رئيس التحرير
عصام كامل

واشنطن تعيش وهم الهيمنة البحرية.. اتساع الفجوة في القوة بين الولايات المتحدة والصين.. تقرير أمريكي: البنتاجون يحتاج 65.8 مليار دولار لتعزيز أسطوله العسكري في مواجهة بكين

فجوة بحرية متزايدة
فجوة بحرية متزايدة بين الصين وأمريكا- صورة بالذكاء الاصطناعي
18 حجم الخط

تواجه الولايات المتحدة تناقضا لافتا؛ فبينما ترفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شعار "الهيمنة البحرية"، تكشف لغة الأرقام تراجعا حادا في حصة واشنطن من صناعة بناء السفن التجارية، فيما تواجه البحرية الأمريكية تحديات متزايدة في بناء السفن الحربية وصيانتها وتأخر تسليم قطع بحرية كان من المفترض أن تحتل مكانة بارزة في الأسطول الأمريكي.

وفي المقابل، تحولت بكين، على مدى السنوات الماضية، إلى القوة الأكبر عالميا في هذا القطاع؛ حيث تجمع بين بناء السفن التجارية والعسكرية ضمن منظومة صناعية واحدة تمنح أحواضها مزايا تكنولوجية ضخمة، وإمكانيات إنتاجية كبيرة، وقدرة هائلة على خفض التكاليف.

مصنع باث آيرون ووركس الذي يتولى بناء المدمرات البحرية الأمريكية
مصنع باث آيرون ووركس الذي يتولى بناء المدمرات البحرية الأمريكية

وبحسب تقرير نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي، فقد اعتمدت واشنطن على الدعم الحكومي وتعويض فارق تكاليف البناء، باعتبارها إحدى الأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة تاريخيا للحفاظ على وجودها في السوق العالمية لصناعة السفن، وهو أمر سيكون من الصعب تحقيقه حاليا، على الرغم من اعتقاد بعض المراقبين أن "كلفة عدم التحرك الأمريكي قد تكون أكبر، لأن تراجع صناعة بناء السفن لا يعني خسارة سوق تجارية فحسب، وإنما يضعف إحدى الركائز الصناعية التي تحتاج إليها واشنطن إذا أرادت أن يكون لها حضور بحري عالمي".

وبلغة الأرقام، لا تتجاوز حصة الولايات المتحدة من بناء السفن التجارية العالمية 0.1%، في حين تسيطر  الصين على أكثر من 50% من إنتاج السفن التجارية عالميا، وتستحوذ دولتان أخريان فقط -هما اليابان وكوريا الجنوبية- على معظم النسبة المتبقية.

مأزق الهيمنة البحرية الأمريكية

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للسفن العسكرية، حيث تواجه البحرية الأمريكية تحديات خطيرة في حال اندلاع مواجهة كبرى مع الصين، بسبب ضعف القاعدة الصناعية لبناء السفن الحربية وتأخر برامج التحديث، مضيفة أن "البحرية الأمريكية، رغم قوتها، تواجه تحديات في الصيانة والإصلاح وبناء السفن، في وقت تمتلك فيه الصين أكبر أسطول بحري من الناحية العددية في العالم (841 قطعة بحرية)، مدعوما بقدرات صناعية بحرية تفوق نظيرتها الأمريكية والتي تأتي في المرتبة الثالثة بـ465 قطعة بحرية، بينما تحل روسيا في المرتبة الثانية بـ747 قطعة بحرية، وفق تصنيف "جلوبال فاير باور" لتقييم القوة العسكرية التقليدية لجيوش العالم، مع ملاحظة أن هذا التقييم لا يمثل –بالضرورة- مقارنة مباشرة لحجم القوة القتالية أو القدرات البحرية لكل قطعة بحرية بمفردها.

وبحسب بيانات مكتب المحاسبة الحكومية الأمريكي، فإن عدد سفن الأسطول الأمريكي ظل شبه ثابت لأكثر من عقدين، في ظل وجود نحو 290 سفينة قتالية جاهزة للنشر، على الرغم من ميزانية بناء السفن العسكرية الأمريكية من 27.2 مليار دولار في 2026 إلى تقريبا نحو 65.8 مليار دولار –طلبها البنتاجون- للسنة المالية 2027.

تأخيرات في تسليم السفن الأمريكية تمتد لـ3 سنوات

وأضاف المكتب الذي يعد الجهة الرقابية للكونجرس أن "تسليم السفن الأمريكية الجديدة يشهد تأخيرات تتراوح بين 8 و38 شهرا، بما في ذلك الغواصات التي تمثل إحدى أبرز نقاط القوة الأمريكية في مواجهة القوى المنافسة"، وأن التأخيرات شملت غواصات "كولومبيا" النووية الحاملة للصواريخ الباليستية، وغواصات "فيرجينيا" الهجومية، إضافة إلى حاملات الطائرات من فئة "فورد" ومدمرات "أرلي بيرك".

يحذر موقع
يحذر موقع "ميلتاري ووتش" من تراجع القدرة الإنتاجية الأمريكية فيما يتعلق بأسطول الغواصات

وبحسب موقع "ميلتاري ووتش" الأمريكي المتخصص في الشؤون العسكرية، من المتوقع –أيضا- تراجع القدرة الإنتاجية الأمريكية فيما يتعلق بأسطول الغواصات، مع قدرة أحواض بناء السفن في الولايات المتحدة على بناء 1.2 غواصة هجومية فقط سنويا.

