رئيس التحرير
عصام كامل

نائبة تتساءل: ما المعايير الفعلية التي تحكم قبول الطلاب الوافدين واللاجئين في الجامعات المصرية؟

مجلس النواب، فيتو
مجلس النواب، فيتو
18 حجم الخط

تقدمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، ووزير التربية والتعليم والتعليم الفني، وذلك بشأن عدالة قواعد القبول بالجامعات المصرية وتكافؤ الفرص بين الطلاب المصريين والوافدين واللاجئين وتغيير قواعد احتساب الشهادات الدولية.

الدولة المصرية تمتلك جامعات عريقة

قالت النائبة مها عبد الناصر، في مستهل السؤال: إنه لا خلاف على أن الدولة المصرية تمتلك جامعات عريقة، وأن تطوير منظومة التعليم العالي والانفتاح على الطلاب العرب والأفارقة والأجانب وتعزيز مكانة الجامعات المصرية إقليميًا ودوليًا أهداف مشروعة، كما لا خلاف على أهمية مبادرة «ادرس في مصر» التي أطلقتها الحكومة في منتصف 2019 لجذب الطلاب الوافدين وتعزيز التبادل العلمي والثقافي، وفتح مسارات جديدة للتعاون بين الجامعات المصرية ونظيراتها في مختلف دول العالم.

وأضافت: إلا أن ما يثير القلق ويستوجب من الحكومة إجابات واضحة هو أن تتحول فكرة جذب الطلاب الوافدين مؤخرًا من وسيلة لتعزيز مكانة التعليم المصري إلى منظومة يغلب عليها المنطق التجاري، يصبح فيها الطالب القادر على دفع المصروفات بالعملة الأجنبية أكثر قدرة على الوصول إلى بعض الكليات والتخصصات من الطالب المصري الذي خاض سنوات من الدراسة والمنافسة الشديدة داخل منظومة التعليم المصرية.

كما أكدت النائبة أن التعليم الجامعي ليس سلعة عادية، والمقعد الجامعي ليس منتجًا تجاريًا يمكن تخصيصه ببساطة لمن يدفع أكثر، والجامعة المصرية ليست سوقًا لبيع المقاعد الدراسية، كما أن الطالب المصري لا يجوز أن يتحول إلى الطرف الذي يتحمل تكلفة تسويق التعليم المصري خارجيًا.

إعادة النظر في فلسفة التعامل مع ملف الطلاب الوافدين

كما أشارت "عبد الناصر" إلى أنه من هنا تبرز ضرورة إعادة النظر في فلسفة التعامل مع ملف الطلاب الوافدين، ليس رفضًا لاستقبالهم، ولا انتقاصًا من حقهم في التعليم، وإنما دفاعًا عن مبدأ دستوري وإنساني أساسي، وهو تكافؤ الفرص وعدالة المنافسة وحماية حق الطالب المصري في الحصول على فرصة تعليمية عادلة تتناسب مع تفوقه وجهده.

وتابعت: الطالب المصري الذي يقضي سنواته في الثانوية العامة، أو مدارس المتفوقين STEM، أو غيرها من مسارات التعليم، ثم يدخل في منافسة شرسة للحصول على مقعد في كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة وغيرها من الكليات الأعلى طلبًا، لا يمكن أن يفهم أو يقبل أن تكون هناك قواعد مختلفة جذريًا لطالب آخر لمجرد أنه وافد أو قادر على سداد مصروفات بالعملة الأجنبية. 

الحكومة تتبنى مبادرة "ادرس في مصر"

 وأشارت الدكتورة مها عبد الناصر أيضًا إلى أنه إذا كانت الحكومة تتبنى مبادرة «ادرس في مصر» بهدف تحويل الجامعات المصرية إلى وجهة تعليمية إقليمية ودولية وجذب العملة الأجنبية، فإن السؤال المشروع هو أين يقف الطالب المصري من هذه السياسة؟ وهل يجوز أن تكون جاذبية التعليم المصري للوافدين هدفًا اقتصاديًا مشروعًا، لكن على حساب عدالة المنافسة بين أبناء الوطن؟

كما أكدت عضو مجلس النواب على أنه بلا شك من حق الدولة أن تستفيد من مواردها التعليمية وأن تجذب الطلاب الوافدين، لكن ليس من حقها أن تجعل المقابل المالي معيارًا يتقدم على الاستحقاق الأكاديمي عندما يتعلق الأمر بمقاعد محدودة في تخصصات لا تحتمل التوسع غير المحسوب، خاصة كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة.

وحذرت "عبد الناصر" من أن الحكومة قد تبرر ذلك بأن الطلاب الوافدين يتم قبولهم على مقاعد إضافية، ولا يؤثرون على أعداد الطلاب المصريين المقبولين من خلال التنسيق، وهذا التبرير، حتى لو صح من الناحية الإدارية، لا يعفي الحكومة من الإجابة عن سؤال أكبر، هل توجد بالفعل طاقة استيعابية حقيقية تسمح بهذا التوسع دون التأثير على جودة التعليم والتدريب العملي والإمكانات المتاحة داخل المستشفيات الجامعية والمعامل والمدرجات وأعضاء هيئة التدريس؟!

