رئيس التحرير
عصام كامل

ما حكم إخفاء الطبيب حقيقة المرض عن المريض بدعوى المصلحة؟ الإفتاء توضح

حكم إخفاء المرض عن
حكم إخفاء المرض عن المريض
18 حجم الخط

ما حكم إخفاء الطبيب حقيقة المرض عن المريض بدعوى المصلحة؟ ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية عبر موقعها الرسمي على فيس بوك عن ما حكم إخفاء حقيقة المرض عن المريض لمصلحته؟ فزوج أختي مصاب بالسرطان، وقد سأل الطبيبَ عن حالته فلم يصرح له، ولكن الطبيب أخبرني أنا، بأن حالته ستتدهور بسرعة إذا كشف له حقيقتها؟

مشروعية التداوي 


وقالت دار الإفتاء إن مِن المقاصد الكلية التي اعتنى بها الشرع الشريف: حفظ النفس وصونها عن كل ما يؤذيها ويضرها عاجلا أو آجلا، فأمر لأجل ذلك باتخاذ  الوسائل التي تحقق ذلك المقصد، والتي منها الوقاية مِن الأمراض قبل حصولها، والمسارعة إلى العلاج والتداوي منها إذا ما أصيب الإنسان بها، فهو مأمورٌ باتخاذ الوسائل المتاحة التي تحافظ على نفسه وحياته وصحته وتمنع عنه الضرر، وقد دلَّ على مشروعية التداوي ما رواه أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطيرُ، فسَلَّمتُ ثم قعدتُ، فجاء الأعرابُ من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: تَداوَوا؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لم يَضَع داءً إلَّا وَضَعَ له دَواءً غيرَ داءٍ واحِدٍ: الهَرَمُ»، والهَرَمُ: "الكِبَر" أخرجه أبو داود والتِّرْمِذِي.

والعلاج إذا كان مأذونًا فيه ابتداءً كانت وسائله وما يتوقف عليه مأذونًا فيها أيضًا؛ قال العلامة ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام" (2/ 288، ط. مطبعة السُّنَّة المحمدية): [الإذن في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مقصوده] اهـ.

ومن المقرر أن طلب العلاج إنما يكون بالرجوع إلى أهل الاختصاص من الأطباء، فهم أهل الذكر في هذا الباب، الذين أمر الله تعالى بسؤالهم والرجوع إليهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

 

حكم إخفاء المرض عن المريض


وأضافت دار الإفتاء أنه إذا لجأ المريض إلى الطبيب، فالأصل أن له حق معرفة حقيقة حالته الصحية؛ ليتمكن من ترتيب شؤونه الدينية والدنيوية، غير أن هذا الأصل قد يقيد بمصلحة  راجحة تعود عليه؛ إذ قد تعرض حالات يخشى فيها من إخباره بمرضه وقوع ضرر معتبر عليه، نفسيا أو عضويا، يؤثر على مسار المرض أو على استجابته للعلاج، أو يسرع في تفاقمه.

فقه الموازنات 

وفي هذه الحال يتعين على الطبيب مراعاة مآل الإخبار والكتمان، والعمل بفقه الموازنات، فيقدِّر الأمر بقدره، ويرجِّح ما فيه حفظُ نفس المريض؛ إذ إن حفظ النفس من المقاصد الشرعية الكلية.

فإن غلب على ظن الطبيب بناءً على خبرته ومعرفته بحال المريض أن إخباره لا يترتب عليه ضرر، وجب عليه بيان الحقيقة له، ولا يسوغ كتمانها.

أما إذا غلب على ظنه أن في إخباره ضررًا محققًا أو غالبًا، جاز له عدمُ التصريح بحقيقة حالته، بل قد يتعين عليه ذلك؛ ولا يُعدُّ هذا من الكتمان المذموم، بل هو من قبيل التورية المأذون فيها شرعًا بقدر الحاجة؛ تحقيقًا لمصلحة المريض، ودفعًا للضرر عنه، وذلك تأسيسًا على ما يلي:

أولًا: أن واجب الطبيب تجاه مريضه هو دفع المرض عنه ما أمكن، فإن تعذر دفعه جملةً دفع أعظمه بقدر المستطاع، وقد يكون كتمان الحقيقة في بعض الحالات أخفَّ ضررًا من التصريح بها إذا ترتب على الإخبار تدهور حالته النفسية أو الصحية، خاصة في الأمراض الشديدة؛ فيختار الطبيب المسلك الذي يحقق أعظم النفع وأقل الضرر.

قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام": [الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما، ويتوقفون عند الحيرة في التساوي والتفاوت؛ فإن الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام، ولدرء ما أمكن درؤه من ذلك، ولجلب ما أمكن جلبه من ذلك، فإن تعذر درء الجميع أو جلب الجميع فإن تساوت الرتب تخير، وإن تفاوتت استعمل الترجيح عند عرفانه والتوقف عند الجهل به] اهـ.

فيستقرئُ الطبيب تفاصيلَ الحالة الصحية والنفسية للمريض، ويختار من القول ما يليق بظرفها وزمانها، وبما تقتضيهِ رحلة العلاج.

قال الإمام السيوطي في "الحاوي للفتاوي" في سياق بيان وجه الشبه بين المفتي والطبيب وأن كلا منهما يراعي مقتضى الحال والشخص والزمان: [لا شك أن المفتي حكمه حكم الطبيب، ينظر في الواقعة ويذكر فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال والشخص والزمان، فالمفتي طبيب الأديان، وذلك طبيب الأبدان] اهـ.

ثانيًا: استحباب التلطُّف مع المريض ورفع معنوياته، وإيهامه بما يُحسِّن حالته النفسية؛ لما في ذلك من أثرٍ على تقوية تحمُّله واستجابته للعلاج، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى المَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ» رواه التِّرْمِذِي وابن ماجه.

وأكد ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 67 (7/5) بالدورة السابعة بجدة في المملكة العربية السعودية، بشأن العلاج الطبي، حيث جاء فيه: [وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه النفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه] اهـ.

ثالثًا: تحقيق مبدأ المصلحة، ودفع الضرر ما أمكن عن المريض، عملًا بالقواعد المقررة: أن "الضرر يُزال"، وأنه "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما"، وأن "درء المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح".

فإذا كان في إخبار المريض ضررٌ أعظم، وكان في كتمان ذلك ضررٌ أخف، جاز ارتكاب الأخف لدفع الأشد.

على أن يُراعى في ذلك: أن يقتصر الكتمان على المريض، مع إبلاغ من يلزم من ذويه أو من يحدده هو إن أمكن، أو من تدعو الحاجة إلى إبلاغه؛ حفظًا لحقوقه الدينية والدنيوية، وضمانًا لرعايته، وذلك كله في حدود ما تدعو إليه الضرورة، وبالطريقة الإنسانية اللائقة، ما لم يترتب على ذلك ضررٌ على الغير.

الجريدة الرسمية