رئيس التحرير
عصام كامل

رفعت فياض يكتب: الجمع بين رئاسة الجامعتين الحكومية والأهلية ينذر بالخطر.. وعلامات استفهام حول أجور ودخول بعض رؤساء الجامعات

رفعت فياض، فيتو
رفعت فياض، فيتو
18 حجم الخط

فور أن بدأت فكرة إنشاء الجامعات الأهلية في مصر- والتي بدأت بالجامعات الأهلية الدولية الأربع المستقلة وهي: الجلالة، والملك سلمان، والعلمين، والمنصورة الجديدة- بدأنا نتوسع في إنشاء هذه الجامعات الأهلية بعد أن كان هناك توجه عام من الدولة أن تكون لكل جامعة حكومية ظهير لها من جامعة أهلية بمصروفات، بهدف إتاحة الفرصة لأبناء الطبقة المتوسطة لتلقي التعليم بعيدًا عن لهيب أسعار الجامعات الخاصة

 

 وأن تكون هذه الجامعات الأهلية قائمة على فكرة البرامج التطبيقية غير الموجودة بالجامعات الحكومية الأم، وأن تكون تخصصاتها متفقة واحتياجات سوق العمل الجديدة والمستحدثة، وأن تستفيد من إمكانات الجامعات الحكومية الأم عبر تعظيم الاستفادة من الإمكانات المادية والبشرية بها في خدمة هذه الجامعات الأهلية الحكومية بمصروفات. 

 

وبذلك نكون قد أغلقنا أيضًا باب السفر للخارج أمام كل من يريد من الطلاب أن يستكمل تعليمه الجامعي إذا فشل في الملتحق بالجامعات الحكومية ذات الحد الأدنى المرتفع أو الجامعات الخاصة ذات المصروفات العالية التي تلهب ظهور الجميع، بالإضافة إلى عدم تعرضه للغربة ومخاطرها التي لا تنتهي، واستنزاف موارد مالية ضخمة من العملة الصعبة، مع خطورة ألا يعود لنا هذا الشاب مرة أخرى بعد أن يذوب في هذه المجتمعات الغربية ذات العادات والتقاليد المختلفة عن عاداتنا وثقافتنا.

فلسفة التوسع بالجامعات الأهلية

ومن هنا اهتمت الدولة بالتوسع في إنشاء هذه الجامعات الأهلية الحكومية بمصروفات والتي خرجت من رحم الجامعات الحكومية. لكن من المؤكد أن فلسفة الجامعات الحكومية تختلف عن فلسفة إنشاء الجامعات الأهلية، برغم تشابه مسمى الجامعة في العديد من الجوانب، كما يقول د. فتحي الشرقاوي، أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس ونائب رئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا السابق. 

 

ويكفي طرح بعض منها كما يقول: فالجامعات الحكومية والجامعات الأهلية تعمل في أطر تنظيمية مختلفة؛ لأن الجامعات الحكومية تخضع لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، بينما تخضع الجامعات الخاصة والأهلية لإطار قانوني وتنظيمي مختلف، الأمر الذي يجعل جمع رئيس واحد لهما محفوفًا بالمخاطر.

ويتصدر هذه المخاطر بالقطع تضارب المصالح؛ فقد يتخذ رئيس الجامعة الحكومية مثلًا قرارات أو يشارك في قرارات تتصل بالتعليم العالي أو الموارد أو البرامج أو التعاون المؤسسي، وفي الوقت نفسه تكون له مسؤولية مباشرة عن جامعة أهلية لها مصالح مختلفة، وهنا تظهر مشكلة تعارض الأدوار حتى ولو لم يحدث تعارض فعلي في المصالح. كذلك لا ينبغي إغفال ظاهرة التشتت الإداري في قيادة الجامعتين الحكومية والأهلية؛ لأن رئاسة جامعة واحدة وظيفة شديدة التعقيد (مجالس، وكليات، ومستشفيات، وأبحاث، وطلاب، وأعضاء هيئة تدريس، وميزانيات، واعتماد، وجودة، وعلاقات مع الوزارة والمجلس الأعلى للجامعات).

وبالتالي، يصبح جمع شخص واحد لرئاسة جامعتين في وقت واحد أمرًا قد يترتب عليه تقليص الوقت الفعلي المتاح لكل منهما، مع كل ما يترتب على ذلك من ضعف المتابعة اليومية؛ فالجامعة لا تُدار فقط -والحديث ما زال على لسان د. فتحي الشرقاوي- بالاجتماعات والقرارات الكبرى، لأن جانبًا كبيرًا من نجاحها يعتمد على المتابعة اليومية والتعامل السريع مع المشكلات. كما أن وجود رئيس واحد لجامعتين قد يدفع عمليًا إلى الاعتماد بصورة أكبر على النواب والمساعدين، وهو ما قد يخلق فجوة بين الرئيس والواقع التنفيذي.

