محطات تاريخية (الحلقة الثالثة)
وتوالت فتوحات المسلمين ناحية الشام في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه "13 – 24 هـ"، وامتد سلطان المسلمين ليشمل فارس والشام ومصر بعد أن أخضعوا حضارات تلك الأمصار، فعرف العرب أرضًا غريبة عليهم، كما كانوا هم غرباء عليها، وصارت الحياة أعقد من ذي قبل، فهم قد استطاعوا التآلف بدينهم الجديد مع موطنهم بجزيرة العرب..
وانسجموا مع تلك البيئة بيسر وسهولة لمعرفتهم بها، ولنهج الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذى خطَّه لهم فيها، فلما فتح الله على المسلمين تلك البقاع، واجهوا ظروفًا جديدة، وصعابًا لم يتمرسوا عراكها، فكانت تلك نقلة نوعية، ذات طابع خاص لم تتكشف للمسلمين في عهد أبي بكر شاخصة لهم..
فعهده رضي الله عنه كان قصيرًا، إذ استمرت مُدّة خلافته رضي الله عنه سنتيْن وثلاثة أشهر، فقد فارق أبو بكر الصديق رضوان الله عليه الحياة في 22 جمادى الآخرة سنة 13هـ، ورحى الحرب دائرة على جبهتين، الفرس والروم في بواكيرها وكانت لم تُحسم بعد.
وأتى عهد عمر "13 – 24 هـ" وكان فيه الحسم، فسقطت فارس، وفُتحت مصر ودانت الشام وبقاع موالية للروم معها.. وإذا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه يدير بقاعًا شاسعة، بدستور جديد لم تعهده البشرية.. إنه الدستور الإلهي (القرآن) فعلَّم الدنيا في زمانه كيف تكون القدوة؟ وكيف تتجلى الريادة؟ وكيف تتحقق العدالة؟ وكيف الحياة الراقية؟ وكيف الإنسانية؟
فبنى الدولة الإسلامية الشامخة، ودوًّن فيها الدواوين وأقام بيت المال، وصك النقود، وأسس جيشًا محترفًا يذود عن البلاد والعباد، وعَيَّنَ الولاة والقضاة، ورتب البريد، وأرخ للمسلمين تاريخهم بحادثة الهجرة العظيمة.
ويبقى حقد الموتورين من تبدل الأوضاع، الفرس أصحاب الدولة والصولة، واليهود الذين عوّلوا على فارس لإرجاع سؤددهم، فليس هناك من سبيل إلا التدبير في الخفاء، لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء إن أمكن ذلك! فوجدوا ضالتهم في الميدان الفكري، فأعمل الفرس العقل حتى اهتدوا لحيلة خبيثة، قد تعلموها من اليهود حلفاء الأمس، تكون فيها الإصابة من الداخل، بل وتصيب المسلمين بداء عضال يتواصل معهم عبر الزمان.
إنها الصدمة، بل هي الصاعقة التى صعقت عبدة النار المجوس، وأدخلتهم في الإسلام، ولعلنا نقف على تلك الحادثة بكثير من التأمل، وذلك عن قصد منا؛ لأن ما حدث للفرس، بنهاوند 19هج لمَّا سقطت فارس في عهد عمربن الخطاب رضى الله عنه تحديدًا، هو السبب الرئيس الذي جعل التحالف اليهودي الفارسي يضرب ضربته في جسد الأمة وهو داخلها..
وذلك حين يُنشيء مذهب (التشيع) ومن ثم يتدرج حتى يتحول المذهب من فكرة دينية تحمل حبًا وولاءً لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، لتصير بمرور الزمن عقيدة أخرى شاذة لا علاقة لها بالإسلام إلا في الظاهر والعلن.
وقد بدأت القصة من هنا.. حين كان الحقد الفارسي اليهودي، ليس مُنصبًّا على عمر بن الخطاب فحسب، بل طال الحقد من سبقه (الصديق رضي الله عنه) ومن أتى بعده (عثمان بن عفان رضي الله عنه) ذلك أن عهد الخلفاء الثلاثة، هو عهد زوال كل من استعبد العباد وتجرأ على الله، وكان في مقدمهم الفرس وأعوانهم اليهود..
إلا أن مصيبة الفرس كانت فادحة، فقد زالت دولتهم نهائيًا، وتحولوا في عهود الخلفاء الثلاثة إلى أتباع وموالي، وكان منهم السبايا والأرقاء والخدم، بعد أن كانوا ملوكًا وأسيادًا، من هنا كان العداء الدفين.
