رئيس التحرير
عصام كامل

أشرف سيد يكتب: الأسبوع الثاني في طرة البلد.. الحصر مستمر والدموع لا تتوقف.. بيوت ومحلات وأرزاق وذكريات معلقة.. وقلق لا يعرف الأهالي كيف ينتهي !!

أشرف سيد، فيتو
أشرف سيد، فيتو
18 حجم الخط

دخلت أعمال الحصر في طرة البلد أسبوعها الثاني، لكن الحصر هذه المرة لا يتم فقط للبيوت والعقارات والمحلات.. هناك شيء آخر يتم حصره يوميًا، وإن كان لا يظهر في الأوراق ولا تسجله اللجان.

الدموع والقلق والخوف وحكايات عمر كامل بات مصيرها معلقا مجهولا

أيام طويلة مرت على الأهالي والدموع لا تتوقف والهموم تزداد، والقلق بات ضيفا دائمًا داخل البيوت.. وجوه كثيرة تغيرت ملامحها وأسر اعتادت أن تعيش يومها بشكل طبيعي أصبحت لا تفكر إلا في سؤال واحد لا تجد له إجابة حتى الآن: ماذا سيحدث غدا؟!

 

الناس لا تتحدث فقط عن أربعة جدران.. الناس تتحدث عن بيوت عاشوا فيها عشرات السنين وعن محلات كانت مصدر رزق، وعن حرف ومهن صغيرة أطعموا منها أبناءهم، وعن ذكريات لا يمكن نقلها في شاحنة أو تعويضها برقم مالي.

أصحاب الحرف والبائعون وأصحاب المحلات الصغيرة يعيشون هم أيضا في قلب الأزمة لأن فقدان المكان بالنسبة لهم يعني فقدان مصدر الدخل وربما بداية حياة جديدة لا يعرفون كيف يمكن أن تبدأ.

وفي طرة البلد لا تحتاج إلى كثير من الوقت حتى ترى آثار القلق على الوجوه.. نظرات شاردة حديث متكرر عن المستقبل وأحيانا، ودموع يحاول أصحابها إخفاءها لكنها تسبق الكلمات.

ومن بين هذه الوجوه يظهر الأستاذ ياسر يسري مدرس الفلسفة من ذوي الهمم، الذي يعيش على كرسيه المتحرك مع زوجته وابنته الصغيرة التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها.

ياسر ليس لديه مشروع كبير ولا وظيفة حكومية ينتظر منها راتبا ثابتا.. مصدر دخله الأساسي عدد محدود جدا من الطلبة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، إلى جانب محل بسيط يبيع أكياس البلاستيك بالكاد يوفر له قيمة الإيجار وبعض متطلبات الحياة.

رجل يحاول أن يعيش بما يملك ويواجه ظروفه بإرادة وصبر، لكن السؤال الذي يطارده اليوم أكبر من قدرته على الإجابة.. إذا تغير المكان.. إلى أين يذهب وكيف يبدأ من جديد، وكيف يستطيع رجل على كرسي متحرك أن يواجه أعباء حياة جديدة، بينما مصدر رزقه نفسه مرتبط بهذا المكان؟

وربما كان أكثر ما يؤلم في حكايته أن وراءه طفلة صغيرة وأسرة لا تملك رفاهية الانتقال من حياة إلى أخرى دون حساب.

الحكايات أكثر قسوة من أن تختصرها الكلمات

وفي صورة أخرى من صور طرة البلد يظهر الشقيقان محمد ورامي زعبلة صاحبا واحد من أشهر المقاهي في المنطقة.

اختارا العمل في المقهى بدلا من كثير من الوظائف، وصارا مع السنوات جزءا من المكان، وأصبح المقهى مصدر رزقهما الوحيد.

يعرفهما الأهالي بأخلاقهما وحسن معاملتهما وكرم ضيافتهما، ولم يكن المقهى بالنسبة لهما مجرد أربعة جدران وطاولات وكراسي، وإنما كان مشروع العمر ومصدر الرزق الذي بنيا عليه حياتهما.

والسؤال هنا ليس عن المقهى فقط، وإنما عن الرجلين اللذين أمضيا سنوات في العمل به إذا انتهى المكان أين يذهبان، ومن يعيد إليهما سنوات العمل والخبرة والزبائن والعلاقات التي صنعت مصدر رزقهما، وكيف يبدآن من الصفر بعد أن أصبح هذا المكان جزءًا من حياتهما؟

ثم تأتي أم محمد رضا تلك السيدة التي يبدو وكأنها تحمل هموم الدنيا كلها فوق رأسها.

ابنها سجين وابنتها مطلقة، ولديها سلمى حفيدة صغيرة تصفها الأسرة بأنها "زي القمر"، وزوجها خارج البلاد تاركا عليها مسؤوليات أسرة كاملة.