 مقعد كلية الطب ليس مجرد مقعد في مدرج

كما أشارت عضو البرلمان المصري إلى أن مقعد كلية الطب ليس مجرد مقعد في مدرج؛ وإنما يرتبط بمنظومة تدريب سريري ومستشفيات جامعية ومعامل وأعضاء هيئة تدريس وإمكانات علاجية وتدريبية، وبالتالي فإن زيادة الأعداد، أيًا كان مصدرها، يجب أن تخضع لدراسات دقيقة للطاقة الاستيعابية، حتى لا تتحول الرغبة في زيادة الموارد إلى ضغط على جودة التعليم الطبي وعلى مستوى الخريجين.

وأكدت عبد الناصر على أنه لا يمكن كذلك تجاهل البُعد الخاص بالطلاب اللاجئين، حيث يجب أن تراعي الدولة البعد الإنساني والظروف الاستثنائية التي مروا بها، وهو أمر محل تقدير، لكن في الوقت ذاته ينبغي وضع إطار واضح وشفاف يوازن بين الاعتبارات الإنسانية من ناحية، والحد الأدنى من المعايير الأكاديمية وجودة التعليم وحقوق الطلاب المصريين من ناحية أخرى، حتى لا تتحول الاستثناءات الإنسانية إلى قواعد غير منضبطة أو فروق دائمة في فرص الالتحاق بالتخصصات الجامعية شديدة التنافس.

وتابعت، كما أنه في المقابل، يواجه الطالب المصري منظومة شديدة الصعوبة، ويُطلب منه تحقيق درجات مرتفعة للغاية حتى يتمكن من المنافسة على مقعد جامعي في التخصص الذي يرغب فيه، خصوصًا في الكليات الطبية، ولذلك فإن وجود فروق كبيرة وغير مفهومة في الحدود الدنيا أو معايير القبول بين المصريين والوافدين يخلق شعورًا عميقًا بعدم العدالة، ويبعث برسالة خطيرة إلى الطالب المصري مفادها أن سنوات اجتهاده ومذاكرته وتفوقه قد لا تكون كافية لضمان الفرصة التي يحصل عليها غيره بمعايير مختلفة.

وأشارت النائبة مها عبد الناصر إلى أنه لا بد أن تكون الحكومة صريحة، فهل تنظر إلى التعليم باعتباره حقًا واستثمارًا في الإنسان المصري أولًا، أم باعتباره موردًا اقتصاديًا يمكن تعظيم عوائده من خلال بيع الخدمات التعليمية لمن يستطيع الدفع؟ فالتعليم المصري يمكن أن يكون مصدرًا للعملة الأجنبية، ويمكن أن يكون أداة للقوة الناعمة، ويمكن أن يجذب آلاف الطلاب من مختلف دول العالم، ولكن كل ذلك يجب أن يأتي في إطار يحافظ أولًا على قيمة التعليم وكرامة الطالب المصري وعدالة المنافسة قبل كل شيء.

كما أشارت أيضًا في السياق ذاته، إلى أنه تبرز أزمة أخرى تتعلق بطلاب الشهادات الدولية، وعلى رأسها IGCSE والدبلومة الأمريكية، الذين فوجئ أولياء أمورهم بإدخال اللغة العربية والتاريخ ومواد الهوية ضمن عناصر احتساب المجموع المؤهل للقبول الجامعي، وبنسب قد تصل إلى 20% من الدرجة التي تتم على أساسها المنافسة.

اللغة العربية والتاريخ والهوية الوطنية

وقالت: ولا خلاف على أهمية اللغة العربية والتاريخ والهوية الوطنية، ولا يعترض أحد على أن يتعلم الطالب المصري هذه المواد، بل إن الحفاظ على الهوية جزء أصيل من مسؤولية الدولة التعليمية، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تغيير قواعد المنافسة بعد أن بدأ الطالب بالفعل رحلته التعليمية وفق نظام مختلف. متابعة، فالطالب الذي يدرس في نظام دولي منذ سنوات يختار مواده ويخطط لمساره الأكاديمي بناءً على قواعد محددة، ثم يجد قبل دخوله الجامعة أن مواد جديدة أصبحت مؤثرة بصورة مباشرة في مجموعه التنافسي، فإنه يتحمل نتيجة قرار لم يكن طرفًا في وضعه.

وأكدت عبد الناصر على أنه إذا كانت هذه المواد تمثل 20% من المجموع النهائي، فإن الفارق ليس هامشيًا، فطالب يحصل على 80% في هذه المواد بدلًا من 100% قد يخسر أربعة نقاط كاملة من مجموع المنافسة، وهي نسبة قد تكون حاسمة في سباق شديد التنافس على كلية مثل الطب.

