رئيس التحرير
عصام كامل

قرابين الفراعنة.. هل ضحى ملوك مصر القديمة بحاشيتهم؟.. كسور جماجم في مقابر أبيدوس تكشف أسرارا دموية عمرها 5 آلاف عام

مقبرة الملك خنت دجر
مقبرة الملك خنت دجر في أبيدوس
18 حجم الخط

هل استخدم الملوك في مصر القديمة أفراد حاشيتهم كقرابين بشرية لمرافقتهم في رحلتهم إلى العالم الآخر؟ سؤال طرحته جريدة "ذا جارديان" البريطانية، مشيرة إلى أن "أبحاثا جديدة كشفت عن وجود كسور في عدة جماجم قديمة إلى احتمالية تقديم مسؤولي البلاط والحرفيين الذين خدموا ملوك مصر الأوائل كقرابين بشرية عند وفاة حاكمهم".

قبل أكثر من 5 آلاف عام، ربما لم تكن وفاة ملك مصري تعني نهاية حياته وحده، بل بداية مصير قاتل لعشرات ممن خدموه في القصر؛ إذ تكشف جماجم قديمة عن إصابات عنيفة تعيد فتح جدل تاريخي حول احتمال تقديم الحاشية قرابين بشرية لمرافقة ملوكهم إلى العالم الآخر.

وتشير الجريدة إلى أن تلك الجماجم كانت عثر عليها في مقبرة ملكية في جبانة "أم الجعاب"، الواقعة بالقرب من أبيدوس في مركز البلينا بمحافظة سوهاج، والتي تضم مقابر وحظائر مخصصة لحكام الأسرة المصرية الأولى، ويعود تاريخها إلى عام 3000 قبل الميلاد، وعثر فيها على 650 مقبرة لقدماء المصريين، وترجع إلى عصر ما قبل الأسرات وعهدي الأسرة الأولى والأسرة الثانية، والذي يقدر بنحو 3000 إلى 2700 قبل الميلاد.

السيدات وحاملو الأختام 

ولم تقتصر عمليات الدفن في هذا الموقع –بحسب "ذا جارديان"- على أفراد العائلة المالكة فحسب؛ حيث تحيط بهذه المنشآت قبور يعتقد أنها تعود لأشخاص ارتبطوا بالبلاط الملكي، بمن فيهم سيدات وحاملو الأختام ومفتشون وحرفيون.

لوحة جدارية تصور موكبا جنائزيا في مصر القديمة
لوحة جدارية تصور موكبا جنائزيا في مصر القديمة

وتقول مؤلفة الدراسة والباحثة في جامعة "بيردو" الأمريكية روزلين كامبل في تصريحات لجريدة "ذا جارديان": بينما يبدو أن الملك "حور عحا"- وهو أول حكام الأسرة الأولى- لم يكن لديه سوى عدد قليل من المدافن التابعة، فإن خلفاءه شملوا مئات القبور التابعة حول مقابرهم وحظائرهم.

ويذهب البعض إلى أن "حور عحا" عاش –تقريبا- في القرن الحادي والثلاثين قبل الميلاد، وأنه حكم مصر حوالى 62 عاما، بحسب المؤرخ المصري مانيتون، والذي كلفه بطليموس الثاني بكتابة تاريخ مصر القديمة في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد.

ممارسة التضحية البشرية 

وبحسب الدراسة التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن إنفيرومنتال آركيولوجي" العلمية، فإن "قبور هؤلاء التابعين جرى التنقيب عنها في عشرينيات القرن العشرين على يد عالم المصريات الإنجليزي فلندرز بيتري، الذي اعتقد أنها تمثل دليلا على ممارسة التضحية البشرية؛ وهو رأي أيده بعض الخبراء اللاحقين".

عالم المصريات فلندرز بيتري يفحص أواني فخارية
عالم المصريات فلندرز بيتري يفحص أواني فخارية

لكن بيتري، والذي يرى البعض أن أهم اكتشافاته هي لوحة مرنبتاح، لم يعثر على أي دليل على وجود إصابات على الرفات، مرجحا أن "يكون هؤلاء الأفراد قد دفنوا أحياء".

وفي المقابل، رجح آخرون أن الحاشية ماتوا موتا طبيعيا، ثم أعيد دفنهم لاحقا في أبيدوس بعد وفاة حاكمهمن وفق جريدة "ذا جارديان".