لا تملك إلا محل بقالة صغيرا تستخدمه أيضا في نقل بعض المساعدات إلى الأهالي إلى جانب معاناتها مع المرض.

امرأة تحمل فوق طاقتها، وتحاول رغم كل شيء أن تستمر.

فماذا يعني بالنسبة لها أن تفقد المكان الوحيد الذي تتحرك من خلاله وتدير منه حياتها، وكيف يمكن لأسرة بهذا الحجم من المسؤوليات أن تواجه المجهول؟!

وهناك الحاج مسعد الكهربائي الرجل الذي أفقده المرض القدرة على الحركة والعمل كما كان ويعول أسرة كبيرة، ولا يعرف مصدرا آخر للرزق سوى مهنته الحرة التي عاش منها سنوات طويلة.

بالنسبة للحاج مسعد المسألة ليست مجرد عنوان سكن.. إنها القدرة على العمل والقدرة على توفير احتياجات أسرة تعتمد عليه في وقت أصبح فيه المرض نفسه عبئا إضافيا.

أما أم هند ومصطفى فحكايتها أكثر قسوة من أن تختصر في كلمات قليلة.

لا تعرف في هذه الدنيا إلا مكانها البسيط والجلوس على المصطبة، وتلقي المساعدات التي تنفق منها على أبنائها من ذوي الدمج.

حياتها محدودة للغاية وقدرتها على الحركة والعمل محدودة وكل ما تملكه هو هذا المكان وهذه المساعدات التي تعينها على الاستمرار

فإذا تغير المكان كيف ستبدأ ومن سيحمل عنها أعباء الحياة الجديدة ومن يضمن ألا تتحول أسرة تعتمد على المساعدة أصلا إلى أسرة بلا مأوى ولا مصدر استقرار؟

هذه ليست حالات استثنائية في طرة البلد.. هذه مجرد نماذج قليلة من عشرات وربما مئات الحكايات التي تختبئ خلف الأبواب.

لكل أسرة مأساة، ولكل محل قصة

كل بيت له قصة كل محل وراءه صاحب أسرة.

كل ورشة وراءها يد تعمل لتطعم أطفالا

وكل بائع بسيط ربما يكون هو العائل الوحيد لأسرة كاملة.

وهناك كبار السن الذين عاشوا عمرهم في المكان، وهناك مرضى يحتاجون إلى البقاء قريبا من مصادر علاجهم، وهناك شباب بدأوا حياتهم للتو وهناك أسر لديها أطفال وذوو احتياجات خاصة وهناك أمهات يحملن وحدهن مسؤولية بيوت كاملة.

إنها ليست مجرد عملية حصر للعقارات.. إنها عملية حصر غير معلنة لأحلام وذكريات ومصادر رزق وأعمار كاملة.

ولذلك فإن أكثر ما يحتاجه الأهالي الآن ليس مزيدا من الشائعات ولا روايات مجهولة المصدر ولا صورا من خارج المكان ولا استغلالا سياسيا أو إعلاميا لمعاناتهم.

ما يحتاجه الناس ببساطة هو الحقيقة.

ماذا سيحدث.. هل البيوت الموجودة في خطوط أي مشروعات بالفعل أم لا؟!

ما طبيعة المشروع، إن كان هناك مشروع؟

وما مصير أصحاب المحلات والحرف ومصادر الرزق؟!

وكيف ستراعى الحالات الإنسانية والصحية وذوو الهمم والأسر الأكثر احتياجا؟!

وإذا كان هناك تطوير فهل يمكن أن يتم بما يحافظ على الناس ومصالحهم ووجودهم في المكان الذي عاشوا فيه؟!

أسئلة مشروعة

أسئلة مشروعة لا تطلب أكثر من الوضوح والطمأنينة.

فالناس في طرة البلد لا تريد أن تستيقظ ذات صباح لتكتشف أن بيتها الذي عاش فيه الأب والجد والأبناء أصبح مجرد رقم في كشف وأن محل رزقها أصبح مجرد مساحة على خريطة.

هنا تحديدا يجب أن يتوقف الجميع لحظة..

فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بما ستبنيه بعد إزالة القديم وإنما أيضا بما تفعله بالإنسان الذي عاش في المكان.

طرة البلد ليست حجارة فقط.. طرة البلد ناس.

ناس لها أعمار وذكريات وبيوت وأرزاق ومرضى وأطفال وكبار سن.

وراء كل باب حكاية ووراء كل محل أسرة، ووراء كل عين دامعة سؤال واحد يتكرر منذ بداية الحصر..
ولعل الإجابة التي ينتظرها الأهالي ليست صعبة..
هي فقط تحتاج إلى أن تصل إليهم بوضوح وبصدق وبمسؤولية؛ حتى لا يظل الأسبوع الثاني من الحصر أسبوعا آخر من الانتظار، والقلق، والخوف.

الجريدة الرسمية