رئيس التحرير
عصام كامل

«لم تطمئن المحكمة»، 4 أسباب حسمت مصير متهم مذبحة بني مزار بالمنيا أمام «النقض»

«لم تطمئن المحكمة»..
«لم تطمئن المحكمة».. 4 أسباب حسمت مصير متهم مذبحة بني مزار
18 حجم الخط

بعد أن بدأت «فيتو» نشر سلسلة تقاريرها الخاصة عن مذبحة شمس الدين بالمنيا، وتناولت في الحلقات السابقة تفاصيل الجريمة، والطب الشرعي، وشهادات الشهود، والحمام المذبوح، والتحريات والأدلة المادية، ثم لغز الزمن والاعترافات المنسوبة إلى المتهم، تفتح الحلقة التاسعة ملفًا أكثر حساسية: ماذا قالت محكمة النقض عندما وصل إليها طعن النيابة على حكم البراءة؟ ولماذا أيدت الحكم النهائي بحق محمد علي محمد أحمد عبداللطيف؟

وكانت محكمة جنايات المنيا قد قضت في سبتمبر 2006 ببراءة المتهم، قبل أن تؤيد محكمة النقض الحكم في ديسمبر 2008، لتنتهي المسيرة القضائية بالنسبة إليه دون إدانة، بينما ظل مرتكب مذبحة بني مزار غير محدد بحكم قضائي نهائي.

المنيا.. السبب الأول: اعترافات المتهم لم تطمئن إليها المحكمة

عزبة شمس الدين بالمنيا، فيتو 
عزبة شمس الدين بالمنيا، فيتو 

كان الاعتراف المنسوب إلى محمد عبداللطيف أحد أهم عناصر الاتهام، بعدما نسبت إليه التحقيقات الإدلاء بتفاصيل عن تحركاته بين المنازل الثلاثة، والأدوات المستخدمة، وكيفية تنفيذ الجريمة.

«لم تطمئن المحكمة».. 4 أسباب حسمت مصير متهم مذبحة بني مزار في المنيا أمام «النقض»

لكن المتهم عاد أمام المحكمة وأنكر ارتكاب المذبحة، بينما دفع دفاعه ببطلان الاعترافات، مستندًا إلى تعرضه لضغوط وإكراه.

وبحسب ما ورد في حيثيات القضية، لم تتعامل محكمة الجنايات مع الاعتراف باعتباره دليلًا قائمًا بذاته، وانتهت إلى عدم الاطمئنان إليه، وقضت ببطلانه وعدم التعويل عليه في الإدانة.

وهنا تأتي أهمية اعترافات متهم مذبحة بني مزار في سياق المسلسل، إذ إن الحلقة السابقة تناولت كيف انتقل هذا الاعتراف من عنصر رئيسي في التحقيقات إلى دليل لم تعتمد عليه المحكمة. اعترافات متهم مذبحة بني مزار

المنيا.. السبب الثاني: التحريات لم تكن كافية

لم تتوقف المحكمة عند الاعتراف، وإنما ناقشت أيضًا التحريات التي استندت إليها إجراءات القبض والتفتيش.

وكانت إحدى النقاط التي ناقشتها محكمة الجنايات مدى جدية التحريات وكفايتها لتبرير الإجراءات التي اتخذت بحق المتهم، وما ترتب عليها من مضبوطات وأدلة.

وبذلك لم يكن السؤال أمام المحكمة مجرد وجود تحريات في ملف قضية بني مزار، وإنما مدى كفايتها القانونية ومدى قدرتها على دعم الاتهام بصورة تؤدي إلى الإدانة.

وعند تقييم القضية كاملة، لم ترَ المحكمة أن التحريات يمكن أن تعوض غياب اليقين في باقي عناصر الإثبات، خصوصًا مع وجود خلافات حول الاعترافات والأدلة الفنية والشهادات.

المنيا.. السبب الثالث: ساعتان ونصف أمام 10 ضحايا

كان عامل الزمن أحد أبرز الأسئلة التي واجهت رواية الاتهام، فالقضية تتعلق بـ10 ضحايا داخل 3 منازل، وهو ما دفع المحكمة إلى مناقشة مدى إمكانية تنفيذ الوقائع المنسوبة إلى شخص واحد خلال المدة الزمنية المطروحة في التحقيقات.

وفي المقابل، كشفت مناقشات الطب الشرعي عن تقدير مختلف للمدة التي قد يحتاجها شخص واحد لتنفيذ الوقائع والأفعال المنسوبة إليه، ووصل أحد التقديرات الواردة في التحقيقات إلى نحو 6 ساعات، وهو ما فتح فجوة بين الزمن الفني المطروح والتوقيتات التي اعتمدت عليها رواية الاتهام.

