رحلة إلى جهنم.. العميد نبيل أبو النجا يكشف أسرار أخطر مهمة للصاعقة خلف خطوط العدو في حرب أكتوبر
لم يقتصر دور قوات الصاعقة المصرية على تنفيذ العمليات الفدائية خلف خطوط العدو خلال حرب الاستنزاف، بل بدأ رجالها العبور قبل الطيران، لسد فتحات النابالم وتعطيل قوات العدو، حتى لا تصل إلى القوات المصرية أثناء عبور قناة السويس.
ومن بين هؤلاء الأبطال العميد أركان حرب نبيل أبو النجا، أحد أبطال حرب أكتوبر 1973 ومؤسس «الفرقة 999» بالصاعقة، الذي يروي ذكرياته عن حرب أكتوبر، بالتزامن مع الذكرى الـ53 لنصر أكتوبر المجيد.
تدريبات شاقة استعدادا للمعركة
يقول العميد نبيل أبو النجا إن هناك مشاهد لا تنسى عاشها ورفاقه خلال المعارك، بدأت بالاستعداد والتدريب المتواصل لقوات الصاعقة في مناطق وعرة، إلى جانب تناول الثعابين والسحالي، بهدف التعود على طبيعة سيناء وأوضاع الحرب الصعبة.
ويضيف أن الوضع الداخلي في مصر لم يكن أقل أهمية، مشيرا إلى الدعم المحدود معنويا وماديا الذي قدمه المواطنون في ربوع مصر لتحديث وتأهيل الجيش استعدادا للحرب، إلى جانب التوافد على المستشفيات للتبرع بالدم.
رسالة الأم بعد هزيمة 1967
ومن ذكرياته الفريدة، يروي أبو النجا أنه كان أصغر إخوته العشرة، وأنه بعد هزيمة 1967 وعند عودته إلى المنزل، قامت والدته بطرده، قائلة له: «لا أريد رؤيتك إلا بعد أن تقوم أنت وزملاؤك بطرد العدو».
وأضاف أنها قالت له: «كيف يكون عندنا رجال والإسرائيليون يسيطرون على سيناء؟ ارجع رجع أرضك وعرضك يا بني».
الصاعقة في قلب المعركة
وعن أهم دور قامت به قوات الصاعقة خلال الحرب، يقول أبو النجا إن عناصر الصاعقة كانت لديهم عزيمة من فولاذ، وإن رجالها كانوا يأكلون الحديد ولا تقف أمامهم حتى الجبال.
ويؤكد أن رجال الصاعقة كان لديهم إصرار على تنفيذ جميع المهام مهما كانت التضحيات، حتى لو كانت بدمائهم، وكانوا جميعا مستعدين للموت، مشيرا إلى أن عملياتهم كانت كفيلة بنجاح أو فشل العبور.
وأوضح أن هناك ثلاث عمليات خلف خطوط إسرائيل لمنع قواتها من التصدي للعبور، وإيقاف المدرعات والدبابات الإسرائيلية على عمق يتراوح بين 60 و80 كيلومترا عند حائط الممرات الغربي، وكان من أبرزها تنفيذ كمائن متعددة ونصب أفخاخ للدبابات.
18 طائرة هليكوبتر إلى عمق 80 كيلومترا
وأوضح أبو النجا أن مجموعة الصاعقة التي كان تابعا لها إبان الحرب كانت تضم 4 كتائب، وأن كتيبة منها كانت ستتوجه بـ 18 طائرة هليكوبتر، منها 6 من جبل عتاقة و12 من مضيق مرصد القطامية، في الرابعة والنصف يوم السبت 10 رمضان، الموافق 6 أكتوبر 1973.
وكانت المهمة عبور خليج السويس والوصول إلى شرق القناة ثم التوجه إلى مضيق رأس سدر، على مسافة 80 كيلومترا خلف خطوط إسرائيل، جنوب بئر أبو جراج برأس سدر، لتنفيذ كمائن متكاملة وضرب القوات الإسرائيلية، بهدف تأخيرها من 6 إلى 8 ساعات، حتى يكتمل إنشاء الكباري على القناة.
