رئيس التحرير
عصام كامل

من الثغرة إلى السماء.. قصة بشارة النبي للطيار أحمد التهامي بالشهادة

الشهيد النقيب طيار
الشهيد النقيب طيار أحمد كمال التهامي
18 حجم الخط

لم تكن حرب أكتوبر المجيدة مجرد بطولات عسكرية تُسجَّل في سجلات القوات المسلحة، بل كانت ملحمة إنسانية وروحانية خلدت أسماء رجالٍ اختاروا الوطن فكُافئوا بالخلود. 

ومن بين هؤلاء الأبطال يبرز اسم النقيب طيار أحمد كمال التهامي؛ ذلك الشاب المرح، ممشوق القوام، الجميل الملامح، والمفعم بالحيوية والتدين والأخلاق العالية التي جعلته محط احترام الجميع. وكان التهامي شقيقًا للمسؤول البارز آنذاك حسن التهامي، وصهرًا لرمز الصاعقة المصرية ومؤسس «المجموعة 39 قتال» العميد إبراهيم الرفاعي. وفي التاسع عشر من أكتوبر 1973، خيم الحزن العميق على قلب الطيار الشاب إثر استشهاد الرفاعي في منطقة الثغرة؛ فأقسم التهامي حينها على الانتقام لدمائه، دون أن يعلم أن موعد اللقاء بينهما لم يكن يبعد سوى يومين فقط.

وفي الساعات الأولى من فجر يوم 21 أكتوبر 1973، وكان يُسمح للطيارين المقيمين قرب القواعد بزيارات خاطفة لذويهم ليلًا، عاد التهامي إلى قاعدته الجوية في حدود الساعة الثالثة صباحًا، وتوجه مباشرة إلى غرفته المظلمة التي يتشاركها مع رفيق سِلاحه البطل طيار أبو بكر حامد.

 ويروي أبو بكر تلك اللحظات الفارقة قائلًا إن الظلام كان دامسًا داخل الغرفة لا يرى فيه الإنسان يده، حين بدأ التهامي يناديه بإلحاح لكي يستيقظ. وتجاهل أبو بكر النداء في البداية لرغبته في خطف ساعات قليلة من الراحة استعدادًا للجهد الشاق المنتظر في الصباح الباكر، لكن التهامي أصر قائلًا: "أنا عارف إنك صاحي.. فيه حاجة مهمة عايز أقول لك عليها".

وعندما رفع أبو بكر طرف الغطاء عن وجهه متجهًا بنظره نحو رفيقه، صُدم بمشهد لم ينسَه قط؛ فقد كان وجه التهامي يفيض بالنور وكأنه مصباح زئبقي يضيء الغرفة، لينطق التهامي بعبارة واثقة ومباغتة: "أنا سأستشهد النهاردة"، فثار عليه أبو بكر متسائلًا بذهول عما إذا كان قد أطلعه الله على الغيب أو أنه نبي ليعلم ذلك، فرد عليه التهامي بهدوء وثبات موضحًا أنه رأى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خلال غفوة سريعة في السيارة التي أقلته إلى القاعدة منذ قليل، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "يا أحمد أنت معي اليوم في الجنة".

ألجمت دهشة الخبر لسان أبو بكر، وفي تلك الأثناء فتح التهامي دولابه وأخرج متعلقاته الشخصية، وكانت تتضمن مبلغًا من المال وسلسلة نُقش عليها "آية الكرسي"، ثم سلمها لرفيقه طالبًا منه أن يوصلها لأسرته، وحين حاول أبو بكر للمرة الأخيرة أن يثنيه عن هذا اليقين قائلًا إنه لا أحد يعلم من يستشهد قبل الآخر وأنه قد يستشهد هو قبله، أجابه التهامي بثقة مطلقة: "أنت ستعود". 

ومع إشراق الصباح، خرج أبو بكر في الطلعة الأولى لقصف تجمعات العدو في منطقة الثغرة بالصواريخ وكبدهم خسائر فادحة، وعندما عاد سالمًا وجد التهامي يستعد لطلعته بوجةٍ متوهجٍ بالنور ومبتهجٍ كالبدر، فحاول أن يُعيد إليه السلسلة لكن التهامي رفض قائلًا: "لا.. هذه السلسلة مع باقي الأشياء ستعطيها لوالدتي وأخي توفيق".

انطلق البطل أحمد كمال التهامي بطائرته لأداء واجبه الوطني في قلب المعركة ولم يعد إلى قاعدته، بل رحل إلى الجنة كما وُعد، وبعد انتهاء الحرب، حمل البطل أبو بكر حامد المتعلقات والتزم بالعهد؛ فذهب وقابل "توفيق" شقيق الشهيد وأخبره بالتفاصيل كاملة وسط ذهول وحبس للأنفاس، وهناك التقى بشقيقة الشهيد؛ هذه المرأة الوطنية التي فقدت زوجها بطل الصاعقة إبراهيم الرفاعي ثم شقيقها البطل طيار أحمد التهامي خلال يومين فقط في معركة العزة والكرامة، فرآها صابرة، محتسبة، ومبتسمة.

الجريدة الرسمية