ويصف هذه الحالة العلامة الشهيد « إحسان إلهي ظهير » بقوله تحت عنوان، سبب انتشار التشيع في إيران وبغضهم الصحابة: (ولما افْتُتحت إيرانُ على يد الفاروق الأعظم، ومَزَّق جموعها، وكسر شوكتها، وهدم ملوكيتها نقم أهل إيران على الفاروق ورفقته وجنوده لِمَا جُبِلُوا على المملوكية وأُشربوا حُبَّها، فوجد اليهود فارس مزرعة خصبة لغرس بذور الفتنة فيها..
وكان من الاتفاقات أن ابنة (يَزدُجرد – ملك إيران) «شهربانو» زُوِّجت من حسين بن علي –رضي الله عنهما– بعدما جاءت مع الأسـارى الإيرانـيين، فلما دَبَّر اليهود لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه وتَتَرَّسُوا بعلي رضى الله عنه بدون إذن منه ومعرفة..
وادعوا الولاية والخلافة لعلي وأولاده رضوان الله عليهم أجمعين، يعاونهم أهل إيران نقمةً على الفاروق ورفقته، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين فتحوا إيران، وعثمان الذى وسَّع نطاق الفتوحات الإسلامية، وأقام اعوجاجهم، ونفى بغاتهم..
وخاصة بعدما رأوا أن الدم الذى يجرى في عروق علي بن الحسين، الملقب بزين العابدين وفي أولاده دم إيراني من قبل أمه « شهربانو ابنة يزدجرد» ملك إيران من سلالة الساسانيين المقدسين عندهم.
فلأجل هذا دخل أكثر أهل فارس في الشيعية لما يجدون فيها التسلية بالسباب على الصحابة رضوان الله عليهم، وعمر، وعثمان، فاتحي إيران، ومطفئي نار المجوسية فيها، ومن هناك اتفقوا مع اليهودية الماكرة، ولأجل هذا اتحدوا معهم وسلكوا مسلكهم، ونهجوا منهجهم) كتاب السنة والشيعة ص52/ إحسان إلهي ظهير.
ويقول المستشرق الإنجليزي أدوارد براون (1862 - 1926)، الذى سكن إيران مدة طويلة، ودرس تاريخها دراسة وافية، ضافية إذ نال شهرة واسعة في الدراسات الشرقية وكان يجيد التحدث بالفارسية والعربية..
حيث عُين استاذ لهما قي جامعة كيمبردج يقول في كتابه تاريخ الأدب في إيران، الجزء الأول: « من أهم أسباب عداوة أهل إيران للخليفة الراشد، الثاني، عمر، هو أنه فتح العجم، وكسر شوكته، غير أنهم (أي أهل إيران) أعطوا لعدائهم صِبغة دينية، مذهبية، وليس هذا من الحقيقة بشىء»
ووضَّح أدوارد براون في مقام آخر أكثر من هذا وقال: «ليس عداوة إيران وأهلها لعمر بن الخطاب بأنه (عمر) غصب حقوق علىّ وفاطمة، بل لأنه فتح إيران وقضى على الأسرة الساسانية – ثم يذكر أبياتا فارسية لشاعر إيراني ما نصها فى اللغة الفارسية:
(بشكست عمر بشت هزبران اجم را
برباد فنا داد ركك وريشه جم را
اين عريده بر غصب خلافت ز على نيست
با آل عمر كينه قديم است عجم را)
« يعنى أن عمر كسر ظهور أسود العرنين المفترسة، واستأصل جذور آل جمشيد (ملك من أعاظم ملوك فارس). ليس الجدال على أنه غصب الخلافة من علي، بل إن المسألة قديمة يوم فتح إيران».
ويقول المستشرق أدوارد براون: « إن أهل إيران وجدوا في أولاد على بن الحسين تسلية وطمأنينة بما كانوا يعرفون أن أم على بن الحسين هى ابنة ملكهم «يزدجرد» فرأوا فى أولادها حقوق الملك قد اجتمعت مع حقوق الدين، فمن هنا نشأ بينهم علاقة سياسية، ولأجل أنهم -أهل إيران- كانوا يقدسون ملوكهم لاعتقادهم أنهم ما وجدوا الملك إلا من السماء ومن الله، فازدادوا فى التمسك بهم» "تاريخ الأدب في إيران" الجزء الأول ص35..
وإلى الحلقة القادمة في سلسلة (محطات تاريخية).
