جاريد كوشنر.. صهر ترامب يمحو الخط الفاصل بين المال والسياسة.. صلات بإسرائيل وشبهات تجسس.. نتنياهو نام على سريره.. ووالده لاحق خصومه ببائعات الهوى
جاريد كوشنر، بعد انتهاء الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قرر صهره جاريد كوشنر وزوجته إيفانكا ترامب الابتعاد عن المشهد العام، تجنبا لأن ينظر إليهما باعتبارهما امتدادا لترامب أو وكيلين له.
وانتقل الزوجان إلى منطقة "إنديان كريك" في ولاية فلوريدا، حيث اشتريا قصرا بقيمة 24 مليون دولار في الجزيرة الخاصة المعروفة بلقب "مخبأ المليارديرات".
وفي الوقت نفسه، أسس كوشنر صندوقا للاستثمار المباشر، مستفيدا من شبكة علاقاته الواسعة لبناء محفظة استثمارية مربحة، قائلا في تصريحات تعود إلى عام 2004: "رغبتي في هذه المرحلة من حياتي هي التركيز على شركتي".
ومع عودته إلى البيت الأبيض، طلب ترامب من صهره العودة للعمل معه. وقتها تظاهر كوشنر بالاعتراض، مازحا: "هناك احتمال أن أجد زوجتي قد غيرت أقفال المنزل عند عودتي". وعلى طريقة أفلام هوليوود، أصر ترامب على طلبه، ورضخ كوشنر للأمر في النهاية!
وبعقلية لا تضع حدودا فاصلة بين المنصب العام والمصالح الشحصية، والمكاسب التجارية، عاد كوشنر إلى ظل ترامب، محتميا بنخبة استباحت كل شيء ضاربة عرض الحائط بمواثيق "الشرف" وتجنب "تضارب المصالح" أو الالتزام بـ"الإدارة والنزاهة"، بحثا عن تحقيق ثروات طائلة، تضاف إلى ثورة والده قطب العقارات الأمريكي تشارلز كوشنر.
الجمع بين عالمي الأعمال والسياسة
طوال حقبة ترامب، بنى كوشنر -البالغ من العمر 45 عاما وزوج ابنة الرئيس الأمريكي المدللة إيفانكا- مسيرة مهنية قائمة على الجمع بين عالمي الأعمال والسياسة، في رحلة تلاشت خلالها الخطوط الفاصلة بين مصالحه التجارية، ومهامه التي كلفها بها والد زوجته والتي اعتنقت اليهودية من أجل عينيه.
وفي السياق، لخصت المستشارة القانونية السابقة في البيت الأبيض فيرجينيا كانتر رحلة كوشنر قائلة: "إنه يعاني من تضارب هائل في المصالح؛ فمن المفترض أن يعمل لصالح الشعب الأمريكي، لكنه في الواقع يمتلك حوافز مالية ضخمة تدفعه لتعزيز مصالح مستثمريه"، وفق جريدة “ذا نيويوركر” الأمريكية.
وعلى الرغم من أن ترامب اختار كوشنر للمساعدة في إنهاء الحروب في غزة وأوكرانيا، وأي نزاعات أخرى قد تندلع حول العالم، فإن صهره لا يبدو شديد الاهتمام بفنون الدبلوماسية التقليدية، إذ ينظر إلى اتفاقيات السلام باعتبارها أشبه بصفقات العقارات؛ فكلاهما، من وجهة نظره، يتطلب مفاوضات شاقة، وقد يستدعي أحيانا قدرا من الخداع والمناورة.
وقبيل الساعات الأخيرة من احتمالية اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير 2026، عقد كوشنر اجتماعا مع مفاوضين إيرانيين في جنيف، في محاولة أخيرة لتجنب صراع كان من شأنه أن يدفع المنطقة إلى مزيد من الفوضى ويهز الاقتصاد العالمي. لكن كوشنر خرج من الاجتماع بنبرة تنم عن استخفاف بنظرائه الإيرانيين، قائلا للصحفيين: "إنهم يمارسون معنا ألاعيب في كل اتجاه، والأمر ينطوي على مراوغة شديدة".