ويصف أبو النجا العملية بأنها استراتيجية ذات تأثير شامل على مسرح العمليات، مشيرا إلى أن نجاحها كان مرتبطا بنجاح الجيش الثالث من جنوب فايد حتى السويس، وأن الوقت كان محسوبا بالثانية.
«رحلة إلى جهنم».. المهمة المستحيلة
وعن مهمته الرئيسية التي كلف بها خلال حرب أكتوبر، يقول أبو النجا إنه سجلها تحت اسم «رحلة إلى جهنم»، مؤكدا أنها لا تمثل بطولة شخصية له، وإنما بطولة جماعية، مثلها مثل آلاف البطولات التي يزخر بها الجيش المصري.
ويضيف أن المهمة شارك فيها خمسة أفراد، ثلاثة منهم من الهجانة وحرس الحدود، وهم الرقيب أول السنوسي كاف أمين، وكان عمره وقتها 54 عاما، والعريف المتطوع أحمد صالح، والعريف المتطوع محمد فراج، إلى جانب مندوب من قبائل الترابين والحويطات، وكان شيخا يبلغ من العمر 84 عاما، ومعهم النقيب نبيل.
6 محاولات لإيصال المؤن والأسلحة خلف خطوط العدو
ويصف أبو النجا المهمة بأنها كانت مستحيلة بكل المعاني، وتشهد لها المعاهد العسكرية في العالم، موضحا أنها تضمنت 6 محاولات لإيصال المؤن والمساعدات والأسلحة إلى القوات المصرية خلف خطوط العدو.
ويقول إن المحاولة الأخيرة تمت بمشاركة 50 جملا في قافلة اخترقت قناة السويس والساتر الترابي وقوات العدو، حتى وصلت لتنفيذ مهمتها، رغم أجواء الحرب التي كانت مشتعلة بشدة.
ويشير إلى أن المهمة بدأت يوم السبت 6 أكتوبر 1973 واستمرت حتى الخميس 11 أكتوبر، مؤكدا أن مهمته تمت بنجاح 100%، رغم إصابة بعض أفراد المجموعة.
من الهليكوبتر إلى القوارب والعربات والطائرات الشراعية
وأضاف أبو النجا أن المحاولات الست للمهمة كانت قد فشلت، حيث تمت المحاولتين الأولى والثانية باستخدام طائرات الهليكوبتر، بينما كانت المحاولة الثالثة بالقوارب السريعة، أما المحاولة الرابعة، فكانت باستخدام العربات المدرعة يوم الأحد 7 أكتوبر، ثم جاءت المحاولة الخامسة بالطائرات الشراعية، وكانت المحاولة السادسة والأخيرة باستخدام قافلة الجمال، وهي المحاولة التي نجحت في تنفيذ المهمة.
قافلة الجمال.. العبور إلى عمق العدو
ويؤكد أبو النجا أن المحاولة الأخيرة، رغم كونها انتحارية، ساعدت أبناء الجيش في منع اللواء المدرع للجيش الإسرائيلي من التقدم، مشيرا إلى أن مروره كان سيدمر قوات المشاة المصرية غرب القناة.
وتضمنت المهمة العمل خلف خطوط العدو ولمسافة 80 كيلومترا في العمق، لمنع الألوية المدرعة الإسرائيلية في المضايق من المرور وإعاقة حركتها، حتى يتسنى للقوات المصرية العمل في أجواء أفضل أثناء العبور.
ويختتم أبو النجا روايته بالتأكيد على أن هذه العملية سجلت في تاريخ البطولة والفداء باعتبارها أكبر عملية انتحارية لمنع تقدم العدو إلى شاطئ القناة.