منازل المجني عليهم 
منازل المجني عليهم 

وهنا لم يكن الرقم مجرد تفصيل زمني، وإنما تحول إلى سؤال جوهري: هل كان الوقت المتاح يكفي فعلًا لشخص واحد لتنفيذ كل الوقائع التي تضمنها الاتهام؟

وتناول تقرير سابق من السلسلة هذا الجانب بالتفصيل، خاصة تقدير المدة التي تحدث عنها الطبيب الشرعي. الطب الشرعي ولغز الـ6 ساعات في مذبحة شمس الدين

المنيا.. السبب الرابع: الشاهد رأى شخصًا ولم يرَ جريمة

من أبرز عناصر الشهادة في القضية أقوال محمود محمد عبدالواحد، الذي قال إنه كان مستيقظًا قرابة الثانية صباحًا، وسمع نباح الكلاب، ثم رأى شخصًا بالقرب من منزل يحيى أبوبكر.

وعندما سُئل عن كيفية تعرفه على الشخص، قال: «عرفته من مشيته».

لكن الشاهد لم يؤكد أنه رأى المتهم أثناء ارتكاب جريمة قتل، كما لم يكن متأكدًا من رؤيته يحمل سلاحًا، ونفى أن يكون قد شاهده أثناء تسلق منزل يحيى وأسرته.

وهنا ظهر الفارق الذي كان مهمًا أمام المحكمة بين رؤية شخص بالقرب من مسرح الجريمة وبين رؤيته أثناء تنفيذ الجريمة نفسها.

وقد تناولت حلقة سابقة من السلسلة تفاصيل شهادة الشهود وما سمعوه وما رأوه في الساعات الأخيرة قبل اكتشاف المذبحة. شهادات شهود مذبحة شمس الدين بالمنيا

المنيا.. الأدلة لم تُقرأ منفردة

لم تنظر المحكمة إلى كل عنصر من عناصر القضية بمعزل عن غيره، وإنما ناقشت الاعترافات والتحريات والشهادات والتقارير الفنية والأدلة المادية ضمن الصورة الكاملة.

وكانت الأدلة المادية نفسها محل مناقشة، من بينها السلاح والمضبوطات وفحوص الدماء، في الوقت الذي ظلت فيه بعض عناصر الاتهام بحاجة إلى تفسير يربطها بصورة يقينية بالمتهم.

وهنا تظهر أهمية قراءة مذبحة بني مزار من خلال مجموع الأدلة، لا من خلال دليل واحد، وهو ما جعل المحكمة تتعامل مع القضية باعتبارها منظومة إثبات كاملة يجب أن تصل إلى درجة الاطمئنان اللازمة للإدانة.

المنيا.. «الحمام المذبوح» لم يحسم هوية القاتل

ومن بين التفاصيل التي أثارت اهتمام التحقيقات العثور على 6 حمامات مذبوحة في مسرح الجريمة، وهي واقعة تناولتها إحدى حلقات السلسلة السابقة، وربطت بينها وبين ما ورد في التحقيقات من أقوال منسوبة إلى المتهم.

لكن وجود الطيور المذبوحة ظل تفصيلًا من تفاصيل مسرح الجريمة، ولم يتحول في حد ذاته إلى دليل قضائي نهائي يحدد مرتكب المذبحة.

كما أن الروايات التي ظهرت لاحقًا حول أسباب قتل الحمام أو ارتباطه بالسحر أو البحث عن الآثار لم تتحول إلى حقيقة قضائية ثابتة في الحكم النهائي. قصة الحمام المذبوح في مذبحة بني مزار

النقض.. ماذا حسمت المحكمة؟

عند وصول طعن النيابة إلى محكمة النقض، لم تكن المسألة مجرد إعادة سرد تفاصيل الجريمة، وإنما فحص ما إذا كانت محكمة الموضوع قد بنت حكم البراءة على أسباب لها أصلها في الأوراق.

وانتهت محكمة النقض إلى تأييد حكم البراءة، ليصبح الحكم نهائيًا في حق محمد علي محمد أحمد عبداللطيف، بعد أن رأت أن ما انتهت إليه محكمة الموضوع له سنده من عناصر الدعوى التي ناقشتها المحكمة.

وهكذا لم تكن كلمة «لم تطمئن المحكمة» مجرد عبارة عابرة في القضية، وإنما تلخص مسارًا قضائيًا انتهى إلى أن عناصر الاتهام لم تصل إلى درجة اليقين التي تسمح بإدانة المتهم.

2008.. البراءة تصبح نهائية والسؤال يبقى مفتوحًا

في ديسمبر 2008، أيدت محكمة النقض حكم البراءة، لتنتهي بذلك رحلة الاتهام القضائية بحق محمد عبداللطيف.

لكن تأييد البراءة لم يقدم إجابة عن السؤال الأكبر في مذبحة شمس الدين بالمنيا: إذا لم تثبت مسؤولية المتهم أمام القضاء، فمن ارتكب جريمة قتل 10 أشخاص داخل 3 منازل في ليلة واحدة؟

وبعد أن كشفت الحلقات السابقة تفاصيل مسرح الجريمة، والطب الشرعي، والشهود، والحمام المذبوح، والاعترافات والأدلة، تنتقل الحلقة العاشرة إلى السؤال الأصعب: كيف بقيت هوية مرتكب مذبحة بني مزار مجهولة رغم كل ما ورد في أوراق القضية؟

الجريدة الرسمية