مهزلة العمامة والقنبلة، قصة الرسوم المسيئة للنبي التي كبدت الدنمارك خسائر بملايين الدولارات
في الثلاثين من سبتمبر عام 2005، لم تكن إدارة تحرير صحيفة يولاندس بوستن الدنماركية، تتوقع أن بضعة رسوم كاريكاتيرية ستتحول في غضون أسابيع إلى أكبر زلزال دبلوماسي وشعبي يشهده الغرب والعالم الإسلامي منذ العقود الأخيرة. 12 رسمة ساخرة، كان أبرزها وأكثرها استفزازًا رسم يظهر النبي محمد وهو يرتدي عمامة على شكل قنبلة فتيلها مشتعل، كانت كفيلة بإشعال عاصفة من الاحتجاجات، ومقاطعة اقتصادية غير مسبوقة، وأزمة حرية تعبير أربكت الحكومة الدنماركية والعواصم الغربية سنوات طويلة.
كيف بدأت القصة؟
بدأت القصة عندما اشتكى محرر الشؤون الثقافية في الصحيفة، فليمنغ روز مما أسماه الرقابة الذاتية والتخوف الذي يبديه قطاع الفنون والإعلام الغربي عند التعاطي مع رموز الإسلام، بعدما واجه أحد الكتاب الدنماركيين صعوبة في العثور على رسام يجرؤ على رسم توضيحي لكتاب أطفال عن حياة النبي.
أثر ذلك، وجهت الصحيفة دعوة مفتوحة لـ 40 رسام كاريكاتير دنماركيًا لرسم تصورهم لشكل النبي كما يرونه. استجاب للدعوة 12 رسامًا، كان من بينهم كورت فيسترجارد صاحب رسمة "العمامة والقنبلة"، ونُشرت الرسوم تحت عنوان "وجه محمد" لتنطلق شرارة الاحتجاجات.
رحلة الغضب من الرسوم المسيئة للرسول
في البداية، حاولت القيادات الإسلامية في الدنمارك التواصل مع إدارة الصحيفة والحكومة الدنماركية برئاسة رئيس الوزراء آنذاك أندرس فوغ راسموسن، فيما تقدم سفراء 11 دولة إسلامية بطلب رسمي للقاء راسموسن لمناقشة تداعيات النشر ومطالبة الصحيفة بالاعتذار، إلا أن راسموسن رفض اللقاء بحجة أن حرية الصحافة مقدسة ولا تتدخل فيها الحكومة.
وهذا الرفض أجج الأزمة؛ حيث طاف وفد من أئمة الدنمارك عدة عواصم عربية وإسلامية لاطلاهم على أبعاد القضية، لتتحول الأزمة من قضية محلية إلى طوفان غضب عارم، وشهدت المنتجات الدنماركية خاصة ألبان وأغذية الشركات الكبرى مثل "آرلا" مقاطعة شعبية كاسحة في الشرق الأوسط والدول الإسلامية، وأسفرت عن خسائر طالت مئات الملايين من الدولارات.
وفي أوائل عام 2006، خرجت تظاهرات غاضبة في القاهرة، دمشق، بيروت، إسلام آباد، وجاكرتا، أسفرت عن إحراق سفارتي الدنمارك والنرويج في دمشق والقنصلية الدنماركية في بيروت، وسقوط عشرات الضحايا في صدامات أمنية بمناطق متفرقة.
حرية التعبير أم خطوط حمر؟.. معركة المفاهيم
قسمت الأزمة الرأي العام العالمي إلى معسكرين حادين، الموقف الغربي اعتبر أن نشر الرسوم يتنزل تحت مظلة "حرية التعبير وحرية الصحافة المطلقة" التي لا يخضع معها أي رمز ديني للمصادرة أو الحماية الخاصة، وساندت صحف أوروبية وعديدة منها صحف فرنسية وألمانية ونمساوية الصحيفة الدنماركية عبر إعادة نشر الرسوم إعلانًا للتضامن.
أما الموقف الإسلامي، فشدد على أن المقدسات الدينية والأنبياء خط أحمر، وأن الاستهزاء بها يندرج تحت طائلة خطاب الكراهية، والتجديف، والإسلاموفوبيا، ولا علاقة له بالنقد البناء أو حرية الرأي.
ولم تنتهِ أزمة الرسوم بمرور الأيام؛ بل تحولت إلى ملف أمني شديد الحساسية، حيث تعرض الرسام كورت فيسترجارد لمحاولات اغتيال متعددة، أبرزها في عام 2010 عندما اقتحم شاب صومالي منزله وهو يحمل فأسًا وسكينًا، وظل الرسام يعيش تحت حراسة أمنية مشددة حتى وفاته عام 2021، كما تعرضت مقر صحيفة يولاندس بوستن ومحرروها للعديد من التهديدات الأمنية ومخططات الاقتحام التي أحبطتها الاستخبارات الدنماركية، كما كانت أزمة الرسوم إحدى الذرائع والشرارات التي أدت لاحقًا إلى الهجوم الشرس على مجلة "شارلي إبدو" الفرنسية عام 2015 بعد إعادتها نشر تلك الرسوم.
