رئيس التحرير
عصام كامل

نتنياهو صانع فقاعة الأوهام، "نيويورك تايمز": وعد الإسرائيليين بالأمان.. وحروبه جعلتهم أسرى للخوف الدائم.. وجرائمه في غزة والضفة الغربية كشف زيف رهاناته

رئيس الوزراء الإسرائيلي
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
18 حجم الخط

لعل أفضل مكان لمتابعة الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة هو سطح قصر في مدينة "أرجوس"؛ هناك تبدأ مسرحية "أجاممنون" للكاتب إسخيلوس -وهي العمل الأول في ثلاثية "الأوريستيا"- بمشهد حارس يترقب إشارة ضوئية تعلن سقوط طروادة. وتأتي كلماته الأولى: "ابتهل للآلهة أن تريحني من عنائي، وأن تضع حدا لهذه المراقبة التي أؤديها طوال العام". إنه لا يطلب المزيد من الأخبار، بل يطلب أن تنتهي مهمة المراقبة ذاتها.

بتلك العبارات يبدأ الكاتب والمحلل الإسرائيلي المتخصص في السياسة الخارجية يوناتان توفال مقاله على صفحات جريدة "ذا نيويورك تايمز" الأمريكية، مشيرا إلى أن الإسرئيليين يعيشون حالة من القلق الدائم في ظل سياسات الحروب التي تنتهجها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ويقول توفال: يعيش الإسرائيليون حالة مراقبة هذه لا تنتهي أبدا. فآخر ما يفعله المرء قبل النوم هو مد يده إلى الهاتف الموضوع بجوار السرير للاطلاع على الأخبار. وإذا استيقظ أثناء الليل، يعاود التحقق منه. وقبل احتساء قهوة الصباح، يبدأ اليوم من النقطة ذاتها: هل حدث شيء في إيران؟ هل أعلن عن استدعاء لقوات الاحتياط؟ ماذا فعلت الحكومة بينما كنت نائما؟

ويضيف: قبل عصر الهواتف الذكية، كانت نغمات التنبيه التي تسبق نشرة الأخبار الإذاعية كفيلة بإسكات ركاب حافلة بأكملها؛ فالأداة تغيرت، لكن العادة باقية. يترقب الإسرائيليون وقوع المتاعب تماما كما يترقب الناس في أماكن أخرى هطول المطر؛ غير أن أحدا لا يملك التحكم في الطقس.

مصير نتنياهو السياسي 

يربط توفال تلك الحالة بتداعيات ما جرى بعد 7 أكتوبر 2023، والانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر الجاري، مضيفا: سوف تحسم هذه الانتخابات مسألة المسؤولية عما جرى في ذلك اليوم، كما قد تحدد مصير نتنياهو السياسي. لكن في العمق، يبرز سؤال أكثر خصوصية: هل يستطيع الإسرائيليون استعادة تلك الميزة العادية المتمثلة في عدم الاضطرار لمراقبة حكومتهم طوال الوقت؟

حروب نتنياهو وجائم حربه جعلت جنود الاحتلال يعيشيون رعبا دائما
حروب نتنياهو وجائم حربه جعلت جنود الاحتلال يعيشيون رعبا دائما

ويجيب الكاتب: لم تخرج إسرائيل يومًا بشكل كامل من حالة التأهب؛ إذ لا تزال حالة الطوارئ التي أُعلنت في مايو 1948 قائمة. وهناك جانب عبثي في ​​حالة طوارئ وطنية بلغت من العمر ما يكفي ليكون لها أحفاد؛ فالإسرائيليون يواصلون أعمالهم وسط الحروب، ويخططون لعطلاتهم مع وضع تهديدات الصواريخ في الحسبان، ويعودون لتناول العشاء بعد الخروج من الملاجئ. تستمر الحياة، لكن حالة اليقظة لا تتوقف أبدا؛ حيث بات الإسرائيليون عاجزين عن التوقف عن المراقبة.

جرائم حكومة نتنياهو تطال الفلسطينين في غزة والضفة

يرى توفال أن هناك حدودا لحرية "عدم المشاهدة"، قائلا: قد يحق للإسرائيليين أخذ فترات من عدم الانتباه، لكن لا يحق لهم الجهل بما تفعله حكومتهم باسمهم. ففي غزة، قتل الجيش الإسرائيلي عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وأصاب أعدادا أكبر بكثير، وهجر معظم السكان. وفي الضفة الغربية، تقتل القوات الإسرائيلية الفلسطينيين وتصيبهم، وتداهم المنازل وتهدمها، وتغلق الطرق، وتخضع الحياة اليومية لنظام متقلب من نقاط التفتيش وتصاريح المرور. كما يشن مستوطنون مسلحون هجمات على الفلسطينيين، ويحرقون ممتلكاتهم، ويطردون مجتمعات بأكملها من أراضيها، في حين يقف الجنود متفرجين مرارا وتكرارا، بل ويشاركون أحيانا في أعمال العنف تلك.

