ليلة طرد المشير عامر من دمشق، كواليس ساعات الانفصال الأخيرة بين مصر وسوريا ورسالة ناصر الحزينة
في فجر الثامن والعشرين من سبتمبر 1961، اندفعت الشاحنات العسكرية من معسكر قطنا لتغلق مداخل دمشق بالدبابات؛ لتعلن النهاية المأساوية لأجرأ حلم سياسي شهدته المنطقة في القرن العشرين "الجمهورية العربية المتحدة"، اتحاد مصر وسوريا تحت علم واحد، وعاصمة مركزية في القاهرة تمسك بكل خيوط القرار. لكن لماذا انتهى أمر الجمهورية المتحدة في غضون ساعات على يد ثلة من الضباط، وكيف تحول العناق التاريخي بين القاهرة ودمشق إلى قطيعة ؟
مقدمات الوحدة بين مصر وسوريا، من دق الباب أولًا ؟
على عكس الشائع بأن القاهرة هي من فرضت رغبتها للتوسع شمالًا، فإن سوريا هي التي تسارعت خطواتها ونادت بالاندماج أولًا. في منتصف الخمسينيات، كانت دمشق تعيش حالة من السيولة السياسية الشديدة والغليان الدائم؛ فالصراع بين الأحزاب التقليدية، وتعاظم نفوذ الحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش، والضغوط الغربية المتزايدة عقب حلف بغداد عام 1955، جعلت البلاد على شفا حرب أهلية أو انزلاق نحو الفلك السوفيتي الكامل.
في تلك اللحظة الفارقة، وجد حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة ميشيل عفلق وصلاح البيطار، بالتوازي مع قيادات الجيش السوري وعلى رأسهم رئيس الأركان عفيف البزري، أن المخرج الوحيد لإنقاذ سوريا من التفكك أو الابتلاع هو الارتماء في أحضان القائد العربي الصاعد بقوة بعد السويس 1956 «جمال عبد الناصر».
في يناير 1958، طار وفد عسكري سوري مكون من 14 ضابطًا سرًّا إلى القاهرة دون علم رئيسهم الشرفي شكري القوتلي. جلس الضباط أمام عبد الناصر وطالبوه بوحدة اندماجية فورية. كان عبد الناصر في البداية متحفظًا، ويستحثهم على البدء بـ "اتحاد فدرالي" تدريجي يمتد لخمس سنوات لتهيئة المؤسسات والاقتصاد، إلا أن الضباط السوريين وضعوه أمام خيارين: "إما الوحدة الفورية، وإما سقوط سوريا في أيدي الشيوعيين أو الانقلابات المتلاحقة".
كواليس الإعلان، شروط ناصر للاندماج مع سوريا
أمام الإصرار السوري، وافق عبد الناصر ولكن بشروط حاسمة وقاسية اشترط فيها نفي الجيش كليًا عن السياسة، وحل جميع الأحزاب السياسية في سوريا دون استثناء بما فيها حزب البعث الذي دعا للوحدة، وانسحاب الجيش السوري بالكامل من الحياة السياسية وعودة الضباط للثكنات، وإجراء استفتاء شعبي على شخص الرئيس وعلى قيام الدولة الجديدة.
وفي 22 فبراير 1958، أُعلنت الجمهورية العربية المتحدة رسميًا بعد استفتاء كاسح بلغت نسبة التأييد فيه 99.9% في مصر و99.98% في سوريا، وتنازل رئيس الجمهورية السوري شكري القوتلي عن منصبه لعبد الناصر، ليمنح لقب المواطن العربي الأول، وتوحد الإقليمان، الجنوبي (مصر) والشمالي (سوريا)، وأصبحت القاهرة عاصمة الدولة الفتية التي ضمت نحو 30 مليون نسمة، 25 مليونًا في مصر، و5 ملايين في سوريا.
كشف حساب.. ماذا قدمت الإدارة المصرية لسوريا؟
خلال سنوات الوحدة الثلاث (1958 - 1961)، شهد الإقليم الشمالي سوريا حركة تحديث وتطوير هيكلي واسعة قادتها أجهزة ومؤسسات القاهرة، وانعكست في أرقام وتغييرات ملموسة، على البنية التحتية والمشروعات الكبرى، وضعت حجر الأساس لـ مشروع سد الفرات الضخم، وتأسست شبكات مواصلات وطرق ربطت المحافظات السورية ببعضها، إلى جانب توسعة ميناء اللاذقية ليكون المنفذ البحري الرئيسي للتجارة.
وفي التعليم والثقافة، أُعيدت هيكلة المناهج الدراسية على النمط المصري، وتوسع إرسال البعثات التعليمية السورية إلى الجامعة المصرية، كما تأسس التلفزيون السوري الذي انطلق بثه بالتوازي مع التلفزيون المصري في يوليو 1960، وفي مجال الإصلاح الزراعي، صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958، والذي حدد الملكية الزراعية وسحب الأراضي المقتطعة من كبار الإقطاعيين لتوزيعها على آلاف الفلاحين الصغار، مما أوجد طبقة جديدة من المزارعين الموالين للوحدة.
وبالنسبة للجيش والسلاح، أُعيد تنظيم الجيش السوري وزود بأسلحة سوفيتية حديثة عبر صفقات عقدتها القاهرة، وأُدمجت القطاعات العسكرية تحت قيادة أركان واحدة.
