رئيس التحرير
عصام كامل

من "كسوف" الريحاني و"عتاب" أم كلثوم إلى "تبني" عبد الحليم و"دعم" الزعيم"، حكايات هيكل مع نجوم الفن

محمد حسنين هيكل وعبد
محمد حسنين هيكل وعبد الحليم حافظ
18 حجم الخط

لم يكن الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل  ــ ولد فى مثل هذا اليوم عام  1923 ــ  مجرد صحفي يتحرك داخل المكاتب المغلقة وأروقة السلطة ومعارك السياسة الصاخبة؛ بل كان رجلًا يملك عينًا نافذة ترصد تحولات المجتمع من زواياها الأكثر إنسانية وإبداعًا، فخلف "الأستاذ" الذي ارتبط اسمه بالقرارات المصيرية وأهل الحكم، جرت حياة أخرى أكثر ثراء ودفئًا؛ حياة "الجورنالجي" الذي أدرك بحدسه أن مصر لا تُبنى في مكاتب القرار وحدها، وإنما تُصنع كلماتها ومشاعرها على خشبة المسرح، وفي استوديوهات السينما والإذاعة، وبين أسطر القصائد، وألحان الأغنيات التي تسكن وجدان ملايين المصريين والعرب.

بدأت أولى خطوات هيكل مبكرا وتحديدًا عام 1943، حين كان الشاب الصحفي الصاعد يحقق في كواليس مسرحية “كشكش بك” هناك، في خلفية المسرح، التقى بأسطورة الكوميديا نجيب الريحاني وبجواره الفنانة ميمي شكيب التي أبدى هيكل كسوفه وخجله منها أثناء حديثه معها، شهد ذلك اللقاء أول احتكاك حقيقي لهيكل بعالم النجوم، وقال الكاتب الراحل عن لقاء الريحاني: "كان من رأيه أن أتوقف عن الكتابة عن المسرح بسبب ضعف مستوى الكتاب في مجال الفن وقتها ونصحني ألا أضيع وقتي". لتصبح تلك التغطية تقريبًا أول وآخر تحقيقاته الفنية- إلا أن هيكل لم يبتعد قط عن الفن، بل قرر أن يتحول من ناقد يكتب عن الفن إلى قارئ ذكي يلتقي بصانعيه ويقرأ من خلالهم مزاج الأمة.

محمد حسنين هيكل 
محمد حسنين هيكل 

ومع صعود نجم محمد حسنين هيكل وتحوله إلى أحد صناع الرأي العام في عهد جمال عبد الناصر، أصبح «الأستاذ» جسرًا وثيقًا عبرت عليه السياسة لتلتقي بوجدان المجتمع. 

كانت علاقته بـ«كوكب الشرق» أم كلثوم تجسيدًا استثنائيًا لهذه الفلسفة؛ إذ لم يبدأ تقاربه معها من دواعٍ اجتماعية، بل من خلال شغف عبد الناصر الشديد بصوتها، وهو الشغف الذي جسدته رواية الأديب يوسف القعيد حين نقل عن هيكل ملمحًا إنسانيًا قائلا: رأى «الأستاذ» دموع الرئيس تتساقط تأثرًا بغناء أم كلثوم لقصيدة من شعر أحمد شوقي. كان هيكل يرى أن الحاكم لا يمكنه أن ينفصل عن رموز بهجة مجتمعه، لتتحول العلاقة سريعًا إلى صداقة أسرية وثيقة. 

هيكل وأم كلثوم ويتوسطهم نجيب محفوظ
هيكل وأم كلثوم ويتوسطهم نجيب محفوظ

وفي عام 1955، شهدت الإذاعة المصرية مشهدًا تاريخيًا نادرًا حين تحولت "الست أم كلثوم" إلى محاورة يجلس أمامها هيكل ضيفًا ليرتحلا سويًا في أبعاد "حلف عدم الانحياز"، ولم تخلُ تلك الصداقة من عتاب القامات،  ففي أوائل عام 1967 ومع نشر مقالات "بصراحة" المحذرة من نذر الحرب، زارته أم كلثوم لتعاتبه بأسى على نقل الإحباط للشارع، قبل أن تعود وتجلس أمامه كصحفية محاورة في أعقاب هزيمة 1967، في حوار ممتد لمجلة آخر ساعة ناقشا فيه شؤون القمة العربية ودور الأمم المتحدة، وكان هيكل يرى في "الست" تجسيدًا حيًا لصلابة الفلاح المصري الذي صعد من قلب الهامش إلى القمة، وحين سُئل يومًا عن المقطع الأقرب لقلبه من أغانيها، اختار دون تردد "وعزة نفسي منعاني".

