صرخة ضريح.. القمامة تحاصر قبر الإمام “السيوطي” صاحب العلوم السبعة والمؤلفات الـ600.. ولماذا تتقاعس الحكومة عن الاهتمام به؟؟
جرى العرف أن تتعامل الحكومات والشعوب مع علمائها –أحياء وأمواتًا- في جميع المجالات بإكبار وتوقير، ولكن هذا لا يحدث في حالات كثيرة، منها: حالة العالم والفقيه جلال الدين السيوطي الذي تحول ضريحه بمنطقة السيدة عائشة بالقاهرة إلى مقلب للقمامة. حالة السيوطي قد لا تكون استثنائية أو فردية، بل تشمل أسماء بارزة ومؤثرة، وهو ما يتناقض مع الحديث عن مشروع القاهرة التاريخية؛ حيث يبدو هناك فارق كبير بين ما ينشر في وسائل الإعلام من تصريحات رسمية وحكومية، وبين واقع بعيد تمام البعد عنه.
ورغم الحالة المزرية التي وصل إليها قبر السيوطي إلا إن جهات عديدة، سواء ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة غضت الطرف تمامًا، وتجاهلت الموضوع، كأنها لا يعنيها من قريب أو بعيد. يذكر هنا أن ضريح السيوطي بمحافظة أسيوط لا يخص “جلال الدين”، ولكن يخص والده الذي كان من علماء الشافعية المعروفين في زمانه.
والإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي –لمن لا يعلم- واحد من أكابر علماء الإسلام وأفذاذهم ونوابغهم، وموصوف بـ"صاحب العلوم السبعة". أبصر النور في العام 1445بالقاهرة، وغيَّبه الموت في العام 1505 ميلاديًا. وبين التاريخين..أثرى "السيوطي" المكتبة الإسلامية بمئات الكتب والمراجع المهمة.
كان "السيوطي" سليل أسرة اُشتهرت بالعلم والتدين، وكان أبوه صالحًا. أصبح "السيوطي" يتيم الأب وهو ابن ست سنوات فقط، فاتجه إلى حفظ القرآن الكريم، وأتمَّ حفظه وهو دون الثامنة، كما حفظ كتبًا مثل: "العُمدة"، و"منهاج الفقه والأصول"، و"ألفية ابن مالك"، فاتَّسعت مداركُه وزادت معارفُه. تأثر "السيوطي" في مرحلة الصبا والشباب بعدد من نوابغ العلماء في زمانه، أبرزهم: الفقيه الكبير الكمال بن الهمام الحنفي، وأخذ عنه ابتعادَه عن السلاطين.
وضع "السيوطي" كتابه الأول: "شرح الاستعاذة والبسملة" وهو ابن سبعة عشر عامًا، وصادف ثناءً وتقديرًا كبيرين. لم يكتفِ "السيوطي" بالجلوس إلى عشرات العلماء الرجال في عصره، بل كان له شيوخٌ من النساء اللاتي بلغن الغاية في العلم، مثل: آسية بنت جار الله بن صالح، وكمالية بنت محمد الهاشمية، وأم هانئ بنت أبي الحسن الهرويني، وأم الفضل بنت محمد المقدسين وغيرُهن كثيراتٌ!! طاف "السيوطي" العالم شرقًا وغربًا، وتلقى صنوف العلم على أيدي كبار العلماء في الأقطار الإسلامية. عندما اكتملت أدوات "السيوطي" جلس للإفتاء في العام 1466ميلاديًا وأملى الحديثَ في العام التالي.
كان "السيوطي" واسع العلم، غزير المعرفة، عظيم الاطلاع، كثير التأليف، حيث قال عن نفسه: "رُزقت التبحُّر في سبعة علوم هي: التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع". لزم "السيوطي" داره في روضة المقياس على النيل، وهو في الأربعين من عمره، وتفرغ للعبادة والتأليف.
عاصر "السيوطي" ثلاثة عشر سلطانًا مملوكيًا. كانت علاقته بهم جميعًا مُتحفظة، وطابعُها العام المقاطعة، حيث وضع نفسه في مكانته التي يستحقها، وسلك معهم سلوك العلماء الأتقياء الأنقياء. كان بعض الأمراء يأتون لزيارة "السيوطي" ويقدمون له الأموال والعطايا والمِنح والهدايا النفيسة، فيردُّها ولا يقبل من أحد شيئًا، بل رفض مراتٍ عديدةً دعوة السلطان لمقابلته، وألَّف في ذلك كتابًا طريفًا أسماه: "ما وراء الأساطين في عدم التردد على السلاطين".
تمنَّى "السيوطي" أن يكون إمام المائة التاسعة من الهجرة لعلمه الغزير، فقال: "إني ترجيتُ من نعم الله وفضله أن أكون المبعوث على هذه المائة، لانفرادي عليها بالتبحُّر في أنواع العلوم". زادت مؤلفات "السيوطي" على ثلاثمائة كتاب ورسالة، وقدَّرها "ابن إياس" بستمائة مؤلف.
من أبرز مؤلفات "السيوطي" في علوم القرآن والتفسير: "الإتقان في علوم التفسير"، و"متشابه القرآن"، و"الإكليل في استنباط التنزيل"، و"مفاتح الغيب في التفسير"، و"الألفية في القراءات العشر".
ومن كتبه في الحديث وعلومه: "إسعاف المبطأ في رجال الموطأ"، و"تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك"، و"جمع الجوامع". وفي الفقه كتب "السيوطي": "الأشباه والنظائر في فقه الإمام الشافعي"، و"الحاوي في الفتاوي"، و"الجامع في الفرائض". وفي اللغة وعلومها.
توفي الإمام "السيوطي" في منزله بروضة المقياس على النيل بالقاهرة في 18 أكتوبر العام 1505 ميلاديًا، ولا تزال سيرته ومؤلفاته ملء السمع والبصر حتى الآن، وتُزيِّن المكتبات الإسلامية في مصر وخارجها، ولكن قبره بمنطقة السيدة عائشة الذي كان يمكن أن يصبح مقصدًا ضمن مقاصد السياحة الدينية تحول إلى ملف قمامة.
نقلا عن العدد الورقي
