رئيس التحرير
عصام كامل

حين صار الصليب آخر ما تركته لتلميذها، حكاية القديسة ثاؤبستي التي اختارت طريق الرهبنة

الكنيسة الأرثوذكسية
الكنيسة الأرثوذكسية
18 حجم الخط

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديسة ثاؤبستى، التي ارتبطت سيرتها بحياة من الزهد والتقشف والعبادة، وبقصة حملت في تفاصيلها مشهدا روحيا لافتا بين القديسة وأسقف نقيوس القديس الأنبا مقاريوس.

وبحسب السيرة المتداولة للقديسة، كانت ثاؤبستى قد تزوجت ورزقت بابن واحد، ثم توفي زوجها وهي في ريعان شبابها، فاختارت أن تكرس ما تبقى من حياتها للعبادة، وبدأت تمارس حياة روحية قائمة على الصوم والصلاة والمطانيات والزهد.

ومضت القديسة إلى الأب القديس الأنبا مقاريوس، أسقف نقيوس، التي تُذكر في سيرتها بأنها زاوية رزين بالمنوفية، وسألته أن يصلي عليها ويلبسها الإسكيم الرهباني، إلا أن الأسقف طلب منها أن تختبر نفسها لمدة عام، ووعدها بأن يلبسها ثوب الرهبنة بعد انقضاء هذه المدة.

وعادت ثاؤبستى إلى منزلها، وأغلقت على نفسها بيتا صغيرا، ولم تجعل له سوى طاقة صغيرة، بينما كان ابنها، الذي بلغ الثانية عشرة من عمره، يتولى احتياجاتها. وانطلقت في حياة شديدة الزهد والتقشف، حتى انقضى العام الذي طلب منها الأسقف أن تختبر خلاله نفسها.

لكن الأنبا مقاريوس نسي ما سبق أن وعد به القديسة، إلى أن رآها في رؤيا بهيئة مضيئة، وقالت له: «يا أبي، كيف نسيتني إلى الآن، وأنا سوف أتنيح في هذه الليلة».

وفي الرؤيا، رأى الأسقف نفسه يقوم ويصلي عليها صلاة الرهبنة ويلبسها الإسكيم، ولما لم يجد قلنسوة وضع عليها قلنسوته التي كانت فوق رأسه، ثم وشحها بالإسكيم المقدس، وأمر تلميذه بعد ذلك أن يأتيه بقلنسوة أخرى.

وتروي السيرة أن القديسة كانت تحمل صليبا من الفضة، فناولت الأسقف إياه قائلة: «أقبل يا أخي من تلميذتك هذا الصليب»، ثم استيقظ الأسقف من نومه ليجد الصليب في يده، فتأمله وتعجب من جمال صنعه، ومجد الله.

ومع بزوغ الصباح، توجه الأنبا مقاريوس وتلميذه إلى منزل ثاؤبستى، فوجدا ابنها في حالة من البكاء الشديد. وعندما سأله الأسقف عن السبب، أخبره أن والدته استدعته في منتصف الليل وودعته، وأوصته قائلا إن عليه أن ينفذ كل ما يشير به الأسقف، ثم أخبرته بأنها ستتنيح في تلك الليلة وتمضي إلى السيد المسيح.

وتوجه الأسقف إلى باب القديسة وقرعه، لكنه لم يتلق جوابا. وعندها أدرك أن ما رآه في الرؤيا قد تحقق، فأمر تلميذه بفتح الباب.

ودخل الأسقف ليجد ثاؤبستى قد أسلمت الروح، وهي متشحة بالإسكيم نفسه الذي رآها به في الرؤيا، وترتدي القلنسوة التي كان يضعها على رأسه. فاغرورقت عيناه بالدموع، وسبح الله ومجده، ثم كفنها كما جرت عادة الرهبان، واستدعى الكهنة، وحُمل جسدها إلى الكنيسة حيث أقيمت الصلوات عليها بإكرام.

وتربط السيرة بين نياحة القديسة ووقائع شفاء نسبت إلى جسدها بعد رحيلها، إذ تذكر أن رجلا وثنيا كان مقعدا ويعاني من أرواح شريرة، سمع ترتيل الكهنة أثناء تشييع القديسة، فطلب من أهله أن يحملوه إلى حيث جسدها.

وبحسب الرواية، اقترب الرجل من الجسد بإيمان فشُفي في الحال، وخرج منه الشيطان، ثم آمن بالمسيح هو وأهل بيته، وقام الأنبا مقاريوس بتعميدهم.

وتضيف السيرة أن أخبار الشفاء انتشرت، وأصبح المرضى وأصحاب العاهات يقصدون الكنيسة ويلمِسون جسد القديسة، وأن عددا منهم نالوا الشفاء، حتى بلغ خبر تلك الوقائع الوالي، الذي آمن بالمسيح هو وعدد كبير من أهل المدينة، ثم حضر إلى الكنيسة وحمل جسد القديسة ودفنه بإكرام.

وتبقى سيرة ثاؤبستى، في الذاكرة القبطية، حكاية امرأة بدأت حياتها كزوجة وأم، ثم اختارت بعد رحيل زوجها طريقا مختلفا، فوهبت سنواتها الأخيرة للصلاة والزهد، وارتبط اسمها برواية روحية امتزج فيها الفراق بالأمل، وكان الصليب آخر ما ظهر في قصتها قبل أن تترك العالم وتمضي، بحسب الإيمان المسيحي، إلى المسيح.

الجريدة الرسمية