلامية.

شكر الناس

ومن الأخلاق التي دعا إليها الإسلام: شكر الناس على ما قدموه من الأعمال الطيبة؛ ففي الحديث الشريف: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ» رواه الترمذي وأحمد.

وكذلك من أخلاق الإسلام: إنزال الناس منازلهم، ومعاملتهم بما هم جديرون به، وتكريم أهل الشرف والفضل والسيادة منهم؛ فقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنه مرَّ بها سائل فأعطته كِسْرَة، ومَرَّ بها آخرُ عليه ثياب، وله هَيْئَة، فأقعدتْه فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَنزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» أَخرجه أبو داود، وحَسَّنه السخاوي في "المقاصد الحسنة".

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» رواه ابن ماجه والبيهقي في "السنن الكبرى".

وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» رواه أبو داود في "سننه" والبخاري في "الأدب المفرد".

حكم الوقوف للعلماء وأهل الفضل والوالدين

التعبير عن الاحترام والتكريم بالقيام عند قدوم ذوي الفضل -من العلماء والأشراف ونحوهم- قد ورد في الشرع ما يدل على جوازه، بل صرح بعض العلماء باستحبابه، ومما استدل به جمهور أهل العلم في هذا: ما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» حينما أرسل إلى سعد بن معاذ رضي الله عنه فجاء على حمار.

قال الإمام البيهقي: [القيام على وجه البر والإكرام جائز؛ كقيام الأنصار لسعد وطلحة لكعب، ولا ينبغي لمن يقام له أن يعتقد استحقاقه لذلك حتى إن ترك القيام له حنق عليه أو عاتبه أو شكاه] اهـ. نقلًا عن "فتح الباري" للحافظ ابن حجر (11/ 52، ط. دار المعرفة).

ويقول الإمام النووي في "شرحه على مسلم" (12/ 93، ط. دار إحياء التراث العربي): [قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «قوموا إلى سيدكم، أو خيركم» فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام، قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قيامًا طول جلوسه. قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح، وقد جمعتُ كُلَّ ذلك مع كلام العلماء عليه في جزء وأجبت فيه عما توهم النهي عنه، والله أعلم] اهـ.

‏وقال العلماء‏:‏ يستحب القيام للوالدين والإمام العادل، وفضلاء الناس، وقد صار هذا كالشعار بين الأفاضل، فإذا تركه الإنسان في حق من يصلح أن يفعل في حقه، لم يأمن أن ينسبه إلى إهانته، والتقصير في حقه، فيوجب ذلك حقدًا‏. ‏واستحباب هذا في حق القائم لا يمنع الذي يقام له أن يكره ذلك، ويرى أنه ليس بأهل لذلك. –"مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة (230، ط. دار البيان)-.‏

وقد أصبح هذا النوع من الترحيب في بعض الأزمنة عادة متعارفًا عليها بحيث يدل فعلها على التكرمة، وتركها على الاستهانة والاستخفاف، ولهذا بحث بعض أهل العلم وجوب التزامها حينئذٍ؛ دفعًا للتباغض والتحاسد والتقاطع.

حكم الوقوف حدادا على أرواح الموتى 

ما تقدم ذكره يتعلق بتكريم الأحياء بالقيام احترامًا لهم، أما القيام من أجل الأموات -ولو لتوقير شأن الموت وهيبته- فقد ورد ما يدل على جواز القيام عند مرور الجنازة، وعند القبر ولو كان الميت يهوديًّا أو كافرًا، ففي الحديث الشريف: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا» متفق عليه، يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 181): [ومقتضى التعليل بقوله: «أليست نفسًا» أن ذلك يستحب لكل جنازة] اهـ.

وفي "كشاف القناع" للعلامة البهوتي الحنبلي (2/ 150، ط. دار الكتب العلمية): [(وتباح) الزيارة (لقبر كافر)، والوقوف عند قبره.. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84] فإنما نزلت بسبب عبد الله بن أبيٍّ في آخر التاسعة، على أن المراد عند أكثر المفسرين: القيام للدعاء والاستغفار] اهـ.

وقال العلامة المرداوي في "الإنصاف" (2/ 562، ط. دار إحياء التراث العربي): [يجوز زيارة قبر الكافر. قاله المجد وغيره.. وينبغي أن يقرب منه، كزيارته حال حياته، ذكره في "الوسيلة" و"التلخيص"] اهـ.
والذي ذكرناه من نصوص الشرع ونُقُولِ أهلِ العلم يدل على أصل مشروعية التعبير بهيئة الوقوف   عن الاحترام والتقدير لمن يستحقه، سواء كان حيًّا أو ميتًا، لا سيما إذا جرت بذلك العادة، وأن هذا الأمر يرتبط بما تجري عليه العادات والأعراف الاجتماعية، وأنه ليس في ذلك ما يتعارض مع شريعة الإسلام، إلا إذا صاحَب الوقوف حدادا  محظورا.

والوقوف دقيقة حدادا  مع الصمت اتخذها الناس مظهرًا من مظاهر التكريم لهؤلاء الشهداء أو الوجهاء، وتعد وسيلة من وسائل التكريم والتشريف وأخذ العبرة والعظة، ومن المقرر شرعًا أن "الوسائل لها حكم المقاصد".

الجريدة الرسمية