من روح أكتوبر إلى صناعة المستقبل
هناك أشياء كثيرة يمكن للإنسان أن يختارها في حياته، إلا وطنه؛ فالوطن هو الانتماء الأول الذي يولد معنا، والاسم الذي نحمله في قلوبنا أينما ذهبنا، هو الأرض التي شهدت خطواتنا الأولى، والسماء التي ظللت أحلامنا، والذكريات التي لا يستطيع الزمن أن يمحوها.
وحب الوطن ليس مجرد كلمات تُقال، ولا أناشيد نرددها في المناسبات، وإنما هو إحساس عميق يجعل الإنسان مستعدًا لأن يقدم من أجل وطنه أغلى ما يملك.
ولعل التاريخ المصري قدّم لنا في نصر أكتوبر أصدق صورة لهذا الحب، ففي السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن الجنود المصريون يعبرون قناة السويس بحثًا عن مجد شخصي، بل كانوا يعبرون من أجل أرضٍ اغتصبت، وكرامةٍ أرادوا استردادها، ومستقبلٍ يستحق أن يعيش من أجله أبناؤهم.
كانت لحظة العبور لحظةً فارقة في تاريخ مصر، امتزج فيها الإيمان بالشجاعة، والتخطيط بالإرادة، والتضحية بالأمل. لقد أثبت أبطال أكتوبر أن قوة الوطن لا تكمن في السلاح وحده، وإنما في الإنسان الذي يحمل هذا السلاح، وفي إيمانه بقضيته واستعداده للتضحية من أجلها؛ ولذلك أصبح نصر أكتوبر أكثر من مجرد انتصار عسكري؛ أصبح درسًا خالدًا للأجيال في أن المستحيل لا يقف أمام شعب يمتلك الإرادة والعزيمة.
وحين نتأمل تضحيات شهداء أكتوبر، ندرك أن الوطن الذي ننعم بأمنه اليوم لم يأتِ إلينا بلا ثمن، هناك من ترك بيته وأسرته، وهناك من واجه الموت وهو يحمل في قلبه صورة مصر، وهناك من قدم حياته حتى تبقى راية الوطن مرفوعة.
لكن معارك الأوطان لا تنتهي بانتهاء الحروب، والتحديات التي تواجه مصر اليوم لا تزال قائمة، وإن اختلفت صورها، فهناك تحديات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وهناك سباق عالمي لا ينتظر المتأخرين، ومستقبل لا يفتح أبوابه إلا لمن يمتلك العلم والإرادة والقدرة على العمل.
ومن هنا، فإننا بحاجة إلى أن نستعيد روح أكتوبر؛ تلك الروح التي جعلت المصريين يقفون صفًا واحدًا أمام الخطر، وتغلبوا بها على ما ظنه الآخرون مستحيلًا، فما نحتاجه اليوم ليس أقل من ذلك: نحتاج إلى الوحدة واللُّحمة، وإلى أن تتسع صدورنا لبعضنا، وأن نجتمع على ما يوحدنا بدلًا من أن نتوقف طويلًا أمام ما يفرقنا.
إن الوطن في أوقات التحديات لا يحتمل التشرذم، ولا ينهض بالصراخ والشكوى، وإنما ينهض حين تتكاتف الأيدي، وتتحد القلوب، ويؤدي كل إنسان دوره بإخلاص، فالوحدة قوة، واللُّحمة حصن، والاتحاد سبيل، والعمل والجد هما طريق العبور إلى المستقبل.
إذا كان جندي أكتوبر قد عبر القناة وسط النار والدخان، فإن أبناء مصر اليوم أمام عبور جديد؛ عبور من التحديات إلى التنمية، ومن الصعوبات إلى الإنجاز، ومن الخوف من المستقبل إلى صناعته، وكما لم يكن عبور قناة السويس سهلًا، فإن بناء المستقبل لن يكون سهلًا، لكنه يصبح ممكنًا حين تتوحد الإرادة وتتضافر الجهود.
إن واجبنا تجاه الوطن لا ينتهي بانتهاء المعارك، وإذا كان جندي الأمس قد دافع عن مصر بسلاحه، فإن جندي اليوم يدافع عنها بعلمه وعمله وأخلاقه وإخلاصه، فالطالب الذي يجتهد في دراسته، والعامل الذي يتقن عمله، والطبيب الذي يؤدي رسالته، والمعلم الذي يبني عقول الأجيال، وكل إنسان يخلص في موقعه، إنما يشارك في معركة جديدة من معارك الوطن.
إن مصر لا تحتاج منا أن نتحدث كثيرًا عن حبها، بل تحتاج أن نترجم هذا الحب إلى أفعال، تحتاج إلى شباب يؤمنون بأن المستقبل لا يُنتظر، وإنما يُصنع، وأن الأمم لا تتقدم بالأمنيات، بل بالعلم والعمل والصبر والجد.
وستظل ذكرى أكتوبر حاضرة في وجدان المصريين، لا باعتبارها ذكرى انتصار مضى فحسب، وإنما باعتبارها رسالة متجددة تقول لنا: إذا اتحدنا فلا تحدّ من قدرتنا الصعاب، وإذا أخلصنا في العمل فلا مستحيل أمام إرادتنا.
وستظل مصر، كما كانت دائمًا، حكايةً تبدأ من نيلها وأرضها وناسها، ولا تنتهي؛ حكاية وطنٍ علّم أبناءه أن الكرامة لا تُسترد إلا بالعزيمة، وأن الأوطان لا تُبنى إلا بسواعد أبنائها، وأن حب الوطن الحقيقي ليس أن نفتخر بماضيه فقط، بل أن نعمل بإخلاص من أجل حاضره، ونصنع بالعلم والجد والعمل مستقبلًا يليق بتضحيات أبنائه.
فطوبى لوطنٍ يحبه أبناؤه، وطوبى لمصر إذا اجتمع أبناؤها على قلب رجلٍ واحد، يحملون همّها، ويبنون مستقبلها، ويحفظون رايتها عاليةً أبد الدهر.
تحيا مصر
