اللواء د. محمد الغباري مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق، لـ«فيتو»: أكتوبر معجزة صعبة التنفيذ.. وخطة الخداع الاستراتيجي شلت إسرائيل
نقلنا القوات والمعدات للجبهة أكثر من مرة ثم أعدناها..وكان مقررًا عودة قواتنا يوم 7 أكتوبر لكننا عبرنا يوم 6
أجهزة الدولة أخفت نية الحرب حتى اللحظة الأخيرة.. وإسرائيل اعتبرت تحركات قواتنا تدريبًا سنويًا
الإعلام نقل الحقيقة من الجبهة مباشرة وكان له دور مؤثر في حرب أكتوبر
المعطيات كانت تؤكد تفوق الجيش الإسرائيلي.. لكن التخطيط والخداع والعبور الناجح قلبوا موازين المعركة
الإعلام في حرب أكتوبر نقل الحقيقة من الجبهة مباشرة وكان له دور مؤثر في رفع الروح المعنوية
بعد مرور 53 عامًا على نصر أكتوبر المجيد، لا تزال تفاصيل المعركة تكشف في كل مرة عن جوانب جديدة من واحدة من أهم المواجهات العسكرية في التاريخ الحديث. فالنصر لم يكن وليد لحظة العبور فقط، وإنما سبقه إعداد طويل، وتخطيط دقيق، وخداع استراتيجي أربك حسابات العدو، إلى جانب تلاحم غير مسبوق بين القوات المسلحة والشعب.
وفي حوار خاص لـ«فيتو»، يستعيد اللواء د. محمد الغباري، مدير كلية الدفاع الوطني ومدير سلاحي المدرعات الأسبق، تفاصيل من قلب تلك المرحلة، كاشفًا كيف نجحت القوات المسلحة في تحويل التحركات العسكرية المتكررة إلى جزء من خطة خداع واسعة، حتى اعتادها العدو واعتبرها تدريبات روتينية، قبل أن تأتي ساعة الصفر في السادس من أكتوبر لتقلب جميع الحسابات.
ويروي الغباري، الذي عايش الاستعدادات للمعركة وشارك في مهام تأمين تحركات القوات خلال العبور، كواليس الأيام الحاسمة، ودور أجهزة الدولة في إخفاء نية الحرب، وكيف أسهمت الروح المعنوية والتكاتف بين الجيش والشعب في تجاوز آثار نكسة يونيو وتحقيق العبور والنصر.
كما يتحدث عن تفاصيل العمليات والخطط التي سبقت الحرب، وأهمية الإعلام في نقل الحقيقة من الجبهة، مؤكدًا أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، وإنما ملحمة متكاملة من التخطيط والإرادة والتضحية، أصبحت تجربتها محل دراسة في المعاهد والكليات العسكرية حول العالم.
هناك تفاصيل كثيرة ومثيرة لم تُروَ بعد عن حرب أكتوبر.. حدثنا عنها؟
مهما وصفت حرب أكتوبر المجيدة، فإنني أراها الحرب المقدسة التي وقف فيها الحق في مواجهة الباطل، وصاحب الأرض في مواجهة المغتصب.
والاستعداد لهذه الحرب لم يبدأ مع اندلاع شرارتها في الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر يوم 6 أكتوبر 1973، وإنما بدأ قبل ذلك بأيام، عندما نجحت أجهزة الدولة كافة في إخفاء نية الحرب عن إسرائيل.
ووصل الأمر إلى أن القيادات العسكرية الإسرائيلية قامت بسؤال أجهزة المخابرات في العالم عن طبيعة التجهيزات التي تقوم بها مصر على جبهة القتال: هل هي تجهيزات دفاعية أم استعداد لحرب؟
كما جرى التعامل مع تصريحات الرئيس الراحل أنور السادات باعتبارها جزءًا من حالة الاستعداد والتدريب، في الوقت الذي كانت فيه الدولة والقوات المسلحة تستعدان فعليًا للمعركة.
ما أهم العوامل التي أكدت نجاح عملية الخداع الاستراتيجي قبل الحرب؟
من أهم عوامل نجاح عملية الخداع الاستراتيجي أن القيادة العامة للقوات المسلحة أقرت، قبل الحرب، اختصار العام التدريبي السنوي ليصبح 6 أشهر فقط.
وكان معنى ذلك أن أجهزة القيادة العامة للقوات المسلحة والأسلحة الرئيسية تتوجه إلى جبهة القتال مرتين سنويًا أو أكثر، بدلًا من مرة واحدة، تحت ستار تنفيذ مشروعات تدريبية أو مشروع استراتيجي عسكري للتدريب على تنفيذ مهام معينة.
وقد دفع ذلك المخابرات العسكرية الإسرائيلية إلى الاعتقاد بأن مصر ليست جادة في الدخول في حرب، وأن ما تقوم به لا يتجاوز كونه أنشطة تدريبية معتادة.
وقامت خطة الخداع على نظرية التعود؛ إذ اعتادت القوات المصرية نقل قواتها وأسلحتها ومعداتها إلى جبهة القتال أكثر من مرة خلال العام، ثم تعود إلى أماكنها دون أن يحدث شيء.