كما أكدت أيضًا على أن طلاب هذه الشهادات يدرسون بالفعل مواد علمية متخصصة، ويخوضون اختبارات ومعايير قبول دولية مثل SAT وEST وغيرها بحسب النظام الذي يدرسون فيه، وبالتالي فإن إضافة متطلبات جديدة ينبغي أن تتم بصورة مدروسة، وفي توقيت يسمح للطلاب بالتخطيط لها، لا أن تتحول إلى قواعد مفاجئة تطبق على طلاب بدأوا بالفعل تعليمهم وفق قواعد سابقة.

وأشارت عبد الناصر إلى أن الأمر يزداد صعوبة بالنسبة للأسر التي أنفقت مبالغ كبيرة على التعليم الدولي والدروس والكتب والتجهيز للامتحانات، ثم تجد نفسها مطالبة بإنفاق إضافي على مواد لم تكن جزءًا جوهريًا من المسار الأكاديمي الذي اختارته، فضلًا عن الوقت الذي يقتطع من دراسة المواد التخصصية ومن الراحة والنوم، وما قد يترتب على ذلك من أعباء نفسية ومالية على الطلاب وأسرهم.

كما أكدت على أنه يجب مراعاة أوضاع المصريين المقيمين بالخارج الذين يدرسون هذه الشهادات، وما قد يترتب على أي متطلبات امتحانية جديدة من أعباء سفر وتكاليف ومواعيد قد لا تتناسب مع ظروف إقامتهم ودراستهم خارج البلاد.

كما أكدت أيضًا على أن العدالة التعليمية لا تعني رفض الوافد، ولا تعني إغلاق الجامعات المصرية أمام الأشقاء والأجانب، كما لا تعني إهمال الهوية الوطنية، وإنما تعني أن تكون هناك قواعد واضحة ومستقرة وشفافة، يعلمها الطالب منذ بداية رحلته التعليمية، ويطمئن إلى أن مستقبله لن يتغير بقرار مفاجئ بعد أن يكون قد قطع سنوات من الدراسة.

وتابعت: حيث إن مستقبل الطالب المصري لا يجب أن يكون بندًا في حسابات الإيرادات، ولا يجوز أن يصبح التفوق الأكاديمي أقل قيمة من القدرة على الدفع، ولا أن يدفع الطالب المصري ثمن سياسات جذب الوافدين أو تعديل القواعد التعليمية بصورة مفاجئة.

وشددت النائبة مها عبد الناصر على أننا لا نطالب بإغلاق أبواب مصر أمام أحد، وإنما نطالب بأن تظل أبواب الجامعات المصرية مفتوحة أولًا على أساس العلم والكفاءة والعدالة وأن تكون الأولوية للطالب المصري، كما نطالب بعدم تسليع التعليم، فالجامعة المصرية ليست سوقًا للمقاعد، والطالب المصري ليس مواطنًا من الدرجة الثانية في وطنه.

قبول الطلاب الوافدين واللاجئين في الجامعات المصرية

واختتمت الدكتورة مها عبد الناصر السؤال مُطالبة الحكومة بتوضيح الآتي:

أولًا: ما الأسس والمعايير الفعلية التي تحكم قبول الطلاب الوافدين واللاجئين في الجامعات المصرية، وما مدى اختلاف الحدود الدنيا ومعايير القبول بينهم وبين الطلاب المصريين، خاصة في كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة، وما مدى توافق هذه القواعد مع مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة في التعليم؟

ثانيًا: ما حجم العوائد التي تحققها الدولة من مبادرة «ادرس في مصر»، وهل يمثل تحقيق موارد بالعملة الأجنبية أحد دوافع التوسع في أعداد الطلاب الوافدين؟ وهل تضمن الحكومة أن هذا التوسع يتم داخل طاقة استيعابية حقيقية لا تؤثر على جودة التعليم والتدريب والإمكانات المتاحة للطلاب المصريين؟ وما حقيقة القول بأن الوافدين يتم قبولهم على مقاعد إضافية، وكيف يتم التأكد من عدم تأثير ذلك على جودة العملية التعليمية؟

ثالثًا: كيف تضمن الحكومة ألا تتحول الجامعات المصرية إلى سوق للمقاعد الدراسية، وألا يتحول التعليم إلى سلعة يكون معيار الحصول عليها هو القدرة على دفع المصروفات، وما الضمانات التي تكفل أن يظل الطالب المصري، المتفوق والمجتهد، في قلب أولويات السياسة التعليمية، مع وضع إطار واضح وعادل يجمع بين البعد الإنساني في قبول اللاجئين والمعايير الأكاديمية المطلوبة للحفاظ على جودة التعليم؟

رابعًا: توضيح الأساس القانوني والتربوي لتعديل قواعد احتساب مجموع طلاب الشهادات الدولية وإضافة اللغة العربية والتاريخ ومواد الهوية ضمن عناصر المنافسة على القبول الجامعي، وهل ستطبق هذه القواعد على الطلاب الذين بدأوا بالفعل دراستهم وفق قواعد سابقة أم على الدفعات الجديدة فقط؟ وما الإجراءات التي ستتخذها الحكومة لتجنب تحميل الطلاب الحاليين وأسرهم أعباء مالية ودراسية ونفسية لم تكن في حسبانهم عند اختيارهم هذا المسار التعليمي؟

الجريدة الرسمية