رئيس التحرير
عصام كامل

محمد عبد الجليل يكتب: كلنا فاسدون.. شاركنا في التخلص من فتاة الصف.. فماذا تبقى لنا من إنسانية؟!

محمد عبد الجليل
محمد عبد الجليل
18 حجم الخط

ثم جاء بيان الداخلية.. وهنا انقلب كل شيء، البيان الذي انتظره الجميع لمعرفة أين ذهبت فتاة الصف، جاء ليكشف الحقيقة، فتحولت الحكاية في لحظات من قصة فتاة غائبة يبحث عنها الجميع، إلى موجة عارمة من التعليقات والاتهامات والخوض في عرضها.

مش دي البنت اللي كانوا بيقولوا عليها مخطوفة؟!
ومن هنا بدأ فصل آخر أكثر قسوة.
السخرية.. الإهانات.. الاتهامات.. والخوض في العرض تحت شعار "الشرف"، وكأننا جميعا قضاة لا نخطئ.
عشرات الآلاف من التعليقات للخوض في عرضها!

آلاف الأشخاص يكتبون، وبعضهم يسب ويهين ويخوض في عرض فتاة، وكأنها لم تكن طفلة، وكأنها ليست أختا لأحد، وبنتا لأب وأم، وإنسانة لها مشاعر وكرامة.

والأكثر قسوة أننا نحن الصحفيين لم نتوقف.
محررو الحوادث تسابقوا.
صورة هنا..
اسم هناك..
تفاصيل عن حياتها..
وتفاصيل أخرى لا أعرف حتى الآن لماذا كان من الضروري أن يعرفها الناس.
حتى أنا.. كاتب تلك السطور، ألوم نفسي.. اشتركت في ذلك.
نشرت اسمها وصورتها، حتى لو كانت الصورة مموهة أو مضللة.

لكن قبل أن نصل إلى هذه اللحظة، علينا أن نلوم محامي الأسرة الذي عقد مؤتمرا صحفيا في مكتبه، وتحدث الأب والأم والإخوة، في مشهد تحول إلى حديث الناس.
المحامي كان يضع أمام الرأي العام رواية اختفاء الفتاة، ويهيئ الجميع لفكرة أنها تعرضت للخطف.
وفجأة أصبح السؤال الذي يشغل الناس جميعا:
أين ذهبت الفتاة؟
وفي الجهة الأخرى، كانت وزارة الداخلية تعمل في صمت.
لا مؤتمرات.. لا صخب.. لا روايات تتصدر مواقع التواصل.
تحريات وتحركات للوصول إلى الفتاة ومعرفة الحقيقة.

ثم جاء البيان..

وانقلب كل شيء، لكن وسط كل هذا الصخب، كان هناك سؤال أهم من كل التعليقات:
هل كنا ننقل خبرا فعلا، أم كنا نشارك في ذبح إنسان؟
هل الخطأ يجعل الإنسان بلا كرامة؟
هل الخطأ يمنح الآخرين الحق في تمزيق ستره أمام ملايين الناس؟
وجاءت النهاية التي لا يستطيع عقل أن يستوعبها.
الأخ الأكبر استلم أخته من قسم الشرطة، وبعد نحو ساعة فقط، كانت النهاية.

أخ يقتل أخته!

أخت كانت حتى وقت قريب فتاة صغيرة في بيت أبيها، وحبيبة أمها، ودلوعة أسرتها، ثم أصبحت جثة.

مشهد يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال، وكأن صرخة خرجت من المشهد تقول:

"ها أنا يا بشر.. غسلت عاري.. تخلصت من الفضيحة.. لعلكم تخرصون.. لعلكم تسكتون.. لعلكم ترحمونني.. وترحموا ما تبقى لي من كرامة".

لا أحد يملك أن يبرر جريمة قتل.
ولا يمكن أن نقول: إن التعليقات أو الصحافة أو كلام الناس وحدها صنعت الجريمة.
القاتل وحده يتحمل جريمته.
لكن هل يعني ذلك أننا جميعا أبرياء من المشهد الذي سبقها؟

لا.
كلنا أخطأنا.
كلنا ضغطنا على تلك الأسرة.
كلنا شاركنا، بدرجات مختلفة، في تحويل حياة فتاة إلى مادة للفرجة والنهش والخوض في العرض.

وأنا هنا ألوم نفسي؛ لا أبرر خطئي، بل أقولها صراحة:
لقد أخطأت، كنت أستطيع ألا أنشر اسمها، كنت أستطيع ألا أنشر صورتها.
كنت أستطيع أن أقول: هذه طفلة، وهذه أسرة ستعيش بما نكتبه عنها بعد أن ينتهي الخبر ويذهب القارئ إلى خبر آخر.
لكننا لم نفعل، والآن نحن أمام جريمة قتل لا يمكن أن نعيد عقارب الساعة بعدها.
هذه الفتاة كانت طفلة..
أختا لأخ..
بنت أبيها..
وحبيبة أمها..
والبنت الدلوعة الجميلة التي كان يفترض أن تكبر أمام عيون أسرتها، لا أن تنتهي حياتها بهذه الصورة المفجعة.

وفي هذا المقام شديد القسوة على نفسي، لا أجد ما أقوله أكثر مما قاله النجم أحمد زكي في فيلم "ضد الحكومة"، للكاتب وجيه أبو ذكري، والسيناريو لبشير الديك:

"كلنا فاسدون.. كلنا فاسدون.. لا أستثني أحدا.. حتى بالصمت العاجز.. المواطن قليل الحيلة".

نعم..
كلنا أخطأنا.
الصحفي الذي نشر الاسم والصورة..
والذي أعاد النشر..
والذي كتب التعليق..
والذي شارك المنشور..
والذي جلس يتفرج في صمت..
كل واحد منا عليه أن ينظر إلى نفسه قبل أن يبحث عن شخص آخر يلومه.
لأن الكلمة قد تستغرق منا ثواني لكتابتها..
لكنها قد تهدم بيت كامل إلى الأبد.

حفاظا على ما تبقى لنا من إنسانية!
قبل أن ننشر صورة إنسان، أو نكتب اسمه، أو نفتح عليه أبواب السوشيال ميديا، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا واحدا:
هل نحن ننقل خبرا.. أم نشارك في ذبح إنسان؟

الجريدة الرسمية