وأصبح تنفيذ هذه التحركات، بالنسبة إلى المخابرات الإسرائيلية، عملًا روتينيًا عاديًا، وتم ذلك من خلال تنفيذ مشروع استراتيجي تعبوي بمشاركة الأفرع الرئيسية والأسلحة، وبالتعاون مع الجيشين الثاني والثالث الميدانيين على طول جبهة المواجهة، وذلك أكثر من مرة دون أن تندلع حرب.
وفي المقابل، أدى ذلك إلى حالة من الاسترخاء داخل الجيش الإسرائيلي.وهنا جاءت الساعة المواتية للقيام بالحرب.فكان من المقرر أن ينتهي آخر مشروع من مشروعات الخداع الاستراتيجي يوم 4 أكتوبر، وأن تعود القوات إلى أماكنها يوم 7 أكتوبر، لكننا قمنا بالحرب يوم 6 أكتوبر 1973، وكانت هذه هي المفاجأة التي شلت العدو.
كيف اكتشفتم بعد الحرب نجاح الخداع الاستراتيجي؟
علمنا بنجاح خطة الخداع بعد الحرب، عندما سُئلت جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل وقتها، خلال التحقيقات التي أعقبت الحرب، عن سبب عدم استدعائها التعبئة التي تعني زيادة عدد القوات الإسرائيلية إلى كامل قوتها، رغم رؤيتها تحركات القوات المصرية أمامها على جبهة القتال، فقالت إن إيلي زعيرا، مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أبلغها بأن ما يفعله المصريون ليس سوى تدريب سنوي.
وكانت إسرائيل قد خسرت كثيرًا من اقتصادها في التعبئة السابقة، عندما كان يتم تفريغ عناصر الاقتصاد الإسرائيلي من أعمالهم وتوجيههم إلى الحرب.
ثم إن التقديرات التي توصلوا إليها كانت تقول إن مصر ستخسر 60% من قواتها من أجل كسب كيلومتر واحد في سيناء، إذا حاولت اقتحام قناة السويس وتسلق الساتر الترابي، وأنها ستخسر باقي قواتها أثناء التعامل مع النقاط القوية.
وكان معنى ذلك، وفق هذه التقديرات، أن مصر ستخسر الحرب قبل أن تبدأ. لكن هذه التقديرات كانت خاطئة، وكانت الخسائر أقل من ذلك بكثير، بفضل خطة الخداع الاستراتيجي التي نُفذت بنجاح.
كما تمكنت القوات الجوية من تنفيذ ضربة ناجحة ضد مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية، ونفذت القوات خطط العبور بكفاءة ونجاح.ولولا ذلك، لم تكن مصر لتستطيع تحقيق النصر وفق المعطيات العسكرية العادية التي كانت تؤكد تفوق الجيش الإسرائيلي قبل الحرب.
صف لنا الروح المعنوية للقوات المسلحة المصرية في تلك الفترة؟
في الحقيقة، لم نكن نستطيع استعادة كامل مساحة سيناء، أو حتى شبر واحد منها، إلا بالتكاتف، وبدأ ذلك من التخطيط، ومن خلال إدارة الشؤون المعنوية التي جهزت زيارات الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات إلى الجبهة، إلى جانب زيارات وزراء الحربية ورئيس الأركان.
كما شارك العديد من رجال الدين الإسلامي والمسيحي في توضيح معنى الدفاع عن الأرض وأحقية استردادها، وتوعية جموع الشعب بالهزيمة التي حدثت في 5 يونيو، والتأكيد على أنها مرحلة وستنتهي.وكان الهدف هو التأكيد على دعم الشعب لقواته المسلحة في مهمة استعادة الأرض.
وكنت وقتها ضابط عمليات مدرعات في الفرقة الثانية، عند المعبر الرئيسي في شمال الفردان.وكانت مهمتي تأمين التحركات برئاسة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والسيطرة على نقاط العبور كافة لضمان تدفق الوحدات عليها.
وكان معي ضباط مهندسون، وشرطة عسكرية، وطبيب، وأربعة جنود، وكنا نقف على مسافة قريبة من المعبر للسماح بانسيابية قوات العبور.وفي حالة تعرض أي معبر للضرب، كان يتم إصلاحه فورًا بعد إبلاغ القيادة العامة للقوات المسلحة، حتى لا تتعطل حركة القوات أو يحدث تكدس وزحام عند المعبر.
وهكذا استطاعت مصر أن تحقق أعظم انتصار عسكري في التاريخ الحديث، وهو الانتصار الذي ظل يُدرّس على مدار 53 عامًا في المعاقل والمعاهد العسكرية في العالم.
ماذا عن دور الإعلام خلال الحرب؟
كان للإعلام دور مؤثر خلال حرب أكتوبر، لأنه نقل الحقيقة من الجبهة مباشرة، وساهم في نقل صورة المعركة إلى الشعب، وهو ما دعم الروح المعنوية وربط المصريين بما يحدث على أرض المعركة.
فلم تكن معركة أكتوبر عسكرية فقط، وإنما كانت معركة شارك فيها الجيش والشعب، وكان التكاتف بينهما أحد عناصر القوة التي ساعدت على تجاوز آثار الهزيمة وتحقيق النصر.






