رئيس التحرير
عصام كامل

"شهادة التخرج لم تعد تضمن الوظيفة".. أين يذهب 743 ألف خريج مصري كل عام؟

صورة أرشيفية لملتقي
صورة أرشيفية لملتقي توظيف
18 حجم الخط

انتهى زمن كان فيه حصول الشاب على شهادة جامعية يعني، بشكل شبه تلقائي، بدء رحلة انتظار الوظيفة الحكومية.. اليوم يتخرج مئات الآلاف من الجامعات والمعاهد كل عام، لكن الطريق إلى الوظيفة لم يعد يمر بالضرورة من بوابة الحكومة، بينما أصبح القطاع الخاص وسوق العمل الحر والعمل بالخارج البدائل الأكثر حضورًا أمام الخريجين. 

وبينما تدخل أعداد جديدة من الشباب سوق العمل سنويًا، تتغير احتياجات الاقتصاد بصورة أسرع من قدرة بعض التخصصات الجامعية على مواكبتها، لتظهر فجوة جديدة لا تتعلق فقط بعدد الوظائف، وإنما بمدى توافق ما يتعلمه الطالب داخل الجامعة مع ما يبحث عنه صاحب العمل.

فأين يذهب خريج الجامعة بعد التخرج؟ وهل ما زالت الوظيفة الحكومية حلمًا واقعيًا لغالبية الشباب، أم أن سوق العمل المصري دخل بالفعل مرحلة جديدة أصبح فيها المؤهل وحده غير كافٍ للحصول على الوظيفة؟

743 ألف خريج يدخلون سوق العمل

تظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وصول عدد خريجي التعليم العالي إلى نحو 743 ألف خريج خلال عام 2024، بما يعكس حجم الأعداد الجديدة التي تدخل سوق العمل سنويًا.

ويمثل هذا العدد تحديًا أمام سوق العمل، خاصة مع اختلاف احتياجات القطاعات الاقتصادية من تخصص إلى آخر، وعدم توافق بعض مخرجات التعليم مع الوظائف المتاحة.

القطاع الخاص في صدارة فرص العمل

تشير بيانات وزارة التخطيط إلى أن القطاع الخاص أصبح يستوعب النسبة الأكبر من المشتغلين في مصر، بينما تستهدف الاستراتيجية الوطنية للتشغيل حتى 2030 خلق نحو 1.4 مليون فرصة عمل سنويًا، مع التركيز على دعم الاستثمار والصناعة والتدريب وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.

ويعني ذلك أن القطاع الخاص بات المسار الرئيسي أمام الغالبية العظمى من الباحثين عن فرص عمل، في وقت تتراجع فيه قدرة الجهاز الحكومي على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين.

التعيين الحكومي أصبح مرتبطًا بالاحتياج

في القطاع الحكومي، أصبح الحصول على الوظيفة مرتبطًا بإعلان احتياج فعلي لدى الجهات الحكومية، ثم المنافسة من خلال مسابقات واختبارات وفق قواعد الجدارة، بدلًا من نموذج التعيين الواسع الذي كان قائمًا في فترات سابقة.

وبالتالي لم يعد حصول الشاب على مؤهل جامعي يعني تلقائيًا دخوله الجهاز الإداري للدولة، وإنما يرتبط الأمر بوجود وظيفة شاغرة تتوافق مع احتياجات الجهة الحكومية.

فجوة بين التخصصات والوظائف

ولا تتوقف أزمة تشغيل الخريجين عند عدد الوظائف، إذ تكشف دراسات سوق العمل عن استمرار فجوة بين بعض التخصصات الجامعية والوظائف المتاحة، ما يدفع خريجين إلى العمل في وظائف لا تتناسب مع مستوى تعليمهم أو تخصصاتهم.

وتشير هذه الفجوة إلى أهمية إعادة النظر في العلاقة بين أعداد المقبولين في التخصصات المختلفة واحتياجات سوق العمل الفعلية، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد.

التدريب والمهارات يدخلان على خط التشغيل

تعمل الحكومة على تعزيز الربط بين التعليم والتشغيل من خلال تطوير منظومة التدريب المهني، وتوفير بيانات عن المهن الأكثر طلبًا، ورفع جاهزية الطلاب والخريجين للالتحاق بسوق العمل.

وأصبح امتلاك المهارات العملية والتكنولوجية، إلى جانب المؤهل الأكاديمي، أحد العوامل الأساسية في فرص الحصول على وظيفة، مع تزايد احتياجات قطاعات جديدة للعمالة المدربة.

أين يذهب خريج الجامعة؟

أصبح خريج الجامعة أمام مجموعة من المسارات بعد التخرج، يأتي في مقدمتها العمل بالقطاع الخاص، إلى جانب العمل الحر وريادة الأعمال والعمل بالخارج، بينما تظل الوظائف الحكومية متاحة وفق الاحتياجات المحددة للجهاز الإداري.

وفي الوقت نفسه، يواجه بعض الخريجين خطر البقاء خارج سوق العمل أو الاضطرار إلى قبول وظائف تقل عن مستوى تأهيلهم، نتيجة عدم توافق التخصص أو المهارات مع متطلبات الوظيفة.

التحدي الأكبر.. وظائف تناسب الخريجين

مع دخول مئات الآلاف من الخريجين إلى سوق العمل سنويًا، يبرز التحدي الرئيسي أمام الدولة والاقتصاد في توفير وظائف تتناسب مع أعداد الخريجين وتخصصاتهم ومهاراتهم.

ولم تعد القضية مرتبطة فقط بتوفير وظيفة للخريج، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد على خلق وظائف ذات قيمة وإنتاجية، وقدرة منظومة التعليم على إعداد خريجين تتوافق مهاراتهم مع احتياجات هذه الوظائف.

وتبقى القضية الأهم خلال السنوات المقبلة: هل تنجح مصر في تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وتحويل الزيادة في أعداد الخريجين إلى قوة عمل تتناسب مع احتياجات الاقتصاد، أم تستمر مشكلة البطالة وعدم توافق المؤهلات مع الوظائف المتاحة؟

الجريدة الرسمية