ارتفاع تكلفة بناء السفن الأمريكية

ويضيف التقرير الذي أعده الباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون البحرية جاك باروتشا: تعد فكرة أن الولايات المتحدة امتلكت يوما ما صناعة لبناء السفن التجارية تهيمن على السوق مفهوما تاريخيا خاطئا. فعلى الرغم من أن سفن "ليبرتي" و"فيكتوري"، التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية بنيت بسرعة وبأعداد هائلة، إلا أن ذلك كان نتاجا لاستثمارات حكومية ضخمة وليس لقوى السوق. وبعد الحرب، تراجعت حصة الولايات المتحدة في سوق بناء السفن التجارية بسرعة؛ بل إن صناعة بناء السفن الأمريكية لم تزدهر قط -منذ ظهور السفن الفولاذية- دون تدخل فيدرالي.

حافظت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية على حصة تبلغ 5% من السوق العالمية لبناء السفن التجارية بفضل إعانات مالية صممت لتعويض التكاليف المرتفعة للبناء المحلي.

تكلفة بناء سفينة في الولايات المتحدة تزيد بنحو 60% عن تكلفتها في اليابان
تكلفة بناء سفينة في الولايات المتحدة تزيد بنحو 60% عن تكلفتها في اليابان

وعندما ألغت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان هذه الإعانات المخصصة لتعويض فارق تكلفة البناء في عام 1981، انخفضت القدرة الإنتاجية وأعداد السفن المبنية بسرعة، بحسب "ذا ناشيونال إنترست".

وفي ذلك الوقت، كانت تكلفة بناء سفينة في الولايات المتحدة تزيد بنحو 60% عن تكلفتها في اليابان. أما بحلول عام 2026، فقد أصبحت تكلفة السفينة المصنوعة في الولايات المتحدة تعادل ما بين ضعفين وأربعة أضعاف تكلفة السفينة المماثلة المصنوعة في الصين، وفق جاك باروتشا.

توسع عسكري صيني

وتتيح هيمنة الصين على هذه الصناعة –بحسب التقرير- توجيه مكاسب تجارية هائلة وأرباح دولية مباشرة نحو التوسع العسكري. فمن خلال بناء السفن التجارية والبحرية، تتمكن شركات بناء السفن الصينية المملوكة للدولة الصينية أو المدعومة منها- من تعويض تكاليف الإنتاج العسكري عبر طلبيات تجارية لا تستطيع الولايات المتحدة مجاراتها.

حاملة الطائرات الصينية الثالثة
حاملة الطائرات الصينية الثالثة "فوجيان"

كما يسمح بناء السفن التجارية للشركات الصينية المصنعة بتطوير أساليب إنتاج أكثر كفاءة يمكن نقلها وتطبيقها في مجال بناء السفن الحربية، كما هو الحال بالنسبة لشركة بناء السفن الحكومية الصينية "سي إس إس سي"، التي تبني كلا من السفن الحربية والسفن التجارية للسوق العالمية، ويسمح للمشترين الأجانب بتمويل عمليات بناء السفن لصالح بحرية الجيش الصيني، ويتيح توظيف الكفاءات والتقنيات المطورة في السوق التجارية في عمليات بناء السفن الحربية.

ويضيف التقرير: تبلغ تكلفة بناء سفينة حاويات بسعة 3600 حاوية نمطية في حوض بناء السفن التابع لشركة "هانوا" في فيلادلفيا حوالي 330 مليون دولار في العام الحالي 2026، في حين أن تكلفة سفينة صينية مماثلة تبلغ 60 مليون دولار فقط. 

مطالب مالية لدعم الأسطول الأمريكي

ولجعل السفينة المصنوعة في أمريكا منافسة من حيث التكلفة، سيتعين على إدارة ترامب -في البداية- تقديم دعم مالي بقيمة 270 مليون دولار لكل سفينة. ويرى البعض أن هذه التكلفة باهظة للغاية، خصوصا في ظل العجز المالي، وفق "ذا ناشيونال إنترست".

ويقول جاك باروتشا: إن الدولة التي تعجز عن بناء سفن تجارية تعجز أيضا عن بناء سفن حربية، والدولة التي لا تستطيع بناء سفن حربية لا يمكنها تشكيل قوة بحرية للدفاع عن تجارتها البحرية؛ والدولة التي تفتقر إلى هذه القدرات لا يمكنها الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى لفترة طويلة. 

ويشير التقرير إلى أن نحو 80% من التجارة العالمية تجري عبر البحر، و60% من إجمالي التجارة الأمريكية (من حيث الحجم) تعتمد على الممرات المائية؛ لذا فإن الدولة المعزولة عن البحر لا يمكنها أن تأمل في ممارسة تجارة واسعة النطاق للسلع أو نشر قواتها العسكرية في الخارج للقيام بمهام استكشافية أو عملياتية بعيدة المدى.

خيبة الآمال الأمريكية أمام الواقع 

ويخلص جاك باروتشا إلى أن "السعي الأمريكي وراء وهم امتلاك الهيمنة البحرية سيؤدي إلى تضخيم التوقعات، وعندما تخيب الآمال أمام الواقع -وهو أمر حتمي- ستواجه واشنطن رد فعل سياسي معاكس".

ويضيف: لا تحتاج الولايات المتحدة إلى التفوق المطلق لجني ثمار قطاع حيوي لبناء السفن التجارية؛ إذ يكفيها العودة إلى نهجها المعهود المتمثل في تقديم الدعم الحكومي. فمن خلال استهداف حصة سوقية تبلغ 5% -على غرار ما فعلته سابقا عبر نظام دعم تعويض فارق تكاليف البناء- يمكن للولايات المتحدة إعادة بناء القاعدة الصناعية اللازمة لدعم أسطول بحري عالمي. وعلى الرغم من أن هذا الأمر سيكون مكلفا، إلا أن عدم دفع الولايات المتحدة لثمن الجاهزية البحرية اليوم سيجبرها حتما على دفع ثمن باهظ للغاية في المستقبل.

الجريدة الرسمية