بوليس زمان
"جعبور" يخرج من القبر بعد دفنه.. العسكري بمحضر رسمي: "إنت مَمتّش قبل كده؟"، والمرحوم: "لا.. دي أول مرة"
هل تصدق أن إنسانا يعود إلى الحياة بعد أن تمزقت جثته إربا، وشُيعت جنازته، واستقر في قبره، وتلقى أهله التعازي في مأتمه، وتم قيده في دفتر الوفيات؟!.. حدث هذا فعلًا، و«المرحوم» لا يزال حيًا يرزق، وعلى استعداد لاستقبال من يشاء.. وهذه قصته.
الخباز يصرخ فجأة أثناء جمع أشلاء ضحايا حادث قطار
حدثت الواقعة بمدينة كفر الزيات؛ عام 1954 وتم نشرها في مجلة المصور.. كان «عبد العزيز الخباز» يسير على الرصيف في كفر الزيات، بين الذين تطوعوا لجمع أشلاء ضحايا حادث قطار كان قد وقع في ذلك الوقت.
وبينما كان الخباز منهمكا في عمله الإنساني بجمع أشلاء الضحايا، إذ به يصرخ فجأة: «الله يرحمك يا أسطى جعبور.. إنا لله وإنا إليه راجعون».

ولما سأله رجال البوليس: "من يكون جعبور هذا؟"، أخرج منديله وجعل يكفكف دموعه؛ وقال بصوت خافت: “دا محمد عبد الله جعبور.. الأسطى الماهر في حلاقة الذقن.. بيشتغل في كفر الزيات”.
المفاجأة الكبرى: «المرحوم» في صالون النعيم يغني
اتخذ البوليس الإجراءات اللازمة، وتم إرسال بعض الأشلاء المغطاة في تابوت محكم الغلق إلى أهل جعبور في «منوف» بمحافظة المنوفية.
واستقبلت أسرة جعبور فقيدها بالصراخ والعويل.

وبعد أن رقدت الجثة في القبر قام البوليس بإعطاء أم جعبور إعانة مالية قدرها 50 جنيها وهي الإعانة التي أمر الرئيس الراحل محمد نجيب بصرفها للضحايا في الحوادث المماثلة، فأخذتها وأقامت منها عزاء أربعة أيام على وفاة جعبور، وعاد الخباز إلى عمله في كفر الزيات، وأثناء مروره فجأة أمام صالون جعبور الذي أطلق عليه «صالون النعيم»، فإذا هو يرى أمامه «جعبور» بنفسه ولحمه ودمه يُغني.
أصيب الخباز بالجنون، واقتحم المحل على «جعبور» وهو يصيح: «عفريت جعبور... عفريت جعبور... أنت عفريت جعبور».
ظل الخباز يردد الجملة الأخيرة، حتى ظن زملاؤه أنه أصيب بـ «بلوثة»؛ وحولوه إلى الدكتور حسن عبد العزيز طبيب المستشفى الأميري، لتوقيع الكشف عليه، بعد أن تأكد لديهم أنه أصيب بـ «بلوثة».
وأشار الطبيب على الخباز بأن يلتزم الراحة التامة، ووصف له بعض العقاقير المهدئة.
ومرت ثلاثة أيام، وغادر الخباز فراشه، وقد ظن أنه كان ضحية كابوس ثقيل، صور له قصة عفريت جعبور هذا، ثم سار في الطريق، في شارع البحر، حيث يقع صالون جعبور فجأة رآه مرة أخرى فعرف أنه لم يكن من بين ضحايا حادث القطار.
وعندما ذهب جعبور إلى بلده في منوف فوجئت والدة جعبور بولدها وكأنه «بعث من قبره»، ودخل عليها البيت؛ فحدثت لها صدمة ثم تعالت الزغاريد، واجتمع أهل منوف كلهم، ليشاهدوا الميت الذي عاد من العالم الآخر؛ بينما الأم تسأل ولدها، ودموع الفرح تغطي وجهها: «إزاي خرجت من التربة تاني يا جعبور؟!»، فأجابها ولدها: «أوعي تصدقي اني مت... دي اشاعة كاذبة»
وطالب البوليس والدة جعبور بمبلغ الخمسين جنيها، التي تسلمتها من قبل؛ فقدمتها له وهي تقول: «أنا صرفتهم صحيح على الأيتام.. لكن والله لو طلبتوا فيه ألف جنيه، لأبيع كل اللي حيلتي وأفديه... هو أنا عندي كام جعبور؟!».
هل سبق لك الموت؟
وفي مركز شرطة كفر الزيات سأل العسكري النوبتجي جعبور وفي وجهه مئات من علامات الاستفهام.
اسمك ايه يابني يا آدم؟
أنا اسمي محمد عبدالله جعبور المولود في منوف بمديرية المنوفية
هل سبق لك أن مت فى سمنود أو كفر الزيات؟
نظر جعبور مندهشا إلى العسكري من غرابة السؤال
أين كنت يا «جعبور» ساعة موتك؟
فأجاب: لم أكن موجودًا في كفر الزيات في ذلك اليوم، فقد ذهبت إلى إحدى القرى المجاورة، لكي أخطب لنفسي، ابنة رجل طيب... فأنا كما ترون على وش جواز، وراجل كسيب.. وقد أقسم الرجل الذي ذهبت لخطبة ابنته، أن أبقى في ضيافته ثلاثة أيام، على طريقة العرب؛ فلم أشأ أن أكون سببًا في طلاق زوجة صهري؛ وأمضيت هناك ثلاثة أيام، وعندما عدت إلى كفر الزيات، فوجئت بعبد العزيز الخباز وهو يبكي في الشارع... وهو ينادي عليّ بـ (عفريت جعبور)، أصلي كنت رايح أموت من العطش في المحطة!
يا جدع اتكلم كويس... إحنا بنسألك عن موتتك على طريقة عزرائيل؟ هل حصل لك موت من النوع ده؟
لا يا افندم... دي أول مرة!
يعني أنا لسه مامتّش؟
انت متأكد من نفسك كويس؟
متأكد يا أفندم!
وحرر الجندي النوبتجي محضرًا بهذه الواقعة الغريبة، وعرضه على مأمور المركز، فأشار على العسكري بأن يُرسل محضرا إلى منوف للتأكد من شخصيته!
وفي الطريق من كفر الزيات إلى منوف، لم ينقطع الأسطى جعبور لحظة واحدة عن إبداء سخطه على بلدياته عبد العزيز الخباز.
جعبور عبد الله الحلاق، الذي عاد إلى الحياة بعد الموت، واجهته مشكلة أخرى وهي أنه مقيد في دفاتر الصحة على انه متوفي.
ولكي يعود هذا «المرحوم» إلى سِجل الأحياء، يجب أن يُرفع الأمر إلى «وزارة الصحة»، التي ستبعث بدورها إخطارًا إلى قيد المتوفين، لإلغاء القيد، وإعادة الأسطى جعبور إلى «جدول الأحياء».
