مع بداية العام الدراسي الجديد، متى جرمت مصر التنمر؟
في الوقت الذي تستعد فيه المدارس لاستقبال عام دراسي جديد، ويتهيأ الأطفال للعودة إلى مقاعدهم محمّلين بالحقائب والأحلام، ربما يبدأ يوم أحدهم بسؤال مختلف تمامًا: هل سأكون هذه المرة هدفًا للسخرية؟ فبينما تبدو المدرسة في عيون البعض مكانًا للعلم واللعب وتكوين الصداقات.
التنمر في المدارس
تتحول المدرسة بالنسبة لطفل آخر إلى ساحة يومية للخوف، حيث كلمة جارحة، أو لقب ساخر، أو ضحكة جماعية، كفيلة بأن تهز ثقته بنفسه وتجعله يتمنى انتهاء اليوم قبل أن يبدأ.
وما يمر على البعض باعتباره «مزاحًا بين الأطفال» قد يتحول مع التكرار والاستهداف إلى إهانة وإقصاء وخوف، خاصة حين يصبح الطفل عاجزًا عن الهروب من المتنمر داخل المدرسة أو حتى عبر شاشات الهواتف.
أيقنت الحكومات أن هناك ممارسات ضد الأطفال تتجاوز إطار المزاح، إنما يتحول إلى سلوك يستوجب التوقف والمواجهة، وقد يصل إلى حد التجريم القانوني.
القانون المصري يجرّم التنمر
في مصر، لم يعد التنمر مجرد مشكلة تربوية أو سلوكًا اجتماعيًا مرفوضًا، وإنما أصبح جريمة لها نص قانوني مستقل، صدر القانون رقم 189 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام قانون العقوبات.
وأشارت المادة 309 مكررًا (ب) التي عرّفت التنمر إلى أنه استعراض للقوة أو السيطرة أو استغلال لضعف المجني عليه، أو استهداف له بسبب صفات معينة، مثل الجنس أو العرق أو الدين أو الأوصاف البدنية أو الحالة الصحية أو العقلية أو المستوى الاجتماعي، متى كان ذلك بقصد تخويفه أو السخرية منه أو الحط من شأنه أو إقصائه من محيطه الاجتماعي.
عقوبة التنمر
وتتراوح العقوبة الأصلية وفق النص بين الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة من 10 آلاف إلى 30 ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، مع تشديد العقوبة في بعض الحالات التي حددها القانون، ومن بينها بعض الحالات المرتبطة بصفة الجاني أو سلطته على المجني عليه.
ولا يشترط النص القانوني، أن يكون التنمر اعتداءً بدنيًا حتى يصبح جريمة، إذ يمكن أن يأخذ شكلًا نفسيًا أو لفظيًا أو اجتماعيًا متى توافرت العناصر التي حددها القانون.
الطفل محمي بقانون الطفل
ولا تقف الحماية عند قانون العقوبات، إذ يقرر قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته مجموعة من الضمانات لحماية الطفل من صور العنف والضرر والإساءة البدنية والمعنوية والإهمال والاستغلال.
وهذه الحماية تعكس مبدأ أساسيًا، وهو أن الطفل ليس مسؤولًا عن مواجهة الأذى بمفرده، وأن البيئة التعليمية يجب أن توفر له الحماية والرعاية اللازمة لنموه بصورة آمنة. ومن ثم فإن التعامل مع التنمر باعتباره «مشكلة أطفال» لا ينبغي أن يعني تجاهله، خصوصًا عندما يتحول إلى سلوك متكرر يؤثر في كرامة الطفل أو سلامته النفسية أو قدرته على ممارسة حياته الدراسية بصورة طبيعية.
مواثيق دولية تحمي الطفل من العنف والإساءة
وتتفق هذه الحماية مع الالتزامات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل لعام 1989، التي تؤكد في المادة الثانية حق الطفل في الحماية من التمييز، وتنص المادة التاسعة عشرة على اتخاذ الدول التدابير اللازمة لحماية الطفل من جميع أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو النفسية. كما تؤكد الاتفاقية حق الطفل في التعليم، وأن تكون العملية التعليمية قائمة على احترام كرامته وحقوقه.
لا تتعامل الاتفاقية مع «التنمر» باعتباره جريمة مستقلة بالاسم، فإن مبادئها توفر إطارًا واضحًا لحماية الطفل من السلوكيات التي تمثل عنفًا أو تمييزًا أو إساءة نفسية. كما تمتد الحماية الدولية بصورة خاصة إلى الأطفال ذوي الإعاقة من خلال اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تلزم الدول بحمايتهم من جميع أشكال الاستغلال والعنف والإساءة
حملة واعي وغالي
وفي ١ سبتمبر أعلنت رئيسة المجلس القومي للمرأة عن إطلاق النسخة الثانية من حملة "واعي وغالي" بالتزامن مع بدء العام الدراسي الجديد، استكمالًا لجهود العام الماضي في حماية الأطفال من العنف والإساءة.
وتستهدف الحملة رفع الوعي بعدد من القضايا المحورية، وفي مقدمتها: التصدّي للتنمر، والتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية غير الآمنة وما تسببه من آثار سلبية.
والنسخة الجديدة من الحملة ستتضمن نشر رسائل إعلامية وإرشادية ومحتوى تفاعلي مخصص للأطفال والأهالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، بما يسهم في تعزيز ثقافة الحماية وتشجيع الأطفال والأسر على طلب المساعدة والإبلاغ الفوري عن أي مخاطر قد تواجههم.
