الهيمنة العالمية للصين ما بين الواقعية والفكر الصيني
يهيمن الفكر السياسي الغربي لاسيما عبر المدرسة الواقعية على دراسة الهيمنة العالمية في النظام الدولي، وتتمحور دراسة الهيمنة حول ثلاثة أركان، كيفية ووسائل الهيمنة، وشكل تلك الهيمنة، وتصورات سلوك الهيمنة في العالم.
وبحسب الفكر الواقعي -المهيمن على الباحثين في العالم تقريبا بما في ذلك دراسة الهيمنة الصينية- تعد القوة الصلبة والإكراه الوسيلة الرئيسة لبلوغ الهيمنة، والهيمنة الأحادية المطلقة النمط الأسمى المرغوب في ظل معادلات توازن القوى، وفرض واستدامة الهيمنة بالإكراه واستغلال العالم السلوك المتوقع للمهيمن.
وبالقياس على مسعى الصين للهيمنة العالمية وفقًا للفكر الواقعي؛ يجادل المؤيدين بحلم الصين للهيمنة الأحادية وتقويض ما تبقى من قوة أمريكية مدعومة بالتحول في توازن القوى العالمي لا سيما الاقتصادي والعسكري الذي أوشك على التفوق على نظيره الأمريكي.
كذلك، بدأ الوجه الصلب الإكراهي للصين في الانكشاف بقوة متجسدًا في إنفاق وتطوير عسكري ضخم، فرض النفوذ في بحر الصين الجنوبي، الاستعداد لضم تايوان بالقوة، مصيدة الديون للدول الفقيرة المدينة، مساعي الهيمنة على المحيط الهندي.
ومن ثم، هيمنة إمبراطورية عالمية مؤكدة بدءًا من منتصف القرن الحادي والعشرين وصاعدًا، قائمة على الإكراه والغطرسة والاستغلال وتقويض جميع القوى المتحدية حتى ولو بالقوة العسكرية، أسوة بالهيمنة البريطانية والأمريكية.
إن الإصرار على إخضاع الهيمنة الصينية لمنطق الفكر الواقعي يصطدم بمجموعة مفارقات، يعمل أنصار الفكر الواقعي على تكيفها بصورة مشوهة لتتوافق مع الفكر الواقعي. تعد الهيمنة الصينية أو بالأحرى سعى الصين للقيادة العالمية، حالة استثنائية خالصة غير مسبوقة في التاريخ. لا جدال بأن التحول في توازن القوى محفزًا قويًا للهيمنة أو القيادة العالمية، وينطبق ذلك على الصين التي لم تنكر حقها في القيادة العالمية.
لكن تتبدى الحقيقة -وهذا ما بدأ باحثين كثر الإقرار به- أن وسائل صعود الصين للهيمنة، وغرض الصين الرئيس من تلك الهيمنة وسلوكها المتوقع، استثنائي خالص. يدور الفكر الواقعي التقليدي عامة في إطار مجموعة مسلمات-ذاتية التحقيق- حاكمة للعلاقات بين الدول ونمط النظام الدولي والهيمنة؛ غافلًا عدة محددات أخرى شديدة الأهمية مثل تأثير العوامل التاريخية والثقافية والهوياتية على سلوك الدول، وهو ما يغفله بجلاء عند تفحص الهيمنة الصينية رغم التأثير الطاغي لتلك المحددات عليها.
في الدول الشرقية والآسيوية عموما والصين خصوصا، تلعب كل من الثقافة والتاريخ والهوية دورًا حاسما في سلوك الدول الداخلي والخارجي. وعند تفحص القيادة الصينية قديما المملكة الوسطى والتي لها التأثير الأكبر على توجيه القيادة الحديثة لاسيما منذ تولى الرئيس شى جين بينج، نجد التأثير الطاغي الموجه لتلك القيادة.
إذ من حيث المبدأ، ترفض الثقافة الصينية العريقة المتأثرة بالديانة الكونفوشيوسية مطلقًا مصطلح الهيمنة الذى يعد وفقًا للفكر الصيني مرادفًا للتوسع الإمبريالي الغربي، أو حروب الاستعمار الذي لم يعرفه تاريخ الصين قط.
يعزز الفكر الصيني فكرة القيادة العالمية بدلا من الهيمنة، وهى ليست قيادة غطرسة وتحكم واستغلال، بل قيادة طوعية أو مقبولة بمحض إرادة الدول أخلاقية، ساعية إلى تحقيق السلم والانسجام والتعاون العميق في العالم، وذلك انطلاقًا من تصور أن مصير الصين مرتبط بمصير العالم، وسلام وتنمية الصين مرتبط بالسلام والرخاء في العالم.
لم تخفى الصين رغبتها في القيادة الدولية وتأسيس نظام دولي جديد وفقا للمنظور الصيني منذ تولى الرئيس بينج عام 2013، لكن الملاحظ أن المنطلق الأساسي لتحقيق ذلك قد تأسس على شعار المصير المشترك للإنسانية. ومن هذا المنطلق، قد تبدى بجلاء نهج وأدوات الصين السلمية والحضارية والتنموية لبلوغ القيادة الطواعية لا سيما عبر الحزام والطريق، وذلك من حيث مساعدات تنموية وإنسانية وصحية تجاوزت التريلون دولار، مساعدات تنموية قوية للدول الأكثر فقرًا، مبادرات قوية في مجال البيئة.
والصين بصورة عامة تعتمد بصورة رئيسه على الاقتصاد لتمديد نفوذها فهي الشريك التجاري والاقتصادي الرئيس لمعظم دول العالم، أي تستبعد تماما مسألة التوسع العسكري في العالم فهي له قاعدة لوجستية واحدة في الخارج في جيبوتي، وذلك لا يستقيم مطلقًا مع واقع مسعى الهيمنة الأحادية الخشنة عبر التاريخ.
خلاصة القول، يفند الواقعيين هذا المسعى السلمي للقيادة الصينية، بالقول بأن ذلك مجرد قناع واقعي خفى للهيمنة، ويستشهدون أيضا بالإنفاق العسكري الباهظ، ومحاولة الهيمنة على بحر الصين الجنوبي. وفى واقع الأمر أن القيادة الصينية قديما وحديثا لم تسقط مسالة القوة الصلبة لكنها فقط للدفاع على الصين ومصالحها الحيوية ضد الأعداء الخارجيين.
لكن لعل الجانب الأهم والأكثر عملية هو ما يتبدى من المنظمات المتعدد الأطراف المدعومة من الصين لا سيما البريكس، حيث تبرهن على إدراك الصين لواقع النظام الدولي الحديث الذي بات لا يستوعب مطلقًا لفكرة الهيمنة الأحادية المستغلة.