فحص جماجم 46 من أفراد الحاشية

أعادت كامبل، المتخصصة في العنف الممارس بتفويض من الدولة في العصور الغابرة، فضلا عن دراسة الأدلة على الإصابة بمرض السرطان في البقايا البشرية القديمة، فحص جماجم 46 حاشية نقبت من قبور محيطة بمدافن ثلاثة ملوك مختلفين، وهم: الملك خنت دجر (الذي خلف حور عحا وحكم لمدة 57 عاما على الأرجح)، والملك دجت وهو رابع فراعنة الأسرة المصرية الأولى، والملكة ميريت نيث والتي حكمت مصر لمدة 10 سنوات، ويعتقد على نطاق واسع انها اول امرأة تولت الحكم على مدى التاريخ.

وتقول مؤلفة الدراسة لجريدة "ذا جارديان": "إن مسألة ما إذا كانت ممارسة دفن الخدم أو الحاشية مع الحاكم المتوفى قد طبقت في مصر أم لا، كانت محل جدل لأكثر من قرن من الزمان، غير أن هذه الدراسة هي الأولى التي تفحص البقايا البشرية المستخرجة من المقابر ذاتها".

18 جمجمة أظهرت علامات إصابات قاتلة

وتشير كامبل إلى أن 18 جمجمة أظهرت علامات إصابات قد تكون قاتلة، مثل الكسور، بالإضافة إلى حالة واحدة تضمنت إصابة بضربة قاطعة في منطقة العين.

وترى كامبل أن "بيتري" ربما لاحظ كسور الجماجم تلك، لكنه لم يدرك أنها إصابات حدثت بالتزامن مع وقت الوفاة، وليست ناجمة عن أضرار لحقت بها في مرحلة لاحقة.

ومن غير المرجح –بحسب كامبل- أن تكون تلك الكسور قد نتجت عن استخدام "الصولجان" -وهو سلاح كثيرا ما جرى تصويره في الفن المصري القديم بيد الملك المنتصر وهو يضرب به أعداءه، مضيفة: يرجح أن تلك الكسور نجمت عن استخدام أدوات مسطحة وعريضة مصنوعة من الخشب أو قرون الحيوانات.

صورة شاملة عن الطقوس الجنائزية

وتقول الباحثة: "بالنسبة للجماجم التي لا تظهر عليها آثار إصابات، لا يمكننا الجزم بأن أصحابها قد قدموا كقرابين بشرية؛ فمن المحتمل جدا أن بعض التابعين قد قدموا كقرابين بينما لم يقدم آخرون. ونظرا لصغر حجم العينة المأخوذة من مجموعة المدفونين الأصلية، فإننا ببساطة لا نستطيع تكوين صورة شاملة عن هذه الطقوس الجنائزية، ولا يمكننا التأكد من أن هذه العينة تمثل بالفعل جميع التابعين".

مؤلفة الدراسة والباحثة في جامعة
مؤلفة الدراسة والباحثة في جامعة "بيردو" الأمريكية روزلين كامبل 

وأشارت كامبل إلى أن أعداد القبور الثانوية الملحقة تضاءلت بسرعة، ويبدو أنها اختفت تماما مع بداية عصر الأسرة الثانية، على حد وصفها.

منهجيات حديثة لفحص الجماجم

من جهتها، تقول الأستاذة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة سليمة إكرام: على الرغم من أن فكرة تقديم التابعين كقرابين ليست جديدة تمامًا، إلا أن "هذه الورقة البحثية تمثل واحدة من الحالات القليلة التي تُستخدم فيها منهجيات حديثة وصارمة لتقييم هذه البقايا".

وأضافت إكرام في تصريحات لجريدة "ذا جارديان": "كانت هذه الممارسة قصيرة الأمد، حيث استبدل البشر بتماثيل صغيرة. ومن المحتمل أن بعض التابعين -أو جميعهم- اعتبروا ذلك ميزة ونعمة، معتقدين أنهم سينعمون بحياة أبدية في خدمة الملك المؤلَه، رغم أنه من الممكن أيضا أنهم شعروا بالاستياء والرعب وحاولوا الهروب من هذا المصير".

ثقافات وعصور مختلفة

وترى عالمة المصريات في جامعة سامفورد بولاية ألاباما الأمريكية دون ماكورماك أن "ممارسات مشابهة لتقديم القرابين البشرية حدثت في ثقافات وعصور مختلفة"، مضيفة: ليس بالضرورة أن يكون جميع الأشخاص في ذلك الموقع المصري قد تقبلوا الأمر طواعية. وإذا تأملت حقا كيف كانت ستبدو تلك المشاهد، فستجد أنها كانت مروعة للغاية.

الأستاذة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة سليمة إكرام
الأستاذة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة سليمة إكرام

وعلى الرغم من إشارتها إلى أن الدراسة اقتصرت على عدد قليل من الجماجم المستخرجة من موقع الدفن، إلا ماكورماك تضيف: "أعتقد أن فكرة تعرض بعض هؤلاء الأشخاص للقتل العنيف هي أمر قد نتوقع حدوثه في الواقع".

الجريدة الرسمية