رئيس التحرير
عصام كامل

7 أيام في الصعيد، البابا تواضروس بين ذاكرة المكان ومحبة الرعية

البابا تواضروس
البابا تواضروس
18 حجم الخط

في الصعيد، لا تمر زيارة البابا تواضروس الثاني كموعد في جدول، ولا تنتهي بمجرد مغادرة الموكب آخر قرية، هناك شيء آخر يحدث على الطرق وبين الكنائس وفي وجوه الناس، شيء أقرب إلى استعادة علاقة قديمة بين الراعي والرعية، بين أب يأتي ليرى أبناءه عن قرب، وأبناء يصرون على أن تكون لحظة مروره بينهم مناسبة للوقوف على جانبي الطريق، ولو لدقائق، طلبا للبركة.

على مدار سبعة أيام، امتدت جولة قداسة البابا تواضروس الثاني بين محافظتي المنيا وبني سويف، من إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين إلى إيبارشية ببا والفشن وسمسطا، ومن الأديرة التي تحمل ذاكرة الرهبنة المصرية إلى الكنائس التي تشكل الحياة اليومية لأبناء الصعيد. وفي الطريق، لم تكن المحطات منفصلة عن بعضها، بل بدت كأنها صفحات متتابعة من حكاية واحدة عنوانها الافتقاد والحضور.

اختتم قداسة البابا تواضروس الثاني جولته الرعوية مساء الاثنين 21 سبتمبر 2026، بعد برنامج امتد سبعة أيام وشمل زيارة إيبارشيتين وديرين، وتدشين ثلاث كنائس، إلى جانب لقاءات مع مجامع الكهنة والرهبان والراهبات والمكرسات، ولقاءات رسمية وشعبية، وافتتاح مشروعات خدمية ووضع أحجار أساس لكنائس ومبان خدمية.

من ملوي إلى ببا.. الزيارة التي تحركت بين التاريخ والحاضر

بدأت الجولة في محافظة المنيا، حيث زار البابا إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين، بما تحمله المنطقة من ثقل تاريخي وروحي في ذاكرة الكنيسة القبطية، ثم امتدت الزيارة إلى دير السيدة العذراء ورئيس الملائكة ميخائيل بالبهنسا، قبل أن يصل إلى دير القديس الأنبا صموئيل المعترف بجبل القلمون.

وفي هذه المحطات، كان المكان جزءا من الرسالة، فالصعيد الذي عرف آباء الرهبنة والكنائس القديمة، هو نفسه الصعيد الذي تتسع فيه المدن الجديدة وتحتاج فيه المجتمعات إلى كنائس وخدمات ومؤسسات تستوعب أبناءها.

ومن المنيا انتقلت الجولة إلى بني سويف، حيث إيبارشية ببا والفشن وسمسطا، وهناك أخذت الزيارة شكلا آخر يجمع بين الصلاة والافتقاد والعمل العام. وضع قداسة البابا حجر أساس كاتدرائية الآباء البطاركة والقديس أثناسيوس الرسولي والبابا كيرلس السادس بمدينة الفشن الجديدة، في مساحة تبلغ 2295 مترا مربعا، في واحدة من أبرز محطات الجولة.

ولم يكن اختيار مدينة الفشن الجديدة مجرد تفصيل عمراني، فالكاتدرائية تأتي مع نمو مجتمع جديد في المدينة، وهو ما عبر عنه البابا خلال مراسم وضع حجر الأساس، رابطا بين تعمير المدن الجديدة والحاجة إلى وجود المؤسسات الدينية والخدمية إلى جوار السكان.

الصعيد الذي خرج إلى الطرق

لكن المشهد الأكثر حضورا في الزيارة لم يكن داخل الكنائس وحدها.

على امتداد الطريق، خرج الناس لاستقبال البابا. أطفال وفتيات وشباب، رجال ونساء وكبار سن، تجمعوا في القرى والمدن وعلى الطرق المؤدية إليها، يحملون سعف النخيل واللافتات، ويرددون عبارات الترحيب، فيما كانت الزغاريد وهتافات مثل "بنحبك يا بابا" و"البابا زي الورد" تسبق وصوله أحيانا.

