المبادرات وحدها لا تكفي!
المقصود هنا ليس مستشفى يُبنى ولا شبكة تُمدّ. المقصود موجة إدارية نظرية صارت بديلًا عن النظام الثابت والأداء الناجز فخرجوا علينا بما يسمى مبادرة أو فرقعة، شو في الأجواء، منها جائزة تميز، سفير تميز، ورشة جاهزية، جولة ميدانية بعنوان جديد، وفئة تُستحدث كل عام..
مبادرة صدّرني، وغيرها، وكلها يمكن أن تكون أنشطة مجتمع مدني ولا تصلح أنشطة وزارات تنفيذية، أرى أن هذه النماذج في جوهرها فرقعات إعلامية تستهلك وقت القيادات ومال الموازنة وجهد الموظفين، ثم تنتهي كما بدأت، الخدمة لم تقصر، والإجراء لم يُلغَ، والشباك لم يتغيّر.
الموضة انطلقت من دبي قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا ببرنامج التميز الحكومي عام ١٩٩٧ ثم الحكومة الإلكترونية في إبريل عام ٢٠٠٠، الفكرة الأصلية كانت مؤشرًا مربوطًا بزمن محدد، غير أن الاسم سافر بلا منهج واضح ومحدد، ودخل مصر عبر شراكة خلال عام ٢٠١٨، ودورة أولى للجائزة كانت عام ٢٠١٩، وها نحن في الدورة الخامسة عام ٢٠٢٦..
في الدورة الرابعة وحدها، أكثر من ١٢ ألف طلب، ونحو ٣٤٤ إلى ٣٥٠ ألف ساعة تدريب، و١١٤ ألف ساعة تقييم، و٢٠١ زيارة ميدانية، و٢١٩ مكرَّمًا! في الجامعات خلال عام ٢٠٢٥ كان هناك ١٦٤ سفير تميز و٥٠ ألف ساعة تدريب و٥٦ ألف ساعة تقييم، عذرًا هذا ليس إصلاحًا..
هذا جهاز موازٍ ينتج ملفات ودروعًا، ثم تُكافأ الآلة على التكاثر، وبين الفئات «جائزة المبادرة الحكومية الابتكارية»، فتُمنح المكافأة لمن يضيف عنوانًا لا لمن يحذف خطوة حقيقية من البيروقراطية!، لتمتد جوائز داخلية من خمس جامعات إلى ٢٧ جامعة، ثم البريد والشهر العقاري، ثم مديريات الصحة، ثم أفضل مبادرة مشتركة، وكلما ضاق العائد اتسع الكتالوج.
أما الحملات العنوانية مثل مصر تنطلق بالتصدير، ياللاّ نصنع وياللاّ نتطور وغيرها.. كلها من صنع الصف الأول حول المسئول ونوع من التلميع وبيع الهواء، و١٢٦ شركة للتصدير فتعيد تشخيصًا معلومًا ولا جديد، أكبر ٥٠ شركة تستحوذ على نحو ٤٣٪ من الصادرات، الأداة المالية قائمة: ٢٨ مليار جنيه مساندة في تصديرية خلال عام ٢٠٢٦/٢٠٢٥ ونحو ٣١٠٠ شركة مستفيدة أصلًا، الجولة لا تخلق سوقًا، فهي تخلق منصة وصورًا من دون رقم حقيقي بعد ربع سنة عن مصدرين جدد، بسبب الجولة وحدها تظل المبادرة مجرد فرقعة!
الموازنة لا تفرد بندًا اسمه هدر المبادرات، وهذا جزء من العطب، وما يظهر كافٍ، حفلات، مؤتمرات، دعاية، معارض بلغت في أحد الجداول نحو ١٫٧٩ مليار جنيه، وأكاديمية تدريب بموازنة جارية تقارب ٣٩ مليونًا واستخدامات رأسمالية نحو ٢٥٢ مليونًا لعام ٢٠٢٦/٢٠٢٥، وفي المقابل تقترب فوائد الدين من ٢٫٣ تريليون جنيه، هناك إنفاق احتفالي بلا عائد،وحدة خدمة، في دولة يبتلع فيها الدين الحيز المالي، ليس تطويرًا مؤسسيًا بل هو تسريب مالي واداري.
