أشرف سيد يكتب: طرة البلد بعد 10 أيام من الحصر.. لجنة لا تعرف لماذا تحصر؟.. والأهالي لا تعرف مصير بيوتها وتطلب التطوير واستمرارهم في الإقامة بمكانهم
عشرة أيام كاملة مرت على أعمال الحصر في طرة البلد.. عشرة أيام كان الأهالي خلالها ينتظرون إجابة واضحة عن مصير بيوتهم ومستقبل أسرهم.
بينما ظلت الصورة حتى كتابة هذه السطور شديدة الغموض بل إن المفارقة الأكبر أن اللجنة التي تقوم بأعمال الحصر نفسها وبحسب ما شاهدته خلال أحد أيام العمل لا تملك معلومات واضحة عن الهدف النهائي من هذا الحصر أو المشروع الذي يتم من أجله.
خلال يوم من أيام الحصر كنت شاهدا على ما يجري على الأرض وكانت اللجنة التي تدخل المنازل تضم أربعة أفراد من بينهم مسؤول من الحي ومسؤول من المحافظة ومسؤول من قسم شرطة المعادي وأحد أفراد المباحث.
ويقوم مسؤول المحافظة بمراجعة الأوراق والمستندات وتسجيل البيانات ثم يتم حصر المباني والشقق وتصويرها بالفيديو في مشهد يثير بطبيعة الحال قلق الأهالي خصوصا مع غياب المعلومات التي تشرح لهم ماذا سيحدث بعد انتهاء الحصر.
والأكثر إثارة للانتباه أن الحديث مع أعضاء اللجنة بحسب ما دار أمامي كشف أن مهمتهم محددة في تنفيذ الحصر بينما تفاصيل السبب النهائي أو التصور الكامل لما بعد الحصر ليست مطروحة أمامهم وهو أمر يزيد من حالة الحيرة لدى الأهالي الذين يرون لجانا تدخل بيوتهم وتصور العقارات وتسجل البيانات دون أن يجدوا إجابة شافية عن الصورة النهائية للمشهد
وفي اليوم الأول ظهرت مفاجأة أخرى عندما وصلت اللجنة إلى مبانى حديثة يتجاوز بعضها 11 دورا ويضم المبنى الواحد عشرات الشقق في مبنيين كبيرين وهو ما بدا أنه فرض واقعا جديدا على عملية الحصر قبل أن يستمر العمل بعد ذلك في عدد من المنازل القديمة حيث اقترب الحصر من نحو 40 منزلا مع استمرار باقي الأعمال تباعا.
المشهد على الأرض يعكس حتى الآن حالة من عدم وضوح التصور الكامل لما بعد الحصر فلا توجد أمام الأهالي صورة معلنة ومتكاملة بشأن البدائل السكنية أو التعويضات المالية أو إمكانية تطوير المنطقة مع بقاء الأهالي في أماكنهم وهي البدائل التي تشغل بال الأسر لأن كل أسرة لها ظروفها الخاصة وكل بيت وراءه قصة وحياة ومستقبل
ومع ذلك بدأت حالة من التفاؤل تظهر بين بعض الأهالي ليس لأن هناك قرارا معلنا انتهى إلى بقاء المنطقة أو إلغاء أي مشروع وإنما لأن غياب الصورة الكاملة وعدم وضوح الخطوات التالية جعل البعض يرى أن تنفيذ أي تصور على الأرض قد يواجه تحديات كبيرة خاصة في ظل تعدد المباني والوحدات والأسر وما يتطلبه ذلك من ترتيبات وبدائل وتعويضات وحوار مجتمعي واضح قبل الوصول إلى أي خطوة نهائية
أما الحديث عن الرحيل وترك المنطقة فيبدو أنه لا يحظى بقبول واسع بين الأهالي مع وجود عدد محدود من أصحاب العقارات الذين قد يرحبون بالبيع ومغادرة المكان وهي فئة لها حساباتها الخاصة خاصة أن ضعف القيمة الإيجارية لبعض العقارات يجعل البيع بالنسبة إلى أصحابها خيارا مختلفا عن الأسر التي تعيش في المنطقة وتخشى فقدان مساكنها واستقرارها ومصادر رزقها
ويبقى مطلب الأهالي بسيطا وواضحا.. يريدون أن يعرفوا الحقيقة كاملة وأن يفهموا ماذا يحدث ولماذا وما الذي سيترتب على الحصر وما البدائل المطروحة إن كان هناك مشروع يستلزم الإخلاء.
