رئيس التحرير
عصام كامل

علم ينتفع به.. استثمار المعلم لما بعد الموت

18 حجم الخط

إنَّ من فضلِ اللهِ تعالى وكرمِهِ علينا أن جعلَ لنا أعمالًا لا تموتُ بموتِنا، ولا تنمحي برحيلِنا. وهذه الأعمالُ تكونُ من كسبِنا أو من كسبِ غيرِنا لنا، ومن هذه الأعمالِ العلمُ النافعُ؛ حيثُ يظلُّ أجرُهُ مستمرًّا لصاحبِهِ لا ينقطعُ حتَّى بعدَ موتِهِ. قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» [أخرجه مسلم في صحيحه، حديث رقم (1631)].

وهذا من أعظمِ الأدلةِ على أنَّ ثوابَ العلمِ يصلُ إلى العالِمِ بعدَ موتِهِ ما دامَ ينتفعُ به؛ فكأنَّهُ حيٌّ لم ينقطعْ عملُهُ، مع ما له من حياةِ الذكرِ والثناءِ. فجريانُ أجرِهِ عليه إذا انقطعَ عن الناسِ ثوابُ أعمالِهم حياةٌ ثانيةٌ. وقد خصَّ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم هذه الأشياءَ الثلاثةَ بوصولِ الثوابِ إلى الميِّتِ؛ لأنَّهُ سببٌ في حصولِها، والعبدُ إذا باشرَ السببَ الذي يتعلَّقُ به الأمرُ والنهيُ يترتَّبُ عليه مسبَّبُهُ، وإنْ كان خارجًا عن سعيِهِ وكسبِهِ. [مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن قيم الجوزية (1/175)].

وجاءَ في شرحِ النوويِّ على مسلم (11/85)، في شرحِ الحديثِ السابقِ: «فِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ الْعِلْمِ، وَالْحَثُّ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَالتَّرْغِيبُ فِي تَوْرِيثِهِ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّصْنِيفِ وَالْإِيضَاحِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ مِنَ الْعُلُومِ الْأَنْفَعُ فَالْأَنْفَعُ».

فعلى قدرِ علمِ العالِمِ يكونُ ذِكرُهُ في حياتِهِ ومماتِهِ، وعلى قدرِ جهدِهِ في تحصيلِهِ ونشرِهِ تكونُ مكانتُهُ في الدنيا والآخرةِ.

ومن هنا جاءَ تشبيهُ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم العالِمَ بالقمرِ دونَ الشمسِ، مع أنَّ الشمسَ أعظمُ نورًا؛ وذلك لأمرينِ:
أحدُهما: أنَّ نورَ القمرِ لمَّا كان مستفادًا من غيرِهِ، كان تشبيهُ العالِمِ الذي نورُهُ مستفادٌ من شمسِ الرسالةِ بالقمرِ أولى من تشبيهِهِ بالشمسِ.

والثانيةُ: أنَّ الشمسَ لا يختلفُ حالُها في نورِها، ولا يلحقُها محاقٌ، ولا تفاوتَ في الإضاءةِ، أمَّا القمرُ فإنَّهُ يقلُّ نورُهُ ويكثرُ، ويمتلئُ وينقصُ، كما أنَّ العلماءَ في العلمِ على مراتبِهم من كثرتِهِ وقلَّتِهِ؛ فيفضلُ كلٌّ منهم في علمِهِ بحسبِ كثرتِهِ وقلَّتِهِ، وظهورِهِ وخفائِهِ، كما يكونُ القمرُ كذلك. 

فعالِمٌ كالبدرِ ليلةَ تمِّهِ، وآخرُ دونَهُ بليلةٍ، وثانيةٍ، وثالثةٍ، وما بعدها إلى آخرِ مراتبِهِم، وهم درجاتٌ عندَ اللهِ تعالى. [مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن قيم الجوزية (1/65)، مرقاة المفاتيح للملا علي القاري (1/296)].

رزقَنا اللهُ تعالى وإيَّاكم علمًا نافعًا لا ينقطعُ أجرُهُ في الدنيا والآخرة. وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ.

الجريدة الرسمية