ملفات أكبر من قدراته
وفي مؤتمر صحفي عقد لاحقا، جادل كوشنر بأن الإيرانيين كانوا يماطلون وحسب، مضيفا: "كانوا يحاولون كسب الوقت للحفاظ على ما يمكنهم الحفاظ عليه، وتجاوز فترة ولاية الرئيس ترامب".
وتعلق خبيرة منع الانتشار النووي في "رابطة الحد من التسلح" بواشنطن لي كيلسي دافنبورت: "يمكنك أن تدرك من خلال ما يقوله كوشنر -وويتكوف أيضا- أنهما لا يفقهان الكثير في المسائل الفنية". وكان أحد أصدقاء كوشنر أكثر صراحة في قوله: "إنه رجل لطيف، لكنه غارق تماما فيما هو أكبر من قدراته".
وتقول مجلة "ذا نيويوركر" الأمريكية: بالنسبة لأي مبعوث رئاسي آخر، كانت نتيجة المحادثات مع إيران ستعد كارثة؛ أما بالنسبة لكوشنر، فلم تكن حتى الأمر الأهم في ملف مسؤولياته. فبينما كان يتفاوض مع إيران، كان يدير أيضا استثمارات بمليارات الدولارات ضختها حكومات أخرى في المنطقة في صندوقه للاستثمار المباشر.

وتنقل المجلة عن مسؤول أمريكي سابق خدم في الشرق الأوسط قوله: استغل عدد من الأشخاص المرتبطين بالبيت الأبيض -بمن فيهم مستشار العملات المشفرة ديفيد ساكس، وأفراد آخرون من عائلة ترامب- مناصبهم الرسمية لجني مليارات الدولارات لأنفسهم.
ويضيف المسؤول الأمركي الذي رفض ذكر اسمه: "أعرف هؤلاء جميعا؛ فهم يدخلون هذه الاجتماعات ويمارسون أعمالهم التجارية جنبا إلى جنب مع مهامهم الدبلوماسية. ويقولون: حسنا، كفانا حديثا عن وقف إطلاق النار؛ لدينا هذا الفندق الذي نرغب في بنائه. وهذا هو نمط السياسة الخارجية الذي تتبعه أمريكا الآن".
رشوى الالتحاق بالجامعة
على الرغم من مؤهلاته الأكاديمية المتواضعة، جرى قبول كوشنر في جامعة هارفارد بعد أن تعهد والده بالتبرع بمبلغ 2.5 مليون دولار، على أن تبدأ التبرعات بمجرد بدء ابنه في حضور المحاضرات.
وخلال دراسته الجامعية، بدأ جاريد الاستثمار في المباني السكنية، وكان العديد منها يقع في مدينة "سومرفيل" على مسافة قريبة سيرا على الأقدام من الحرم الجامعي. وقد كتب في مذكراته التي حملت عنوان "صناعة التاريخ": "كنت ألاحظ أدق التفاصيل في أي مبنى أدخله. لقد تخرجت في هارفارد بمرتبة الشرف، وفي الوقت نفسه كنت أجني ملايين الدولارات من استثماراتي العقارية"، دون أن يخبر أحدا عن كيفية حصوله على درجة الامتياز!
والد كوشنر لجأ لسلاح بائعات الهوى
في الوقت الذي كان فيه كوشنر يخطو خطواته الأولى في عالم الأعمال، كان والده تشارلز يخضع لتحقيق جنائي؛ إذ اشتبه المدعي العام الفيدرالي لولاية نيوجيرسي- آنذاك- كريس كريستي - في أن تشارلز كان يخفي تبرعات سياسية ضخمة عبر نسبها إلى أفراد من العائلة. وعندما عرض المدعون العامون على شقيقته "إستر" سجلات تبرعات قدمت باسمها، أبدت صدمتها ودهشتها.
وفي نوبة غضب عارمة، استأجر تشارلز بائعة هوى لاستدراج زوج إستر إلى مكان لممارسة الجنس، ورتب لتصوير اللقاء، ثم أرسل مقطع الفيديو ليعرض خلال حفل خطوبة أقامته إستر لابنها، وفق مجلة "ذا نيويوركر".