بالمقارنة مع أوروبا وأمريكا والصين تُسقط الوهم بأن هذا علم إدارة عالمي، فالاتحاد الأوروبي يعمل بأدوات التشريع الأفضل، تقييم أثر قبل القاعدة الجديدة، وبرنامج تنظيف القواعد القديمة، ومراجعة لاحقة، والهدف المعلن تقليل العبء لا إكثار اللافتات، في كثير من دول منظمة التعاون الدولية تُدرج بنود انقضاء زمني أو مراجعة إلزامية؛ والقاعدة تموت إن لم تُثبت نفعها.
أمريكا منذ قانون الأداء والنتائج الحكومية GPRA ١٩٩٣ وتحديثه ٢٠١٠ تُلزم الوزارة بعدد محدود من الأهداف ذات الأولوية، عادة ثلاثة أو أربعة كل عامين، تُنشر وتُراجع، ويحاسبها جهاز الرقابة. الكلمة تُستخدم أحيانًا، لكن العمود الفقري يبقى مهمة الوزارة في القانون وموازنتها ومؤشرها، لا صناعة جوائز موازية.
الصين تعرف الحملات، لكنها تربطها بأهداف رقمية قاسية في تقييم الكادر،والأهم من ذلك أنها تهاجم صراحة مشاريع الصورة ومنجزات الواجهة باعتبارها عبئًا وديونًا وغضبًا شعبيًا.. أي أن ما نسميه عندنا تميزًا مؤسسيًا يُصنَّف هناك مشروعًا استعراضيًا يُضخم.
كل هؤلاء لا يعيشون موضة المبادرات كما نعيشها، ولا يعيّنون آلاف السفراء لكتابة ملفات ترشح، ولا يفتحون فئة جائزة كل موسم، ولا يستبدلون اختصار المعاملة وانجازها بحفل تحت رعاية، الإدارة عندهم تسير بنظام ثابت: اختصاص قانوني، موازنة، برامج، مؤشر خدمة، وتقييم بعدي والمبادرة، إن وُجدت.. استثناء موقوت يُغلق.
علينا أن نعود إلى هذا النظام، يُحظر إطلاق مبادرة إدارية إلا إذا ألغت إجراءً قائمًا ونشرت خلال تسعين يومًا أثرها على زمن الخدمة وتكلفتها، وتُحلّ وحدات التميز والمبادرات داخل الإدارة الأصلية، وتُسقف نفقات المؤتمرات والدعاية والتدريب الاحتفالي، وتُشطب فئة الجائزة إن لم يتحسن شباك الجهة الفائزة. التكريم يجب ألا يسبق النتيجة، والنتيجة لا تُقاس بعدد الدروع.
عفوًا.. كفى فرقعات، فالمال العام ليس منصة، الجهاز وُجد ليُنجز المعاملة نفسها كل يوم، بلا اسم جديد وبلا سفراء، وما لا يُختصر في ورق المواطن لا يستحق ساعة تدريب ولا جنيه واحد إنفاق على الدعاية.
رجاءً من محبًا لوطنه وعاشقًا للنجاح: كفى أن نُجمّل الشباك ونترك الإجراء كما هو، فالمواطن لا يبحث عن لافتة جديدة ولا درع على الحائط، بل عن دقيقة أقل في الانتظار وورقة أقل في الملف وجنيه أقل في انفاقه وإنجاز حقيقي لصالحه.. فلنجعل المعيار واحدًا فقط: هل اختصرت المبادرة خطوة؟ هل قللت تكلفة؟ هل قصّرت زمنًا؟ ما دون ذلك ضجيج.. فلنُغلق باب الفرقعات، ونفتح باب المحاسبة، فالدولة لا تُدار بالحملات، بل بالنتائج التي تُرى في جيب الناس ووقتهم.