فالمعلومة الواضحة في مثل هذه الظروف ليست رفاهية وإنما وسيلة لتهدئة الناس ومنع الشائعات وفتح باب الحوار
رجال الشرطة
وفي وسط هذا المشهد يستحق رجال الشرطة المشاركون في أعمال الحصر الإشادة بما يقدمونه من تعامل هادئ ومحترم مع الأهالي وتوفير الغطاء الأمني اللازم والحفاظ على النظام وإتاحة مساحة للحوار بعيدا عن أي احتكاك أو توتر.
وعلى رأس هؤلاء رئيس وحدة مباحث المعادي المقدم أحمد مختار ومعاون المباحث محمود دياب حيث أصبح حضورهما اليومي وسط الأهالي لافتا من خلال تواجدهما المستمر ومتابعة ما يجري داخل البيوت وخارجها والتواصل مع الأهالي ورجال المحافظة والمساهمة في أن تتم الإجراءات بهدوء واحترام مع توثيق الممتلكات والحفاظ على حقوق المواطنين أثناء أعمال الحصر
ومن الإنصاف هنا التأكيد على أن دور رجال الأمن كما شاهدناه لم يكن في إرباك الأهالي أو الضغط عليهم وإنما في تأمين المشهد والحفاظ على الهدوء وهو دور مهم للغاية في مرحلة حساسة تحتاج إلى العقل والاحتواء أكثر مما تحتاج إلى التوتر
وبعد عشرة أيام من الحصر تظل الصورة النهائية غير مكتملة أمام الأهالي لا أحد يستطيع حتى الآن أن يقول لهم بصورة قاطعة ماذا بعد انتهاء اللجان من أعمالها ولا ما إذا كان الحصر مقدمة لمشروع تطوير أو إزالة أو إعادة تخطيط أو غير ذلك من السيناريوهات التي تتداولها الأحاديث.
والحقيقة أن طرة البلد لا تحتاج إلى المزيد من الغموض وإنما تحتاج إلى معلومة واضحة وحوار مباشر. الأهالي ليسوا ضد التطوير، ولا ضد مصلحة الدولة لكنهم يريدون أن يعرفوا أين يقفون من أي مخطط وماذا سيكون مصير بيوتهم وأسرهم وأعمالهم إذا كانت هناك خطوات قادمة
حتى الآن وبالبلدي الذي يفهمه الجميع.. ما حدش فاهم.. وما حدش عارف الحكاية رايحة على فين. سمك لبن تمر هندي والحيرة أصبحت أكبر من قدرة الأهالي على الاحتمال بينما المطلوب ببساطة أن تتحدث الجهة صاحبة القرار إلى الناس وتضع أمامهم الصورة كاملة حتى يعرف كل مواطن مصيره وتغلق أبواب الشائعات والتخمين وتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الوضوح والطمأنينة واحترام حق الأهالي في المعرفة
أما عن ردود أفعال الأهالي وما يدور بينهم من أحاديث حول البدائل فالصورة تبدو واضحة إلى حد كبير فكلما طرح احتمال توفير وحدات سكنية بديلة جاءت الإجابة من كثير من الأهالي بالرفض وكذلك الحال عند الحديث عن التعويضات المالية حيث يؤكدون أن مطلبهم الأساسي هو تطوير طرة البلد مع استمرارهم في الإقامة بمكانهم باعتبار أن المنطقة ليست مجرد مبانى وأسوار وإنما بيوت عاشوا فيها سنوات طويلة ومصالح وأعمال ومدارس وعلاقات اجتماعية لا يمكن اختزالها في وحدة سكنية بديلة أو مبلغ مالي
وفي المقابل هناك موقف سلبي نتمنى ألا يتكرر يتمثل فيما يتداوله بعض الأهالي عن محاولات من بعض أصحاب العقارات للتعامل مع سكان عقاراتهم باعتبارهم خارج حسابات أي تعويضات محتملة بل ووصل الأمر بحسب ما يردده الأهالي إلى محاولات مطالبة بعض السكان بإخلاء العقارات مع الحديث عن تحرير عقود لأبناء أصحاب العقارات المقيمين خارج المنطقة باعتبارهم قد يستفيدون مستقبلا من أي تعويضات.
وإذا صحت هذه الوقائع فهي أمور مؤسفة للغاية ولا تليق بظروف يعيش فيها الناس أصلًا حالة من القلق والخوف على بيوتهم ومستقبل أسرهم.
فالأزمة ليست مجالا للطمع أو استغلال خوف البسطاء ولا يجوز أن تتحول محنة الناس إلى صراع على التعويضات.. فحرام أن تتحول المسألة إلى موت وخراب ديار فوق ما يعانيه الأهالي بالفعل