هيكل وعبد الحليم وحافظ ويتوسطهم صلاح جاهين
هيكل وعبد الحليم وحافظ ويتوسطهم صلاح جاهين

أما عبد الحليم حافظ، فكان قصة أخرى من القرب والاستشارة؛ ظل "العندليب " ينظر لـ " هيكل " بوصفه الموجه والمعلم، يهديه كتبه بتوقيعات دافئة، ويستند إلى رؤيته في أدق تفاصيل حياته.

وفي مكتب هيكل بمجلة آخر ساعة دارت إحدى أشهر دراما الوسط الفني، حين رتب الأستاذ لقاءً جمع حليم بالكاتب الساخر جليل البنداري، ليتحول التوجس الأولي تحت مظلة هيكل إلى صداقة عميقة أسفرت لاحقًا عن كتابة مذكرات العندليب الشهيرة "جسر التنهدات"،  بل إن قلم هيكل الصحفي صاغ بطريقة غير مباشرة ملامح أغنية وطن فعندما كتب مقالاته الحماسية إبان حرب أكتوبر 1973، استلهم منها الشاعر محمد حمزة كلماته الخالدة ليصوغ أغنية "عاش" التي لحنها بليغ حمدي وغناها عبد الحليم حافظ.

معرك صحفية ضد كمال حسنى

وفي المقابل، لم يتردد محمد حسنين هيكل في خوض المعارك الفنية دفاعًا عن حليم، حين كتب في أخبار اليوم مهاجمًا ما وصفه بـ "زوبعة" الترويج للمطرب كمال حسني، محذرًا من محاولات ضرب التجربة الحقيقية لصوت الثورة.

وفي مساحة الفكر والأدب، اتسمت علاقة هيكل بالشاعر عبد الرحمن الأبنودي بنبل إنساني رفيع، لم يرَ فيه مجرد كاتب يكتب الكلمات من برج عاجي، بل "ابن طمي النيل" الذي تحول على يديه الشوك والورد إلى ثورة،  شاعر يعيش في قلب المعمعة ليصبح صبيحة يومه ثائرًا وفي مسائه ضميرًا لأمته. 

عودة الوعى تحول دون صداقة توفيق الحكيم 

بينما حملت علاقة الجورنالجي بالكاتب الكبير توفيق الحكيم مزيجًا من التقدير والصدام فقد اصطحبه معه إلى "الأهرام" وكان يضع "عودة الروح" و"يوميات نائب في الأرياف" في الصدارة من محباته، لكن هذه الصداقة اهتزت عنفًا بعد رحيل عبد الناصر عقب صدور كتاب "عودة الوعي" عام 1972،  إذ رأى هيكل في توقيت النقد نوعًا من تصفية الحسابات السياسية التي افتقدت الشجاعة في حياة صاحب التجربة.

عبد الناصر اثناء زيارته للاهرام وهيكل والحكيم فى استقباله 
عبد الناصر اثناء زيارته للاهرام وهيكل والحكيم فى استقباله 

صداقة طويلة مع عادل إمام 

ولم يغب المسرح والسينما عن ذاكرة الجورنالجي، إذ بدأت صداقته مع الزعيم عادل إمام بجملة تلقائية قالها له هيكل: "إذا كانت لك قائمة معجبين فأنا على رأسها"، ليحضر لاحقًا عرض فيلم "الإرهاب والكباب" عام 1992 مشدوهًا بقدرة الكوميديا على تفكيك بنية السلطة. 

الجريدة الرسمية