ويقول: لطالما قدم نتنياهو نفسه على أنه "حارس الأمة"؛ إذ كان يقول إن الآخرين يقللون من شأن المخاطر، بينما يراها هو في الوقت المناسب. وقد لخص خطاب ألقاه عام 2014 ادعاء دأب على ترديده لعقود؛ ففي معرض تحذيره من البرنامج النووي الإيراني، تساءل عن سبب فشل القادة الذين سبقوا الهولوكوست في "رصد الخطر في الوقت المناسب". وقال إن علامات التحذير كانت واضحة للعيان، لكن الواقع كان "مغلفا بفقاعة من الأوهام". وكان المغزى الضمني -آنذاك وفيما تلا ذلك- هو أن بوسع الإسرائيليين الوثوق به ليرى ما لا يراه الآخرون.

نوم نتنياهو ليس وحده الكارثة

في 7 أكتوبر 2023، كان نتنياهو نائما. إن الدولة الحديثة مصممة لتبقى يقظة حتى أثناء نوم قائدها؛ لذا لم يكن النوم بحد ذاته هو موطن الفشل. وقد حمل نتنياهو قادة الأجهزة الأمنية مسؤولية عدم إيقاظه، قائلا: "لو أيقظوني، لكان كل شيء مختلفا".

اجتماع قادة المعارضة الإسرائيلية الخمسة بهدف إسقاط نتنياهو في انتخابات 27 أكتوبر
اجتماع قادة المعارضة الإسرائيلية الخمسة بهدف إسقاط نتنياهو في انتخابات 27 أكتوبر

غير أن تقارير حديثة تزيد هذا الدفاع تعقيداا، بحسب الكاتب، مضيفا:  رد جادي آيزنكوت -المنافس الرئيسي لنتنياهو في الانتخابات والرئيس السابق لأركان الجيش الإسرائيلي- على الشكوى المتعلقة بعدم إيقاظه من النوم بعبارة موجزة: "من الذي فشل في إيقاظ من؟"

نتنياهو وصناعة فقاعة الأوهام 

ويقول توفال: حصلت الاستخبارات الإسرائيلية على خطة حماس المفصلة للاجتياح قبل أكثر من عام، ورصدت لاحقا تدريبات تحاكي أجزاء منها. غير أن الخطأ الأعمق كان استراتيجيا؛ إذ تعاملت حكومات نتنياهو لسنوات مع حكم حماس في غزة باعتباره أمرا يمكن احتواؤه. ورأت في التنافس بين حماس والسلطة الفلسطينية مصلحة استراتيجية. لقد كانت "فقاعة الأوهام" تلك من صنع نتنياهو أيضا؛ فلا جدوى من المراقبة إذا كانت الحكومة عاجزة عن اختبار افتراضاتها، ومراجعة استراتيجيتها، والتحرك بناء على ما تعرفه.

ويضيف: لقد تمحور وعد نتنياهو الرئيسي حول كونه الوحيد القادر على ضمان أمن الإسرائيليين، إلا أن الكارثة ذاتها تحولت إلى سبب حال دون رحيله؛ فالحرب أدت إلى تأجيل التحقيق، وحالة الطوارئ جعلت فكرة استقالة نتنياهو تبدو تصرفا غير مسؤول، مما أتاح تأجيل الانتخابات وإرجاء المساءلة إلى وقت لاحق.

يقول توفال: إن حالة الطوارئ التي تعيشها إسرائيل منذ عام 1948 سابقة لعهد نتنياهو وستستمر لما بعد رحيله؛ فلا يمكن لأي انتخابات أن تنهي حالة اليقظة والحذر التي تفرضها المخاطر المحدقة بالبلاد. ومع ذلك، يظل بوسع المواطنين أن يقرروا ما إذا كان ينبغي عليهم إخضاع حكومتهم أيضا لرقابة دقيقة ومستمرة، ساعة بساعة.

ويؤكد الكاتب أنه مهما كانت نتائج الانتخابات الإسرائيلية القادمة، إلى أنه "في صباح الثامن والعشرين من أكتوبر - ومهما كانت النتائج – سوف يسارع الإسرائيليون إلى تفقد هواتفهم قبل احتساء القهوة؛ وسيتعين على الحكومة التي ستتشكل أن تستحق الحق في ألا تكون محط أنظارهم لبضع ساعات متواصلة.

  • الفيدويو المرفق يوضح عجز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تصديق رواية نتنياهو حول حادثة الطائرة فلاي دبي
الجريدة الرسمية