في زيارة شي إلى القاهرة
بكين تحجز مساحة في بيئة دولية متغيرة من البوابة المصرية
في زيارة جاءت في توقيت حساس تمر به منطقة الشرق الأوسط، قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة رسمية إلى جمهورية مصر العربية للاحتفال بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والاحتفاء بشراكة اقتصادية وأمنية ممتدة على مدى عقود.
وتمثل مصر بالنسبة لكل دول العالم مركز ثقل الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، وهي دولة استثنائية ومهمة لكل شركائها حول العالم، إلا أن اضطرابات المنطقة لابد وأن لها جزء واسع من هذه الزيارة لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين..
في وقت تسعى فيه القاهرة التي تحيط بها الحروب سواء في غزة أو في السودان أو الحرب الأمريكية الإيرانية ما أثر سلبًا على الوضع الاقتصادي المصري، لاسيما ما يحدث من حصار في مضيق هرمز واختناق أكثر من 60% من الإيرادات نتيجة لتداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة..
وبنفس الوقت تضررت الصين بالقدر نفسه بعد ان اضطرت إلى تغيير مسارات صادراتها إلى الشرق الأوسط نتيجة الاضطرابات الحاصلة، لذلك إن الزيارة مهمة جدًا لأن البلدين يتشاركان مصلحة واحدة لإرساء الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.
وما يجمع البلدين على الرغم من امتلاكهما قوة عسكرية ضخمة إلا أنهما لم يدخلا أي حروب، بل اعتمدا عنصر الوساطة لإنهاء النزاعات وإقامة العلاقات الودية مع جميع الأطراف حتى في ما يتعلق بالحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإيران، وقد تلاقت هذه المقاربات ما بين الجانبين..
فكانت الزيارة ترجمة عملية لذلك، في وقت تناقلت كل وسائل الإعلام العالمية والعربية تفاصيل هذه الزيارة وجولة الرئيس الصيني في مصر وزيارة المتحف وغير ذلك، واستقبال القادة في ظل مرحلة كانت الزيارات الرسمية تقتصر على بحث التهدئة فيما يخص الحروب والنزاعات أكثر منها لتعزيز الشراكات والعلاقات الثنائية.
ورغم الظروف التي تشهدها المنطقة يبقى للاقتصاد وقعه وحصته، حيث وقع البلدان 25 اتفاقية عززا فيها علاقتهما الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية، وكانت النقطة الأبرز الاتفاق على ربط استراتيجية التنمية المصرية طويلة الأجل رؤية 2023 بمبادرة الحزام والطريق الصينية لدول الجنوب، إلى جانب توسيع المنطقة الاقتصادية الصينية المصرية في قناة السويس، واستخدام العملات المحلية في التبادلات التجارية القائمة بين البلدين.
وعلى الصعيد العسكري، قبل بعض الوقت أجرى الجانبان مناورة مشتركة باسم نسور الحضارة ضمن محاكاة قتالية تؤكد أن العلاقة لم تغفل أي تفاصيل، ودعم بكين للقاهرة في ما يتعلق بحقوقها في موارد النيل المائية بالنظر إلى النزاع القائم مع إثيوبيا ومصر، ما يشير إلى أن ثمة تحولات في سياسة الصين الخارجية الذي قد يكون عاملًا مساعدًا للقاهرة في إلزام أديس أبابا بمسار تفاوضي بشأن سد النهضة والحصص المائية.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من الرمزية الدبلوماسية الكبيرة والرسائل السياسية العديدة التي أثارتها الزيارة، فإن البلدين لا تزالان ملتزمتين بشراكاتهما الاستراتيجية وعلاقاتهما المهمة مع الشركاء الآخرين، لا سيما الولايات المتحدة، فواشنطن لا تزال شريكًا بالغ الأهمية للقاهرة من منظور التعاون العسكري والدبلوماسي، في جميع المسائل المتعلقة بالاستقرار الإقليمي، في إسرائيل وفلسطين وليبيا والسودان، فضلًا عن الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، أما الصين، فقد طورت شراكات استراتيجية مع إيران وتركيا ودول الخليج العربي، ولديها علاقات مستقرة مع إسرائيل.
بالتالي، تعمل القاهرة على تنويع شراكاتها وخطط تعاونها، بما في ذلك جميع الشؤون العسكرية والتكنولوجية، دون ربط نفسها بقوة عظمى داعمة مهما كان حجمها، وبنفس الوقت، يتزايد نفوذ الصين في الشرق الأوسط، وتتنامى شراكات مصر الدولية وسط الاضطرابات الإقليمية في المنطقة. هاتان هما أبرز ما خلصت إليه زيارة شي جين بينغ إلى مصر.
ورغم العناوين البراقة التي حظيت بها الزيارة لكن يبقى عاملًا مهمًا يجب ذكره، وهو أن بكين تسعى من خلال اتباع سياسة على المدى الطويل في حجز مقعد دائم لها للحصول على مساحة أوسع للحركة في بيئة دولية متغيرة مدخلها العمق المصري.