كذلك قد يؤدي هذا الوضع إلى خلل في عدالة توزيع الموارد والاهتمام، حتى إذا لم توجد منافسة مباشرة بين الجامعتين. وهنا يمكن أن يظهر لنا سؤال بديهي: هل تحظى كل جامعة بالقدر نفسه من الوقت والاهتمام والجهد؟ وهذا سؤال مهم خاصة عندما تكون إحدى الجامعتين حكومية والأخرى جامعة أهلية؛ لأن طبيعة التمويل والبرامج وآليات الإدارة مختلفة.

كما أن رئاسة رئيس واحد للجامعتين قد تنذر بخطر تحويل المنصب إلى مركز نفوذ شخصي، وليس المقصود هنا -لا سمح الله- اتهام شاغل المنصب بذلك، وإنما الحديث عن خطر مؤسسي؛ فالجمع بين موقعين قياديين كبيرين قد يؤدي إلى تركيز قدر غير معتاد من السلطة في يد شخص واحد، خصوصًا إذا امتدت صلاحياته إلى مجالس ولجان وقرارات مشتركة. ثم إن عملية الجمع سيترتب عليها صعوبة بناء قيادة ثانية مستقلة إذا ظل الرئيس نفسه في موقع القيادة العليا للجامعتين، وقد يتأخر إعداد قيادات بديلة مستقلة لكل مؤسسة، وهذا يضعف أحيانًا مبدأ استدامة المؤسسة بعيدًا عن الأشخاص.

انتقادات المجتمع الجامعي

وأضيف إلى ما جاء على لسان د. فتحي الشرقاوي أن ظاهرة الجمع بين رئاسة جامعتين حكومية وأهلية في وقت واحد -وإن كانت قد بدأت تتقلص قليلًا الآن بعد أن بدأنا نعين قيادات لعدد قليل من هذه الجامعات الأهلية- إلا أن معظمها ما زال يتولى رئاسته رئيس الجامعة الحكومية التابع لها هذه الجامعة الأهلية. وقد تسبب هذا في انتقاد معظم العاملين بالمجتمع الجامعي لهذه الظاهرة الفريدة من نوعها في العالم كله، وأصبحت توحي وكأنه ليس هناك قيادات أخرى جديدة ومستقلة تستطيع قيادة هذه الجامعات الأهلية.

 كما أتاح هذا الواقع التندر من جانب الكثيرين في المجتمع الجامعي بأن رئيس كل جامعة حكومية قد وضع يده في كل شيء خاص بهذه الجامعة الأهلية، على اعتقاد أنه قد يكون له نصيب بعد انتهاء فترة رئاسته للجامعة الحكومية في أن يتم اختياره مرة أخرى رئيسًا للجامعة الأهلية، وكأنه لم يكتف بمدتين كاملتين برئاسة الجامعة الحكومية، بل يريد أن يستكمل مشوار القيادة غير المحدد المدة في رئاسة الجامعة الأهلية التي يتغنى كل رئيس جامعة حكومية بأنه سهر الليالي من أجل ظهورها إلى النور من رحم جامعته. 

وبذلك لا نتيح مع استمرار هذه الظاهرة الفرصة لدماء جديدة وقيادات جديدة كي تتبوأ منصب رئاسة الجامعة الأهلية.

كما أن هذه الظاهرة قد فتحت المجال أيضًا لتساؤلات كثيرة وسط المجتمع الجامعي تقول: إذا كان رئيس الجامعة الحكومية قد يصل راتبه ومكافآته بالجامعة حاليًا إلى ما يوازي 35 ضعف الحد الأدنى للأجور وفقًا لقرار مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للجامعات في هذا الشأن 

وهو ما تسبب في زلزال شديد لم تنته آثاره حتى الآن في المجتمع الجامعي كله، خاصة بعد أن نُشر مؤخرًا عن كثير من رؤساء الجامعات أن إجمالي دخل رئيس الجامعة الحكومية من راتب ومكافآت مقابل رئاسته للجامعة الحكومية قد يصل إلى ثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه في السنة- فبدأ الكثيرون يتساءلون: إذا كان دخل رئيس الجامعة الحكومية قد يصل إلى هذا الرقم كل سنة، فكم يكون دخله من الجامعة الأهلية الأخرى التي يترأسها ولا تخضع لحسابات الجامعات الحكومية؟

يا سادة، أرجوكم صححوا هذه الأوضاع، واجعلوا للجامعات الأهلية المتبقية قياداتها المستقلة عن الجامعة الأم مثلما حدث في عدد قليل من هذه الجامعات الأهلية حتى الآن، حتى تنطلق هذه الجامعات بنفس قوة الجامعة الحكومية الأم، ولا يحدث تضارب في الاختصاصات بينهما، ولا نفتح بابًا للشيطان في الجمع بين رئاستيهما الحكومية والأهلية.. اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

الجريدة الرسمية