ومع تقدم التحقيقات، وجه المدعون في مكتب كريستي إلى تشارلز تهم التهرب الضريبي، والتلاعب بالشهود، والاحتيال عبر وسائل الاتصال. وأقر كونر –الأب- بذنبه وحكم عليه بالسجن لمدة عامين في منشأة إصلاحية منخفضة الحراسة في ولاية ألاباما، فيما تولى صهر الرئيس إدارة شركة العائلة العقارية.
القرب من بنت الرئيس وزواج السلطة والمال
في عام 2007، وحين كان في الخامسة والعشرين من عمره، التقى كوشنر بابنة ترامب المدللة (إيفانكا) خلال مأدبة غداء للتعارف وبناء العلاقات المهنية، وتزوجا بعد ذلك بعامين. وقال أحد معارف العائلة: "لم يكن الاتحاد التاريخي بين عائلة كوشنر وعائلة ترامب أمرا مستبعدا أو غريبا، بل كان أشبه بزيجة ملكية؛ فكلا الطرفين يجسدان السلطة، وما تمنحه تلك السلطة من نفوذ بفضل المال".
وعندما تولى ترامب منصبه، أصبح كوشنر بمثابة وزير بلا حقيبة، ليفتح بابا لا ينتهي لدخول أصدقائه الأثرياء إلى دائرة الحكم في البيت الأبيض. وفي إحدى المرات، عرض مسؤول جمهوري بارز سابق المساعدة في العثور على موظفين ذوي خبرة في الشؤون المالية والسياسة النقدية، إلا أن كوشنر رفض العرض قائلا: "أنت لا تفهم الأمر؛ نحن بصدد الاستعانة بمليارديرات.. مليارديرات".
نتنياهو ينام في مضجع كوشنر
وسرعان ما بدأ كوشنر يصب تركيزه على منطقة الشرق الأوسط، حيث ساهم في إدارة سياسة تقوم على دعم لا محدود لإسرائيل. لقد نشأ كوشنر وهو متشبع بآراء "الصقور المتشددة" المؤيدة لإسرائيل؛ حيث اعتاد والده تقديم الدعم لقضايا ومؤسسات إسرائيلية، بما في ذلك جهات مثل منظمة "أصدقاء بيت إيل يشيفا" الصهيوينة الداعمة لتشييد المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. كما كان نتنياهو صديقًا قديمًا للعائلة، لدرجة أنه سبق له أن قضى ليلة في غرفة نوم جاريد نفسه خلال زيارته لمنزل العائلة، بحسب "ذا نيويوركر"!

وخلال فترة عمله الأولى في البيت الأبيض، خضع كوشنر لتحقيقات مطولة من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي والمحقق الخاص روبرت مولر بشأن اتصالاته الخارجية غير المعلنة مع مسؤولين روس وإسرائيليين وغيرهم، وتأخر حصوله على التصريح الأمني الدائم لفترة طويلة، إلا أن تلك التحقيقات تركزت حول "التأثير الأجنبي" وتدقيق الاتصالات.
وعلى الرغم من أن تلك التحقيقات لم تسفر عن توجيه أي تهمة تجسس ضد كوشنر لصالح الموساد، إلا أن علامات استفهام كبيرة ما زالت تدور حول امتلاكه حصصا مالية كبرى في مجموعات مالية إسرائيلية (مثل فينيكس فاينانشال) والتي تستثمر بدورها في شركات تصنيع أسلحة ومعدات عسكرية يجري تزويد جيش الاحتلال الإسرائيلي بها. وأثار ذلك انتقادات واسعة حول تداخل مصالحه التجارية الخاصة مع دوره كمبعوث ومفاوض غير رسمي للسلام في الشرق الأوسط.
ويقول تحقيق نشرته شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية: بينما كان كوشنر يؤدي دورا محوريا كمفاوض للسلام في الشرق الأوسط، كانت شركته الاستثمارية الخاصة "أفينيتي بارتنرز" تمتلك الحصة الأكبر في شركة إسرائيلية تستثمر في شركات مرتبطة بحملة إسرائيل العسكرية في غزة بما في ذلك أكبر شركة لتصنيع الأسلحة في إسرائيل؛ وهي أسلحة استخدمت في غزة ولبنان وإيران. وهي الحروب ذاتها التي كلفه ترامب بإنهائها!