الانحدار والغليان.. كيف فسدت الطبخة؟
رغم الإنجازات الكبيرة، بدأت القواعد الأساسية للبيت الموحد تتآكل سريعًا نتيجة أخطاء هيكلية في الإدارة على رأسها قرارات يوليو الاشتراكية 1961، والتي كانت القاطرة التي قطعت شعرة معاوية، حيث أصدر عبد الناصر قرارات تأميم واسعة للبنوك، والشركات والمصانع، والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، وكانت هذه القرارات ملائمة للمجتمع المصري، لكنها شكلت صدمة عنيفة للمجتمع السوري القائم تاريخيًا على حرية التجارة ورأس المال الفردي، مما أشعل غضب الطبقة البرجوازية والتجار في دمشق وحلب ضد الوحدة.
من الأسباب أيضا المركزية الشديدة، إذ أُلغيت الإدارة الذاتية لسوريا، وأصبحت كل القرارات حتى الصغيرة منها تتطلب العودة إلى المكتب الرئاسي في القاهرة، وهنا شعر الوزراء والسياسيون السوريون، مثل أكرم الحوراني وصلاح البيطار، بأنهم تحولوا إلى مجرد موظفين تنفيذيين بلا صلاحيات بجانب التضييق الأمني، حيث تحول الإقليم الشمالي إلى قبضة أمنية مشددة تحت إدارة عبد الحميد السراج وزير الداخلية ورئيس المكتب الثاني، وحظرت الحريات العامة والصحافة، مما خلق حالة من الاحتقان الشعبي.
وزاد النار اشتعالا تسريح ونقل مئات الضباط السوريين البارزين إلى مصر فيما يشبه الإبعاد، واستبدلوا بضباط مصريين أداروا المؤسسات العسكرية، مما أثار حفيظة الضباط السوريين داخل الثكنات.
كواليس سقوط حكومة الوحدة
في صبيحة 28 سبتمبر 1961، تحركت مجموعات عسكرية تنتمي لكتيبة مدرعات في معسكر "قطنا" بقيادة الرائد عبد الكريم النحلاوي الذي كان يشغل موقع مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر في دمشق، وحاصرت مدرعات الانقلابيين مقر القيادة العامة ومبنى الإذاعة والتلفزيون ومطار دمشق الدولي، وقامت باعتقال القيادات العسكرية المصرية وحاصرت المشير عبد الحكيم عامر النائب الأول للرئيس والقائد العام للقوات المسلحة في دمشق.
أذاع النحلاوي البيان رقم (1)، واجتمع بالمشير عامر محاولًا فرض شروط تعديل هيكل الوحدة وإبعاد الضباط المصريين، لكن الموقف سرعان ما تطور بعدما وجد الانقلابيون دعمًا سريعًا من كبار الملاك والتجار والسياسيين الغاضبين، وفي المساء تم إجبار المشير عبد الحكيم عامر على صعود طائرة أقالته إلى القاهرة، ليعلن رسميًا تشكيل حكومة مدنية انتقالية برئاسة المأمون الكزبري، والتي قررت خروج سوريا بالكامل من دولة الوحدة.
رد فعل القاهرة على انقلاب سوريا
في القاهرة، تلقت القيادة المصرية الصدمة. في البداية، أصدر عبد الناصر أوامره بتحريك قوات مظلية من الإسكندرية (المجموعة 83) وأمر القوات البحرية بالتوجّه نحو ميناء اللاذقية لاستعادة السيطرة، لكن فور وصول الخبر بانتشار حركة الانفصال وسيطرة الانقلابيين على كامل المحافظات السورية وتشكيل حكومة مدنية، ألقى عبد الناصر خطابه التاريخي الحزين مساء 5 أكتوبر 1961، وأعلن فيه قراره بإلغاء التعبئة العسكرية وإعادة القوات المظلية، قائلًا كلمته الشهيرة:
"لا أحب أن أرى نقطة دم عربية واحدة تسفك بسلاح عربي في معركة بين عرب وعرب، إن الوحدة إرادة شعبية، وإذا كان الشعب السوري يرى غير ذلك، فإنني أتردد قبل أن أفرض الوحدة بالقوة، ورفض عبد الناصر معارضة انضمام سوريا المستقلة إلى الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية.
العلاقات المصرية السورية بعد الانفصال
لم تكن مرحلة ما بعد الانفصال هادئة؛ بل دخلت العلاقات في نفق مظلم من الاتهامات المتبادلة على رأسها حرب الإذاعات والشتائم (1961 - 1963)، حيث شنت إذاعة صوت العرب من القاهرة هجومًا كاسحًا على حكومة الانفصال ووصفتها بالرجعية والعمالة بينماردت دمشق بإغلاق المؤسسات المصرية وطرد الدبلوماسيين.
لكن المثير أن حكومة الانفصال أطيح بها في مارس 1963 عبر انقلاب بعثي، وجرت محاولات ثلاثية لإعادة الوحدة بين مصر، سوريا، العراق، لكنها فشلت بسبب انعدام الثقة وتبادل الشكوك بين عبد الناصر وقيادات البعث.
مصالحة النكسة وحرب أكتوبر
لم تعد الحرارة الحقيقية للعلاقات بين مصر وسوريا إلا بسبب توحش العدوان الإسرائيلي على بلدان المنطقة، حيث وقعت معاهدة دفاع مشترك قبل حرب يونيو 1967، وبلغت العلاقات قمتها التاريخية مجددًا في عهد الرئيس أنور السادات والرئيس حافظ الأسد، حينما أدارت القاهرة ودمشق ملحمة حرب أكتوبر 1963 عبر تنسيق عسكري مشترك على الجبهتين سيناء والجولان.
ورغم الانفصال، استمرت مصر في الاحتفاظ باسم "الجمهورية العربية المتحدة" ورفع علمها حتى عام 1971، قبل العودة للعلم المصري، لتصبح تجربة الاندماج أكبر درس في تاريخ العروبة عن مصير هذه الأفكار التي لاتراعي الخصوصية الثقافية لكل بلد ورغبته في الانفراد بشئونه ومقدراته.