كان واضحا أن الأمر بالنسبة إلى كثيرين لم يكن مجرد مشاهدة بابا الكنيسة، وإنما لقاء شخص يرونه أبا وراعيا جاء إليهم بنفسه.

هذه الصورة تكررت في أكثر من محطة، حتى أصبحت واحدة من العلامات اللافتة للجولة، إذ شاركت فيها مختلف الأعمار، في مشهد يعكس طبيعة الزيارات البابوية للصعيد باعتبارها مساحة للقاء المباشر، بعيدا عن المكاتب واللقاءات الرسمية.

الصلاة أولا.. والإنسان في قلب الزيارة

في ببا، ترأس قداسة البابا صباح الأحد 20 سبتمبر القداس الإلهي بكنيسة الشهيد العظيم مار جرجس بمقر مطرانية ببا والفشن وسمسطا، بمشاركة الأنبا إسطفانوس أسقف الإيبارشية وعدد من المطارنة والأساقفة والآباء الكهنة وأبناء الكنيسة.

وفي عظته، ارتبطت كلمات البابا بالبرنامج الروحي لشهر توت، فتحدث عن المحبة باعتبارها أعظم الفضائل، وعن التوبة والعمل والحياة التي تتحول فيها الوصية إلى سلوك يومي.

وبدا المعنى متسقا مع طبيعة الجولة نفسها، فالمحبة التي تحدث عنها البابا لم تكن مجرد موضوع للعظة، بل ظهرت في شكل الزيارة ذاتها، في الطريق، وفي استقبال الناس، وفي اللقاءات التي جمعت البابا بالكهنة والرهبان والراهبات والمكرسات وأبناء الإيبارشيات.

من الكنيسة إلى المجتمع

امتدت الزيارة أيضا إلى المجال العام، حيث شهدت إيبارشية ببا والفشن لقاء رسميا حضره محافظ بني سويف وعدد من القيادات التنفيذية والأمنية والدينية، إلى جانب ممثلين عن الطوائف المسيحية.

وخلال اللقاء، تحدث البابا عن مصر باعتبارها وطنا يجمع أبناءها، وربط بين طبيعة الشخصية المصرية وقيم الهدوء والتدين والصلاة، كما أكد أن المدارس القبطية عبر تاريخها تخدم المصريين جميعا وتهدف إلى إعداد المواطن الصالح.

وهنا بدت الزيارة أوسع من برنامج كنسي مغلق، إذ جمعت بين الصلاة والافتقاد والحضور المجتمعي، وهي مساحة حرص البابا خلال السنوات الماضية على الحفاظ عليها في زياراته للمحافظات والإيبارشيات.

سبعة أيام تختصر معنى الافتقاد

في المحصلة، حملت الجولة سبعة أيام من الحركة بين الكنائس والأديرة والقرى والمدن، لكنها حملت أيضا معنى أعمق للافتقاد.

فالبابا لم يكتف بأن يستقبل أبناء الإيبارشيات في الكنائس، وإنما ذهب إليهم في أماكنهم، وصلى معهم، والتقى كهنتهم ورهبانهم وراهباتهم ومكرساتهم، وشارك في وضع أحجار أساس لمبان جديدة، ودشن كنائس، وتفقد مشروعات، ووقف أمام مواقع تحمل ذاكرة طويلة للكنيسة في صعيد مصر.

وفي المحطة الأخيرة، كان اللواء عبد الله عبد العزيز، محافظ بني سويف، وعدد من قيادات المحافظة في وداع قداسة البابا بقرية عزبة جعفر، لتنتهي بذلك جولة امتدت سبعة أيام بين المنيا وبني سويف.

ربما لهذا بدت عبارة البابا التي اتخذت شعارا للزيارة، "المحبة لا تسقط أبدا"، أكثر من مجرد شعار مكتوب على لافتة. فقد ظهرت في تفاصيل الأيام السبعة، في الطريق الذي امتلأ بالمنتظرين، وفي يد طفل يرفع سعفة نخيل، وفي شيخ ينتظر مرور الموكب، وفي كنيسة تستعد لاستقبال أبيها، وفي دير يستعيد ذاكرته أمام زائر يعرف قيمة المكان.

الجريدة الرسمية